تحليل إخباري | عودة إلى زمن “السلطان والقرآن”
حوار غير مسبوق بين رجال الدولة والعلماء

إعداد: سعيد الريحاني
هل تعتقد أن رجال الدولة غير قادرين على إلقاء محاضرات في المجال الديني؟ هل تعتقد أن المسؤوليات السياسية والإدارية عائق أمام ممارسة “رسالة التبليغ”؟ هل تعتقد أن دولة عريقة مثل المغرب تمتلك فقط أذرعا حكومية وسياسية وإدارية ومؤسساتية ؟
أنت حتما مخطئ.. ففي بلاد إمارة المؤمنين، عليك أن تتوقع أن الدروس في السياسة والطب والاقتصاد.. قد تأتيك من حيث لا تحتسب(..)، إذ في زمن المزايدات والزيادات المتكررة، تحرك المجلس العلمي الأعلى، وهو بمثابة “الذراع الديني” للمملكة، ولإمارة المؤمنين، إلى “تبليغ” رسالة لمن يهمهم الأمر، عبر تنظيم لقاء كبير في يوم وصف بالمشهود، حضره مسؤولون كبار في الدولة، كلهم لبسوا عباءة الدين ليؤكدوا “أهليتهم” بالمناصب التي وصلوا إليها، وليؤكدوا استعدادهم لرسم وجه آخر للمملكة، في ظل الفتور.
ما معنى أن يعطي المجلس العلمي دور المسير لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، في لقاء أطره كل من محمد عبد النباوي الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وفوزي لقجع وزير الميزانية، وزينب العدوي رئيسة المجلس الأعلى للحسابات، كما حضره ممثل الأجهزة الأمنية وممثل القطب الأمني عبد اللطيف الحموشي، الناطق الرسمي باسم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني بوبكر سابيك، بالإضافة إلى وزير الصحة السابق خالد أيت الطالب، هذا الأخير لبس ثوب الدين بكل أريحية وكأنه يوجه رسالة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مفادها أن وزير الصحة الحالي لا قدرة له على المحاضرة في هذا المجال العريق.. وحضرت كذلك عواطف حيار، الوزيرة السابقة للتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، التي تم إبعادها خلال التعديل الحكومي الأخير(..)، بالإضافة إلى رئيس حكومة سابق هو سعد الدين العثماني، بصفته خبيرا في الطب النفسي (ومع ذلك تجب الإشارة إلى أنه كان أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية).
ولم تقتصر لائحة الحضور على الأسماء سالفة الذكر، بل شملت أيضا وزراء آخرين في الحكومة، منهم نزار البركة، وزير التجهيز والماء (يشغل أيضا منصب الأمين العام لحزب الاستقلال)، ومصطفى بايتاس الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق باسم الحكومة، والمقرب بشكل كبير من رئيس الحكومة عزيز أخنوش(..)، بالإضافة إلى أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان..
على امتداد ما يزيد عن ست ساعات، تابع الحاضرون خطابا غير مألوف من طرف المسؤولين في الدولة، هذا الخطاب غلبت عليه النفحة الدينية.. منذ متى كان الوزراء ورؤساء المؤسسات العمومية يستشهدون في خطاباتهم بآيات الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية ؟

لفهم أبعاد لقاء من هذا النوع، يجب الاستماع إلى العلماء أنفسهم، وقد جاءت الإشارة في كلمة الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، سعيد شبار، الذي كان يتحدث أمام الأمين العام للمجلس محمد يسف، الذي أكد أن دواعي مبادرة المجلس من أجل الاستماع لآراء خبراء من تخصصات متعددة، تدخل في إطار خطة “تسديد التبليغ”، وقد كان لافتا قول الكاتب العام للمجلس أن هذه المبادرة، التي أطلقها العلماء (علماء السلطان)، واجهت تشويشا، لم يحدد مصدره، ولكنه أكد أن التشويش تم إبطاله، بعد أن انتقلت “خطبة المساجد” المقترحة إلى مرحلة يتبناها أكثر من 95 في المائة من الخطباء.
