ملف الأسبوع | أحزاب المعارضة بين الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس

بدأت منذ الآن التسخينات والاستعدادات لانتخابات 2026، التي سيطلق على الفائز باستحقاقاتها لقب “حكومة المونديال”، وكانت الإشارات المنبعثة منها تقول بأن حلفاء اليوم المشكلين للحكومة، بدأ الصراع بينهم منذ الآن، خاصة بعد تصريح الأمين العام لحزب الاستقلال مؤخرا في مهرجان خطابي بأسفي، هاجم من خلاله الحكومة التي يشكل حزبه مكونا منها، إلا أن الغريب في الأمر هو صمت أحزاب المعارضة، التي لم يظهر من مكوناتها وما أكثر مشاربهم، أي برنامج نضالي أو شعار للمرحلة المقبلة، ليبدو الحال وكأنها تسلم بالأمر الواقع وتقول بأن لا حظ لها في الاستحقاقات الانتخابية القادمة.. فهل يعتبر هذا بمثابة نهاية للمعارضة في المغرب ؟
هذا ما يحاول هذا الملف طرحه.
أعد الملف: سعد الحمري
تاريخ المغرب السياسي بني على معارضة قوية
لقد تشكل الوعي الوطني منذ أن فرضت على المغرب الحمايتان الفرنسية والإسبانية، ومن تم بدأت معارضة هذه القوى الاستعمارية، أي معارضة السلطة القائمة وهي سلطات الحماية، ومن هنا نشأت الحركة الوطنية كقوة معارضة لمشاريع الحمايتين، وكانت لها صولات وجولات ضد القوتين الاستعماريتين. وحتى بعد حصول البلاد على استقلالها، أصبح النسق السياسي خلال مرحلة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني قائما على وجود معارضة قوية ومنسجمة مقابل حكومة تعاني من مشاكل داخلية، مع الإشارة إلى أن أول حزب حمل مشعل المعارضة في تاريخ المغرب المستقل كان هو حزب الشورى والاستقلال، الذي كان عضوا في أول حكومة، غير أنه فضل الخروج للمعارضة، ثم تبعه تأسيس أول حزب في تاريخ المغرب المستقل سنة 1957 وهو حزب الحركة الشعبية، الذي خلق من أجل القيام بدور المعارضة وقام بها على أحسن وجه في وقت من الأوقات، ثم تحول إلى المشاركة في الحكومة منذ ذلك الحين، وكانت أول مرة غادر فيها الحكومة نحو المعارضة، هي الحكومة الحالية.
أما خلال مرحلة حكم الحسن الثاني، فيمكن تسميتها بالعصر الذهبي للمعارضة، حيث حدثت خلال هذه المرحلة والتي تعرف بسنوات الرصاص أيضا، عدة تحالفات بارزة بين أحزاب المعارضة، من أهمها ما حدث انطلاقا من سنة 1969، حيث تعرض مناضلو الحزبين لحملة من التضييق والاعتقالات، وحصل توافق بين الحزبين توج بالإعلان يوم 22 يوليوز 1970، في مدينة سلا، من طرف زعيمي الحزبين، علال الفاسي وعبد الله إبراهيم، عن ميلاد الكتلة الوطنية، وقد تزامن ميلاد هذا التحالف مع خطاب 8 يوليوز 1970، الذي أعلن من خلاله الملك الحسن الثاني عن إجراء استفتاء دستوري يوم 24 يوليوز 1970، وكانت الفرصة مواتية للحزبين لإبراز تحالفهما وقوة معارضتهما للحكم، وذلك عندما قررا التصويت بـ”لا” على الدستور الجديد الذي طرحه الحسن الثاني للاستفتاء.
لم يكن ما حصل سنة 1970 حدثا شاذا في تاريخ المعارضة المغربية، بل كانت الساحة السياسية بعد 22 سنة من هذه الحادثة، على موعد مع ما هو أكبر مما حدث سنة 1970.. فبمناسبة الاستفتاء الدستوري لسنة 1992، قامت المعارضة بحركة سياسية نشيطة من أجل تقديم مقترحاتها حول الدستور الجديد ومدونة الانتخابات الجماعية لسنة 1992، والتشريعية لسنة 1993، وكانت نتيجة نشاط المعارضة المتمثلة في حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، تقديم مذكرة حول الإصلاح الدستوري بتاريخ 3 أكتوبر 1991، وقد توج هذا التنسيق بتأسيس الكتلة الديمقراطية يوم 17 ماي 1992، شملت كلا من حزب الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، حزب التقدم والاشتراكية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث رأت الكتلة أنه في إصلاح مدونة الانتخابات بوابة حقيقية لتدشين المسلسل الديمقراطي، لذلك سعت إلى وضع مقترح قانون ينظم الانتخابات الجماعية والتشريعية، طالبت من خلاله بتغيير طريقة انتخاب أعضاء البرلمان ورؤساء المجالس البلدية والقروية.

