الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | قصة الكتاني والسلطان و”مسامير المائدة”

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 111"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    عندما دخل المولى عبد الحفيظ القصر الملكي بفاس، كان عليه أن يواجه ركاما من المشاكل، وأن يعتمد على غيره في الكثير من الأعمال.. وكان الدكتور هولتزمان، رجل الأعمال الألماني المرافق للركب السلطاني، يعتبر دخول المولى عبد الحفيظ لفاس انتصارا للسياسة الألمانية، وانتصارا لألمانيا على فرنسا، أما المولى عبد الحفيظ، فلم يكن يهمه هذا بقدر ما كان يهمه تقسيم وقته بين شيئين:

تتمة المقال تحت الإعلان

أولا: موقف المعارضة المعششة في بيوت العلماء والأشراف والفقهاء بين دروب فاس؛

ثانيا: موقف الاحتلال الفرنسي الذي من أجل محاربته وطرده أصبح سلطانا للبلاد، لكن الخبراء والاختصاصيين في القيل والقال و”مسامير المائدة” وأصحاب المصالح الذين حظوا بالتقرب من السيد الجديد، قدموا للمولى عبد الحفيظ تقريرا مفصلا عن آخر ما عمله المولى عبد العزيز قبل أن يغادر فاس، وأعطى المولى عبد الحفيظ كل جوارحه للاستماع والاستمتاع.

فقد حكوا له ذلك السر الذي كان يبحث عنه كحل لمشكلته مع العلماء.. فهؤلاء العلماء الذين كتبوا له ببيعتهم المشروطة، اجتمعوا بالمولى عبد العزيز منذ بضعة شهور وتدارسوا معه الموقف، فأسرع مولاي عبد العزيز بأن طرح عليهم السؤال التالي: هل هذا وقت الجهاد؟ فأجابوه بلسان واحد: لا، هذا ليس وقت الجهاد ما دام الاحتلال الفرنسي إنما تم في وجدة والدار البيضاء، وأنه احتلال مؤقت.

ثم عاجلهم المولى عبد العزيز بالسؤال الثاني: هل عبد الحفيظ محق في ادعائه السلطنة؟ فأجابوه أيضا بلسان واحد: إن المولى عبد الحفيظ لا حق له لأن عبد العزيز هو السلطان الشرعي.

هذا السر الذي لم يكن المولى عبد الحفيظ يعرفه إطلاقا، جعله يشعر بخناجر الحقد تمزق أحشاءه، وهو سر لم يبق سرا إذ أصبح جزء من التاريخ.. فقد نقله بالحرف – كما ذكرته سابقا – الأستاذ محمد خير فارس في كتابه: “عن المسألة المغربية” (الصفحة 438).

وزاد السلطان عبد الحفيظ في استكناه سر موقف العلماء، فلربما كان دورهم جزء من المؤامرة الفرنسية، ولكنه أيضا وجد الجواب بسرعة، يقول المؤرخ میشو بيلير: ((إن الشريف الكتاني محمد كان من أبرز شخصيات الثورة ضد السلطان، لأنه كان يطمع في الملك لنفسه ويقول أنه أحق بأن يكون سلطانا)).

وعرف المولى عبد الحفيظ وهو يستمع إلى الأحاديث وسط القصر الملكي بفاس، أن الشريف الكتاني الطامع في الملك، هو الذي حرر الشروط المملاة على مولاي حفيظ والتي رفضها.

وعرف أيضا أن الشريف الكتاني، هو الذي توصل برفض المولى عبد الحفيظ وكان جالسا وسط مجموعة من أعضاء حزبه فصرح على رؤوس الأسماع: ((إنه إذا لم يقبل مولاي حفيظ الشروط، فإنه يوجد هنا بين الأشراف أناس مستعدون لتقبل هذه الشروط ويتكفلون بتنفيذها بمشيئة الله)).

وهذا التصريح الخطير الذي يفسر أسباب الشروط المفروضة، تناقلته من بعد وكالات الأنباء الفرنسية ونشرته بالنص الكامل مجلة “العالم الإسلامي” الصادرة في يوليوز 1908، ذلك أن هذا التصريح كان يخدم المخطط الاستعماري في تشتيت الشمل المغربي وإضعاف المولى عبد الحفيظ بعد أن تم تجريد المولى عبد العزيز من كل طاقاته.

فلسفة الكتاني.. ثورة أم فتنة ؟

برع المحيطون بالسلطان المولى عبد الحفيظ في تهويل أمر الزعيم محمد الكتاني، الذي يريد الملك لنفسه، وبذلك أصبح الكتاني في نظر السلطان الجديد هو العدو الأول والمشكل الأخطر، فاضطر المولى عبد الحفيظ إلى الإعلان عن الحرب لا على الشريف الكتاني فحسب، وإنما حتى على كل العلماء بالمدينة.