و((أوضح شبار السياق الذي ينبغي أن تُفهم فيه دعوة المجلس، والتي تقوم على عدد من المنطلقات، أولها الحقيقة المتمثلة في كون الدين يشمل كل ما ينفع الناس حسب فهمهم الفطري المتعارف عليه منذ العهد النبوي.. وأن أول ما ينفع الناس هو أن يعلموا بما أمر الله به لغاية هذا النفع، وهو ما جاء في الكتاب والسنة وينتظر تبليغه من العلماء، مؤكدا على أن جدوى التبليغ تقاس بكيفية منطقية لأثره في حياة الناس اليومية، وفي مختلف مناحي الحياة الفردية والجماعية بالنسبة للمؤشرات السلبية التي تظهرها الإحصائيات.. كما أكد نفس المتحدث حرص العلماء على أن يبلغوا الناس أن أمر الدين هو شأن المتدينين.. وأن الحقيقة تقتضي ما هو مقرر في الدين من الدعوة إلى التعاون على البر والتقوى)).

إن تحريك مؤسسة العلماء بهذا الشكل، وفي حوار كبير حول التنمية والأخلاق والأمن والصحة والميزانية(..)، لم يحدث منذ زمن طويل، ويبعث في الأذهان صورة المغرب القديم، مغرب المخزن، ومغرب السلطان(..)، حيث كان السلطان يسير أمور دولته بالتشاور، وحيث كان للعلماء دور كبير، قبل أن يتراجعوا للخلف، بسبب انتشار أسلوب الانتخابات في العالم(..).
إن تحريك العلماء بأي شكل من الأشكال، هو تحريك لجانب “البيعة” في ما يتعلق بحكم أمير المؤمنين، ولفهم أبعاد هذه الحوارات، ينبغي الانتباه إلى إشارات العلماء أنفسهم، حيث شدد لحسن بن إبراهيم سكنفل، وهو رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات تمارة، على أن ((هذا الحوار يعد شكلا من أشكال التعاون على البر والتقوى، وهو مبدأ قرآني أكد عليه قوله تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى”، مضيفا أن هذا التعاون يمثل نهجا أصيلا في الدولة المغربية التي تستند إلى نظام البيعة الشرعي، حيث تعمل إمارة المؤمنين على رعاية الشأن الديني وضمان استمراريته وفق مقاصد الشريعة الإسلامية، كما أشار إلى أن العلماء، باعتبارهم نوابا عن أمير المؤمنين (انظروا إلى كلمة نواب)، يحرصون على الاستماع إلى خبراء الدولة والاستفادة من معارفهم، في حين يسعى الخبراء بدورهم إلى الاستماع لنصائح العلماء وأخذها بعين الاعتبار، فهذا التعاون هو أساس النجاح وسبيله، واستمرار مثل هذا الحوار مع كل مكونات المجتمع، على اختلاف توجهاتها، واجب شرعي وفريضة دينية ومسؤولية وطنية)) (المصدر: تصريح سكنفل لموقع “العمق المغربي”).
اللقاء غلبت عليه النفحة الدينية، كما غلب عليه تواضع العلماء، وقد كان مؤثرا حديث محمد عبد النباوي، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث قال في مقدمة مؤثرة، تحمل أكثر من رسالة تفاعل معها الحاضرون بشكل كبير: ((أشعر بكثير من التواضع وأنا أتحدث إليكم من موقع القضاء الذي كان العمل بأسلاكه قَدَرِي، وذلك لأنكم أنتم العلماء من وضع قواعده وصنف مبادئه واضطلع بمهامه عبر الأزمان، وتعلمون أيضا حضرات السيدات والسادة، أن أعدل القضاة وأشدهم نباهة وذكاء وحكمة ومعرفة، كانوا فقهاء، وتعرفون العديد منهم كشُريح بن الحارث الكندي، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قاضي قضاة هارون الرشيد وشيخ أبي حنيفة، والقاضي سحنون بن سعيد التنوخي صاحب “المدونة” وأحد أشهر فقهاء المالكية في الأندلس والمغرب، واللائحة تطول.. وتعلمون كذلك أنه كما تولى القضاء كبار فقهاء الأمة الإسلامية، وتركوا على صفحات التاريخ أثار علمهم ووَرَعِهم وتقواهم.. فقد تهيَّب فقهاء آخرون من مهمة القضاء ورفضوا الاضطلاع بها خوفا من الوقوع في الغلط أو الاضطرار إلى القبول بالباطل، وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة والحسن البصري وسفيان الثوري وآخرون.. وكيف لا يهابون هذا المنصب الذي قال رسول الله (ص) عن القائمين به: اثنان منهم في النار وواحد في الجنة..)) (المصدر: مقتطف من كلمة عبد النباوي خلال لقاء المجلس العلمي).

هكذا تحدث “رئيس” أكبر جهاز قضائي في المملكة، قبل أن يتناول الحديث عن دور القضاء في التنمية البشرية، وحاجة التنمية إلى الأمن والعدل.. ((فكما تعلمون ذلك، فأنتم تعرفون دور القضاء في المجتمعات، وارتباط ذلك الدور بالتنمية البشرية في أبعادها المختلفة.. فالتنمية تحتاج للأمن والاستقرار، لأنه في غيابهما لا يمكن للمستثمر أن يغامر بأمواله لتحقيق وحدات إنتاج توفر فرص الشغل وتدر دخلا يمكن الأفراد من العيش الكريم، ودَور القضاء الأصيل هو حماية الأمن والنظام العام، وحقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم)) (نفس المصدر).
ولكن المثير في كلام محمد عبد النباوي بشكل كبير، هو تطرقه لموضوع “انتشار التفاهة” ودعوته للعلماء من أجل توجيه صناع المحتوى والتصدي للتفاهة والانحراف الرقمي، حيث قال: ((إن مواقع التواصل باتت مليئة بالمنكرات ونشر الفواحش، والمس بالمقدسات، والزور والبهتان))، مشيرا إلى أن ضبط هذه الظواهر بالقانون وحده أمر مستعص، لكون الدول لا تتحكم في البرمجيات التي تتيح نشر هذا النوع من المحتوى، ((يستعصي على الدولة أن تطهر هذا المشهد الرقمي بالقانون وحده، لأن الدول لا تتحكم في البرمجيات التي تنشر هذه المفاسد))..
ولا يمكن استحضار الجانب القضائي دون استحضار الجانب الأمني، وقد كانت المناسبة فرصة ليكشف الناطق الرسمي باسم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، بوبكر سابيك، عن أحد أوجه قوته الأكاديمية، ووعيه الديني، من خلال تقديمه لفصول عريضة من دراسة تجمع بين النظري والميداني، تحت عنوان: “خطة تسديد التبليغ وأثرها على الأمن والتنمية.. مجالات التقاطع بين وازعي القرآن والسلطان”.
هل هو أمر عادي أن يتحدث رجال الشرطة بهذه اللغة؟ وهل يمكن لأي كان أن يتحدث بهذه اللغة وبهذه العناوين؟ إنها أحد أوجه الكفاءة التواصلية للمراقب العام بوبكر، الذي حضر اللقاء كممثل عن المؤسسة الأمنية التي يوجد على رأسها عبد اللطيف الحموشي.

فـ((لا سبيل لتحقيق التنمية بدون أمن، فبدون احترام مرتكزات النظام العام والتقيد بضوابط الأمن، والالتزام بإملاءات القانون، تصير التنمية فوضى وعنوانا للاضطراب المجتمعي.. في المقابل، لا مندوحة للأمن من أوراش التنمية لأن الفقر والهشاشة والانحراف هي مجالب للخوف والجنوح، وليست مفرزا للأمن والاستقرار، فالأمن هو الذي يوفر البيئة الحاضنة للتنمية، لأن الرساميل لا تستثمر إلا في الفضاءات الآمنة، وكذلك هي الاستثمارات الأجنبية، لا تتدفق إلا إذا كانت مقرونة بتحقق شرط توفر الأمن.. بل إن مطلب الأمن صار يشغل الحيز الأكبر في دفتر التحملات الذي تقدمه مختلف الدول لاحتضان أرقى وأسمى التظاهرات والملتقيات الدولية.. وفي المحصلة، فنحن أمام علاقة تلازمية تتحقق بتوافر الشرطين: “الأمن” و”التنمية”، وتنتفي بغياب أحدهما أو كليهما، لكن تحقيق مقاصد التنمية التي نرنو جميعا إلى تحقيقها في ظل الأمن، تستدعي مرتكزا ثالثا، وهو الوازع الأخلاقي، ذلكم الضابط المعنوي الذي ينعكس على السلوك المادي للأفراد، ليسدد معاملاتهم، ويصحح علاقتهم بالأغيار، ويقوم الانحرافات المحتملة، ويهدي إلى أقوم الأفعال وخير الأقوال، وهو ما يشكل جوهر وازع القرآن، أي القدرة على التأثير والإقناع من خلال التبليغ، والذي يضطلع به العلماء وتنهض به خطة “تسديد التبليغ”، التي يعمل عليها المجلس العلمي الأعلى، وأصحاب الفضيلة العلماء والوعاظ والمرشدات والمرشدين الدينيين.. فهذه العلاقة الثلاثية المتلازمة تتجسد في قوله تعالى: “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” (سورة قريش)، وتكرسها أيضا الآية الكريمة: “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون” (سورة الأنعام)، بل إن الدعاء بالأمن جاء مسبوقا حتى على التضرع والابتهال بالتنمية في قوله تعالى: “وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات” (سورة البقرة))) (المصدر: كلمة المراقب العام بوبكر سابيك).
