بين السطور | من مغرب البخاري إلى مغرب الحموشي

لكل زمن رجال، ولكل الرجال زمنهم(…)، ولا دخل لإنسان في قرارات مُلك الزمان، وقد اختارت الأقدار أن تتوالى الوفيات في صفوف آخر رجالات المخابرات من زمن الحسن الثاني، وآخرهم الضابط المحسوب على جهاز “الكاب 1” أحمد البخاري، الذي توفي منتصف فبراير الجاري، وثلاثة أسابيع من قبل، سبقه إلى القدر المحتوم، الحسن بروكسي، العلبة السوداء لوزارة الداخلية، الذي اشتهر بكتابة التقارير الكبرى في المجال السياسي، وكانت تقاريره عبارة عن أدراج ساهمت في صعود نجم إدريس البصري(…).
بالنسبة للأول، أحمد البخاري، الضابط السابق في المخابرات، الذي عُرِف بلقب “العلبة السوداء” نظرا لمعرفته الواسعة للأسرار والملفات الحساسة، التي عاشها كملاحظ قريب(…)، وكتب ذلك من منطلق المطّلع العارف، مذكرات أقامت في وقت مضى ضجة كادت أن تؤدي إلى صدور قرار منع الصحف التي تحدثت عنه، قرار دفعت إليه آنذاك أطراف عدّة، وأعضاء حكومة ذلك الوقت يعرفون التفاصيل.. كما يعرفها واحد منهم، وهو امحند لعنصر، الذي كان قد أثار الموضوع بحدة، وربما كان يعتقد أن الموقف يحتاج إلى قرار من ملك البلاد، “منّي منّك”، إلى أن أصدرت محكمة البيضاء في شتنبر 2001، حكما بحبس أحمد البخاري سنة مع النفاذ، رغم أن كل حكم ابتدائي لا يكون مقرونا بالنفاذ قبل الاستئناف، وإنما كان ذلك الحكم مقصودا في حق هذا الاسم السابق في جهاز “كاب 1”.
أما الحسن بروكسي، فقد بدأ كشاب خجول منعدم الشخصية، خطير فقط بتحليلاته، وأحد الطلبة المتنطعين الذين عايشوا الاتحاد الوطني للطلبة المعارضين في فرنسا، إلى أن أحس بخطر الطلبة(…)، فحمل حقيبته ودخل الجامعة ليجالس أصل المشكل، ويعانق معقل الجهاز الذي كان يزعج الملك: الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ويرتبط بصداقات مع الطلبة والأساتذة، ليصبح اليد الأمينة، والذراع البالغة(…) في أوساط الطلبة، لطمأنة النظام على أن الخطر محاصر في بؤرته، إلى أن دخل دهاليز الداخلية، وخرج من انشغالاتها كمستشار مؤثر في ديوان البصري، وليس في قدمه حتى حذاء سليم، بعد أن أصبح مستشاره المفضل.. إلى درجة أن كُلّف بروكسي بتقديم تقارير يومية للملك نفسه، ليكتب فيما بعد عن أيام شغله مع الحسن الثاني ووزيره في الداخلية، وحيثياتها الخفية والمخفية، كيوم سماعه للملك الراحل يقول لبعض مساعديه: “أنا وحيد في هذه الباخرة، فهذا مصير الملوك، لأنهم يشعرون دائما بالوحدانية”.. جزئيات تنسي الواحدة في الأخرى، كل راغب في معرفة الخبايا والخفايا كما عاشها الكاتب الزموري من قلب مكاتب وزارة الداخلية البصرية، ليخرج في آخر كتاباته باستنتاج تعبيرات غريبة عن قواميسنا الحالية(…) المألوفة، من صنف: “إن المخزن هو الضمان الاجتماعي بالنسبة لرجاله”.
بين الأمس واليوم، تغيرت أساليب المخابرات، وبوفاة الأسماء سالفة الذكر، يكون “التبوليسيت” المغربي قد طوى صفحة آخر رجال المخابرات في زمن الحسن الثاني.
اليوم، لا مجال للحديث عن أساليب المخابرات القديمة، في ظل التطور التكنولوجي والأبعاد الدولية لقطاع المخابرات، وانتشار الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لا يمنع من القول أن دروس الماضي يجب أن تبقى حاضرة في أذهان عناصر المخابرات الجديدة بقيادة عبد اللطيف الحموشي وياسين المنصوري(…).