غير أن الكتلة أدركت صعوبة تمرير مقترح قانون تعديل مدونة الانتخابات أمام لجنة العدل والتشريع بالبرلمان، وعلى هذا الأساس، بادرت إلى نهج سياسة جديدة، تتعلق برفع مطالبها على شكل مذكرات مباشرة إلى ملك البلاد، وأمام هذه المناورة، قامت الأحزاب المشكلة للحكومة بتمرير مشروع قانون الانتخابات بواسطة أغلبيتها البرلمانية دون الأخذ بعين الاعتبار المقترحات التي طالبت أحزاب المعارضة بإدخالها، وما يذكر للكتلة الديمقراطية، أنها ناضلت خلال مرحلة امتدت خلال إصلاحين دستوريين، ويتعلق الأمر بفترة 1992 و1996، ثم انتقلت من صفوف المعارضة إلى كراسي الحكم، بعد فوز الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالانتخابات التشريعية عام 1997، كما تم تسجيل الانفتاح السياسي النسبي، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وتدشين حكومة التناوب بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي آنذاك، وقد شكلت هذه السنة حدثا بارزا ولحظة فارقة، تمثلت في تولي أقوى حزب معارض مسؤولية قيادة الحكومة.
هل هي نهاية المعارضة في المغرب ؟
بدأت مرحلة حكم الملك الشاب محمد السادس، وكان معها عصر الإيديولوجيات قد انتهى تماما، ومن هنا لم تبق أمام الأحزاب السياسية إيديولوجية معينة تتغنى بها وتدعي أنه من خلالها يمكن تخليص المغرب من مشاكله، ولم يستطع أي حزب قبل دستور 2011 إقناع المغاربة بمشروعه الفكري والإصلاحي سوى حزب العدالة والتنمية، الذي أصبح رمزا للمعارضة حاملا معه مشروعه الإسلامي، وقد حملته صناديق الاقتراع بعد دستور 2011 إلى رئاسة الحكومة بزعامة عبد الإله بن كيران، غير أن المشهد كان قد تغير منذ تلك اللحظة وإلى اليوم، حيث أنه في ثلاث حكومات متتالية منذ الدستور الجديد، لم يتمكن أي حزب معارض من الفوز بالانتخابات التشريعية، وقيادة الحكومة، كما يحصل في العديد من دول العالم، وخصوصا في أوروبا.. ففي انتخابات 2017 كرر حزب العدالة والتنمية نفسه واكتسح مقاعد البرلمان، أما انتخابات 2021، فقد حملت حزبا كان مشاركا في الحكومتين السابقتين.
وبعد انتخابات 8 شتنبر 2021 وتشكيل الحكومة الجديدة، وقعت أحزاب التحالف الحكومي يوم 6 دجنبر من نفس السنة، على “ميثاق الأغلبية”، الذي كان بمثابة إطار مؤسساتي، ومرجعا يحدد أساليب الاشتغال والتعاون بين مختلف المؤسسات الحكومية والبرلمانية والحزبية، ونص الميثاق على استثمار أمثل ومسؤول للزمن السياسي والحكومي والتشريعي للقيام بكل الإصلاحات والأولويات الملحة، وتنفيذ الأوراش التنموية والاقتصادية الكبرى، وقد وضعت الأغلبية ضمن ميثاقها عشرة أهداف قالت إنها ((ستعمل على تحقيقها بهدف مواصلة بناء أسس الدولة الاجتماعية، ووضع لبنات اقتصاد قوي، وذلك من خلال الرفع من وتيرة النمو ليصل إلى 4 في المائة خلال الخمس سنوات المقبلة، وإحداث مليون منصب شغل صاف خلال هذه الولاية الحكومية.
وفي الاتجاه المعاكس، لم تقابل هذه الخطوة أي مبادرة من أحزاب المعارضة، حيث كان هناك تنافر واضح بينها، حيث أنه على مدار أربع سنوات كاملة، لم نلاحظ أي محاولة للتنسيق بينها وإن حصلت فهي محدودة، وكل ما حصل هو مؤتمرات داخلية لأحزاب المعارضة من أجل النقد الذاتي وإعطاء نفس جديد عن طريق انتخاب زعماء شباب لمواكبة المرحلة الجديدة، غير أن المفاجأة أن هذه الأحزاب سارت على نسق واحد وهو تجديد الثقة في زعاماتها السابقة.. فقد أعيد انتخاب محمد نبيل بنعبد الله أمينا عاما لحزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب تعديل القانون الداخلي لحزب الاتحاد الاشتراكي من أجل منح إدريس لشكر ولاية ثالثة، وهو ما حصل، أما حزب العدالة والتنمية، فما زالت فكرة الزعيم ترافقه، حيث أعاد عبد الإله بن كيران إلى زعامة الحزب، وفيما يتعلق بالوافد الجديد على المعارضة، فقد جرى انتخاب محمد أوزين أمينا عاما لحزب الحركة الشعبية، من أجل لعب دور المعارضة، لكن لا شيء ظهر منه حتى الآن اللهم بعض الخرجات الإعلامية.

ويمكن القول أن المعارضة خلال هذه الحكومة كانت غائبة تماما على القيام بدورها، فهل يعني هذا نهاية لعبة المعارضة والحكومة داخل البرلمان؟ يبدو أن الوضع أصبح يتجه في هذا المسار، وعلى عكس ذلك، تستمر في عدة دول لعبة اليمين واليسار، حيث يحكم اتجاه مدة ثم يأتي الاتجاه الآخر ليصعد إلى الحكم فترة أخرى، بينما في المغرب انتهت الإيديولوجيات – كما قلنا- وكان آخر اتجاه هو الإسلامي، غير أن إمارة المؤمنين عندنا في المغرب تمنع أي حزب من لبس جلباب الدين)).
كل ما يدور داخل المعارضة هو الجمود، وقد لخصت جريدة “هسبريس” قبل شهر من الآن، وضع المعارضة الحالي بما يلي: ((في سياق سياسي عادي مثل الذي يعيشه المغرب، يفترض أن تكون الانتخابات محطة لمحاسبة الحكومة ومكوناتها على الحصيلة التي حققتها خلال سنوات التدبير، والتي من الطبيعي أن تمزج بين الفشل والنجاح، وهو الأمر الذي يمثل حافزا للمعارضة للتركيز على الهفوات والإخفاقات في محاولة لتأليب الرأي العام على الأحزاب المسيرة تمهيدا لإسقاطها في الاختبار الانتخابي.. لا شيء من هذا أو ذلك حاصل حتى الآن، فقط أحزاب التحالف الحكومي بدأت عمليات الإحماء المبكرة استعدادا لخوض المواجهة الانتخابية، في الوقت الذي ما زالت فيه غالبية أحزاب المعارضة تحاول لملمة صفوفها وترتيب بيوتها الداخلية، وهي إشارة إلى أنها ستبدأ السباق متخلفة عن المنافسين الثلاثة بخطوة على الأقل، ما يجعل الانطباع السائد لدى الرأي العام هو أنها سلمت بـ”الهزيمة” قبل بداية المعركة)).
مؤخرا صرح عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بأن ((أي حزب سياسي في المغرب لا يحاول الظفر بالمرتبة الأولى، لا يستحق العمل السياسي في البلد))، مضيفا ((إذا لم تكن أنت الأول، لن تستطيع القيام بشيء))، وتابع بن كيران كلامه معلقا على التنافس الانتخابي الذي بدأ مبكرا، بأن حزبه من الممكن أن يحصد المرتبة الأولى في الانتخابات القادمة على اعتبار أنه كما سقط من 125 مقعدا برلمانيا إلى 13 مقعدا، فبإمكانه أن يقفز من 13 إلى 100 وإعادة تصدر المشهد السياسي من جديد، دون أن يقدم أي خطة عمل أو ينطلق الحزب في أي حملة مبكرة، وعلى غراره، صرحت عدة قيادات يسارية بأن الساحة الأوروبية شهدت صعود اليسار الذي قضى على طموح اليمين المتطرف، كما حصل في فرنسا، واعتبر بعض المناضلين اليساريين أن من شأن ذلك أن يساعد اليسار على تصدر المشهد السياسي في المغرب.
ورغم هذه التصريحات، فإن الأمر يتعلق بمجرد أحلام، سواء من الإسلاميين أو اليساريين، غير أن المشكلة الكبرى تبقى هي فراغ المشهد السياسي، وكما هو معلوم، فإن الطبيعة تمقت الفراغ، وهناك نظريات سياسية تقول أن النظام في المغرب يقدم خلال الأزمات والهزات الاجتماعية على التحالف مع قوى المعارضة التي تحظى بدعم شعبي كبير.. فأين هي قوى المعارضة الآن التي تحظى بدعم شعبي كبير؟ وهل هناك ضرورة للالتفاف وتقوية المعارضة، أم أن هناك تحولات قادمة لم يتم استيعابها تقوم على أغلبية قوية في مواجهة معارضة ضعيفة ؟