وكم كانت دهشة الحاضرين كبيرة وهم يتابعون دفاع مسؤول أمني عن الدين الإسلامي في حضرة العلماء والوزراء، حيث قال سابيك أن الإسلام سبق التشريعات المقارنة بأن حدد مجالات التقاطع بين الأمن والتنمية، واحترام الحقوق والحريات، وعدم التعدي عليها.. كما تحدث عما سماه العلاقة التلازمية والتكاملية بين الدين والأمن والتنمية.. وقد كان كل ما سبق مجرد مقدمة في دراسة تحاول ((تبديد غبش الغموض والإبهام المرتبط بإشكالية قياس كلفة التبليغ عن الأمن، علاوة على الجواب عن سؤال جوهري مؤداه: هل هناك علاقة سببية بين وازع القرآن وأفعال الأشخاص وامتناعاتهم التي قد تنطوي على عناصر تأسيسية لجرائم يعاقب عليها القانون..)) (نفس المصدر).

كل الحاضرين لبسوا جلباب الدين خلال تفاعلهم مع دعوة المجلس العلمي، بل إن “ممثل” رئيس الحكومة، الوزير مصطفى بايتاس، المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، اختار أيضا زاوية دينية لحديثه، وهو أمر غير معروف لدى وزراء التجمع الوطني للأحرار، حيث قال: ((إن مفهوم المجتمع المدني لا يعكس في واقع الأمر سبقا لدى الغرب، لأن قيم المجتمع المدني وما يقوم عليه من خدمة للصالح العام وسعيه إلى خدمة الآخرين من الفئات الهشة وفي وضعيات صعبة لها تمثلات متجذرة وواضحة في قيم المجتمعات الإسلامية المستمدة من أحكام القرآن الكريم وشريعتنا الغراء، تكرست في تقاليد وأعراف استقرت عليها ممارسة المجتمع المدني في أوقات الرخاء كما في أوقات المحن والصعاب، ممارسات انتظمت فيما بعد في التزامات دينية وأخلاقية وقانونية أخذت تمظهرات مؤسساتية منظمة عكسها المجتمع المدني في هويته المغربية الأصيلة والحديثة على حد السواء، وما الإقبال على الفعل المدني بما راكمه من طفرة عددية وقيمية في مجتمعنا المغربي، إلا دلالة وبرهانا على تقاطع الوازع الديني في تجلياته الروحية السامية ومسعاه إلى فعل الخير، ونبل قيمه الأخلاقية الإنسانية المنصهرة في قيم المواطنة، لتشكل بنيانا متينا لأمة مغربية جسدت قوله ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” رواه مسلم)).. هكذا تحدث الوزير بايتاس، بل إنه أعطى تفسيرا دينيا لتحركات المجتمع المدني حيث قال: ((تضطلع تنظيمات المجتمع المدني بدور كبير في تمكين النساء والشباب، من خلال برامج التدريب المهني، ودعم المشاريع الصغرى، والمبادرات الخيرية لمكافحة الفقر والهشاشة، وتعزيز دور المرأة في صنع القرار.. وهي فعاليات خاصة ترسخ مبادئ التكافل والتضامن الاجتماعيين، وتنسجم مع القيم القرآنية التي تدعو إلى تكريس قيم العدل والمساواة، مثل قوله تعالى: “وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ” (سورة البقرة، الآية 228))).