وكان المولى عبد الحفيظ معذورا في اتخاذ موقفه، لأنه عندما كان في مراكش يستعد للتوجه إلى فاس، ووسط المعارك التي يخوضها بجانب قبائل الشاوية، كان يقتطع بعضا من وقته ليكتب إلى هذا العالم الكتاني الذي كان يجله ويقدره، وكان يعتمد عليه في تهييئ الجو لدخوله إلى فاس، فإذا به يفاجأ بأنه يريد الاستيلاء على الملك لنفسه، ولم يغفر له السلطان أنه كتب إليه رسالة بالغة الأهمية يطلب دعمه وهذا نصها: ((الشيخ الأجل العارف بالله تعالى الولي الكامل الشريف البركة الأخْيَر السيد محمد بن الشيخ عبد الكبير الكتاني وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

وبعد،

فإنه غير خفي ما حدث بوجدة من مفاجأة العدو لها، وأخذها على غرة فاتخذت أمرها هزوا ولعبا، وتهكما وسخرية، ولم يجد أهلها ناصرا ولا معينا، ثم لم يكن إلا كلمح البصر حتى عمد أيضا إلى الدار البيضاء، التي هي أعظم الثغور بأرض المغرب ومركز البلاد ووسطها، وأخرج أهلها منها واستولى عليها ووجه عددا من الفلاكيط إلى جميع المراسي بقصد الهجوم عليها كذلك، وذلك حيث علم العدو عجز من يقوم بأمر المسلمين وركونه إلى الدعة، وترك ما طوقه من الدفاع عن المسلمين وثغورهم، وشاع وذاع بأنه الحلول بفاس ومراكش لا قدر الله ذلك. وحيث كان هذا الأمر الهائل الذي تبكي عليه العيون دما، وازدادت به النفوس مرضا وألما، وعلم المسلمون مصير أنفسهم وأموالهم وبلادهم، جالت أفكارهم وخاضت عقولهم وأبصارهم فيمن يقدمون لهذا المنصب الأعظم، ويسلك به فيهم السبيل الأقوم، بعد إجماع علماء هذه الحاضرة المراكشية على خلع ربقة بيعة الأول من أعناق هذه الأمة المحمدية، فهداهم الله للتوفيق والتسديد والرأي الصالح السديد، فانعقد الإجماع من هذه الحاضرة المراكشية وما حولها من البقاع، على تقديمنا وأمانتنا والدخول تحت طاعتنا للنظر في مصالح المسلمين والدفاع عنهم وإخراج العدو من ثغور المسلمين، فلم نجد بدا من مساعدتهم على ذلك، لما ورد في ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة النبوية، وبايعونا بيعة انعقد على ألوية النصر عقدها، وطلع في أفق الهناء سعدها، حضرها الصدور والأعيان وأهل الوجاهة في هذا الزمان، وذوو الحل والعقد، ومن لهم القبول والرد من علماء الأعلام وأصحاب الفتاوى والأحكام، وعظماء أشراف وكرام، ورماة كبراء، وولاة أمراء ورؤساء أجناد، والمتقدمين في كل ناد، من عرب البدو والحضر، وجيوش العبيد والبربر، فانعقدت بحمد الله مؤسسة على التقوى واشتد بها عقد الإسلام وتقوى ببيعة تامة محكمة الشروط، وفية العهود، دقية الربوط، جارية على سنن السنة والجماعة سالمة من كل كلفة ومشقة وتباعة، رضي الكل بها وارتضاها والتزم حكمها بالسمع والطاعة، وأمضاها، فأجبنا داعيهم لذلك ودخلوا تحت طاعتنا، ونصروا رايتنا، وأعلنوا بالنصر المؤزر لجنابنا الشريف سائلا منه سبحانه أن يعيننا على ما كلفنا ويوفقنا لما به طوقنا إنه ولي ذلك وحسبنا الله ونعم الوكيل، وأعلمناك بهذا لتأخذ حظك من الفرح وتوجه بيعتك لشريف حضرتنا سائلين منكم صالح الأدعية بإعزاز هذا الدين الشريف وتأييده وإعانة جنابنا على القيام بأمور المسلمين والله يوفقكم لما فيه رضاء والسلام)).

في 10 رجب الفرد عام 1325

تلكم كانت أفكار المولى عبد الحفيظ كما كان يسر بها إلى أكبر علماء فاس، فإذا به يكتشف عند دخوله لفاس خبايا موقف هذا المنافس الجديد.. لعل هذه الحالة هي التي نطق فيها رجل الشارع بالمثل المعروف “العالم الذي كنا نرجو بركتو، دخل للمسجد ببلغتو”.

هكذا كان الموقف يظهر للمولى عبد الحفيظ، وهكذا كتبه المؤرخون، أما ما خلفه الكتاني من مؤلفات وما كتب عنه من أثار، فيبدو أنه مخالف تماما لهذه الاستنتاجات.

ومرة أخرى، ربما كان الاستعمار الفرنسي يستعمل اسم الكتاني للتشويش على المولى عبد حفيظ ودفعه للتنكيل بالعلماء.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى