تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | التقارب الأمريكي الجزائري يبعث جيمي كارتر في زمن ترامب

عاد الرئيس الأمريكي القديم الجديد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في شهر يناير المنصرم، ورافق ذلك كلام كثير يفيد بأنه من الصعب التنبؤ بسياسة الرجل، ولا يبدو المغرب ببعيد عن هذا التحليل، لأن محيطه بدأ يشهد بوادر تغييرات جوهرية، لعل أهمها ما يقع من تقارب أمريكي جزائري، تجلت بوادره منذ نهاية يناير الماضي، ويمكن القول أنه في السياسة الأمريكية لا شيء ثابت، فكل شيء قابل للتغيير إذا كانت هناك مصالح، وهناك سابقة تاريخية انحازت أمريكا فيها للجزائر على حساب المغرب، وفي هذا الملف نستعرض وقائعها، هل هناك أوجه تشابه بينها وبين اليوم؟ وهل يمكن أن يحصل التقارب الأمريكي الجزائري على حساب المغرب في تغيير دراماتيكي ؟

أعد الملف: سعد الحمري

أوجه الشبه بين سنة 1977 و2025

تتمة المقال تحت الإعلان

    قامت السياسة الخارجية الجزائرية منذ صعود عبد المجيد تبون إلى الحكم سنة 2019، على السعي إلى إعادة هيبة السياسة الخارجية للجزائر على الصعيد الدولي، والتي انهارت سنة 2013، غير أن هذا المسعى فشل، حسب العديد من المراقبين، حيث انجرت البلاد إلى عدة أزمات مع جيرانها واتخاذها مواقف من بعض النزاعات انتهت بخيبتها، كمثال على ذلك، وقوفها في النزاع السوري إلى جانب بشار الأسد، غير أنه لوحظ أن هذا المسعى بدأ يتغير في الأيام الأخيرة، فمنذ الأيام الأولى للرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، ورغم الأزمة الجزائرية الفرنسية، لوحظ تقارب بين قصر المرادية والبيت الأبيض، حيث شهدت الحركة الدبلوماسية بين البلدين نشاطا ملفتا للغاية.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن أول نشاط هو الذي يتمثل في زيارة قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، الفريق أول مايكل لانغلي، نهاية يناير الماضي للجزائر، واستقباله من قبل الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق السعيد شنقريحة. وخلال هذه الزيارة، “وقع الجانبان على مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري بين وزارة الدفاع الوطني للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ووزارة الدفاع للولايات المتحدة الأمريكية”، وتحدث السعيد شنقريحة عن ديناميكية إيجابية يشهدها البلدان في شتى المجالات، بما فيها مجالي الدفاع والأمن، حيث تعكس هذه الديناميكية – وفق تعبيره – “إرادتنا على الارتقاء بهذه الشراكة إلى أعلى المستويات بما يخدم مصالح البلدين”، وفي نفس سياق توطيد العلاقات، أعلن مؤخرا عن توقيع اتفاق بين الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات النفط وشركة “شيفرون” الأمريكية، لإنجاز دراسة حول إمكانات موارد المحروقات في المناطق البحرية الجزائرية.

وبعد ذلك بأيام قليلة، أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، محادثات عبر الهاتف مع وزير الخارجية الأمريكي الجديد ماركو روبيو، الذي يبدو أنه انتقل من الدعوة إلى معاقبة الجزائر حينما كان سيناتورا، إلى إبداء رغبة قوية في التعاون مع البلاد، في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب، ومن الجانب الأمريكي، ورد بيان صادر عن مكتب المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، ورد فيه أن “وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أجرى اتصالا مع وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، وخلال الاتصال أكد الطرفان على الشراكة القوية بين الولايات المتحدة والجزائر في تعزيز السلام والأمن الإقليميين والعالميين، وذلك تحت قيادة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون”، كما تناول النقاش بحث تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة بين البلدين بما يحقق فوائد ملموسة للشعبين الأمريكي والجزائري”، وتطرق الطرفان أيضا إلى “الجهود المشتركة للتصدي لحالة عدم الاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي”.

وتستهدف الجزائر، وفق ما سبق لوزير الخارجية أحمد عطاف التصريح به، استقطاب الشركات الأمريكية العملاقة الثلاث: “أكسيدنتال” و”شيفرون” و”إكسون موبيل”، وفي بداية العام الماضي، دخلت وزارة الطاقة الجزائرية في محادثات مع شركة “إكسون موبيل” في مجال تطوير المحروقات، لاسيما في مجال المنبع البترولي والغازي.

وبالموازاة مع ذلك، زار وفد رفيع المستوى من حلف شمال الأطلسي “الناتو”، الجزائر، ضمن مسعى تعزيز التعاون المشترك وتعزيز الحوار الثنائي، وذكرت وزارة الدفاع الجزائرية، أن “الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الجزائري، استقبل خافيير كولومينا، الأمين العام المساعد المفوض للشؤون السياسية والسياسة الأمنية للناتو، الذي يقوم بزيارة رسمية إلى الجزائر على رأس وفد هام”، وكشف ذات المصدر أن “اللقاء حضره ألوية وعمداء من وزارة الدفاع وأركان الجيش، وكذا أعضاء وفد الناتو”، وهو ما يؤكد انفتاح الجزائر على العالم الغربي كاملا وليس أمريكا وحدها.

شنقريحة ولانغلي

إن ما يحدث اليوم من تقارب أمريكي جزائري، يذكر بما حدث سنة 1977 في بداية حكم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، عندما كان البلدان في حالة صراع، يومها كانت الجزائر تشكل بحق “مكة” الثوار بامتياز، حيث كانت زعيمة حركات التحرر الإفريقية وكان لها وزن على الصعيد العالمي، غير أنها فقدت قوتها تدريجيا بفعل تركيزها على السياسة الخارجية وإهمال السياسة الداخلية، ما أدخلها في مشاكل اقتصادية واجتماعية قوية.. يومها قررت الجزائر التركيز أكثر على التنمية الداخلية واختارت أمريكا لمساعدتها في ذلك، وقد أثر هذا التحول في الموقف الجزائري على المغرب، حيث كانت أمريكا الداعم الأول للمغرب في حرب الصحراء، وبما أن السياسة الأمريكية كانت قائمة على المصالح، فقد اختارت العمل مع الجزائر والتحول من داعم للمغرب في قضية الصحراء إلى محايد تماما، وتركت المغرب يواجه مصيره بيده لمدة خمس سنوات كاملة.

أفرجت الخارجية الأمريكية عن عدة وثائق تخص تلك المرحلة، الأمر الذي مكننا من فهم ومعرفة ما كان يتم التفاوض في شأنه، حيث جاء في وثيقة أمريكية مؤرخة بـ 12 فبراير 1977، شرح للحالة السياسية في الجزائر وحاجة أمريكا لها، ومما ذكرت الوثيقة، أنه طرأ تحسن كبير في العلاقات الأمريكية الجزائرية، ويرجع ذلك إلى الاهتمام الجزائري بالتكنولوجيا الأمريكية، وتضيف الوثيقة أن الجزائر ستظل قوة مؤثرة في السياسة الدولية وتسبب المشاكل، وأنها سوف تصبح قوة مهيمنة في شمال إفريقيا، وينبغي الأخذ في الاعتبار حاجة أمريكا إلى الموارد الجزائرية من الطاقة، وفعلا بدأت المحادثات الأمريكية الجزائرية حول التوافق بينهما، وأوضحت وثيقة أخرى مؤرخة بـ 5 أبريل من نفس السنة، المطالب الجزائرية من أمريكا وكانت كالتالي: ((يأمل هواري بومدين أن يثنينا عن “ميلنا” المزعوم نحو المغرب في قضية الصحراء، وعلى أقل تقدير، تريد الجزائر استمرار الحياد الأمريكي وتشجيع المغرب على ضبط النفس. إن طلبات الجزائر بشراء كميات محدودة من المعدات العسكرية (سيارات الجيب وأجهزة الراديو والرادار) من الولايات المتحدة، تهدف إلى اختبار نزاهتنا وإرسال إشارات إلى المغرب بأننا لن نقف وراءه إذا هاجم الجزائر))، وتضيف وثيقة أمريكية أخرى مؤرخة بتاريخ 25 أبريل 1977، أن ((الرئيس الجزائري هواري بومدين أخبر وزير الخارجية الأمريكي، بأن الخلافات بين البلدين أصبحت جزء من الماضي، وأن الجزائر تهتم فقط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية)).

كان من نتائج هذا الوضع، تخلي أمريكا في فترة الرئيس جيمي كارتر عن تزويد المغرب بالأسلحة، وتجميد عدة صفقات، وكان المغرب يراقب تطور الوضع عن كثب.. فقد أجرت هدى الحسيني، مندوبة مجلة “الوطن العربي” التي كانت تصدر بباريس، استجوابا مع الملك الحسن الثاني يوم 7 نونبر 1977، وصرح في هذا الصدد بالقول: ((لا أظن شخصيا أنها تؤثر في شيء على الرغم من أن تلك المعاملات كما أعتقد شخصيا، هي لصالح الولايات المتحدة، وسوف تكون اقتصاديا الضربة القاضية للاقتصاد الجزائري))، ثم أرادت المراسلة توضيحا ملكيا بخصوص هذه النقطة، وسألته: “لماذا هذه المعاملات الاقتصادية ستكون الضربة القاضية للجزائر؟”، فأجاب الحسن الثاني: ((لأسباب عدة: أولا، الدين الذي يتراكم عليها، أمريكا تقرضها لبناء المعامل والمصانع، وتطوير حقول الغاز، وهذه القروض سيتوجب على الجزائر أن تفي بها يوما ما)).

وفي ظل التقارب الأمريكي الجزائري ورفض هذه الأخيرة بيع المغرب الأسلحة، قام الملك يومي 14 و15 نونبر 1978، بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وظهر أن هذه الزيارة لم تحقق شيئا يذكر، فخلال تصريح الملك للصحافة الأمريكية، يوم 22 فبراير 1979، أي بعد زيارته بأشهر قليلة، أكد الحسن الثاني أن ((أمريكا يجب أن تختار أصدقاءها، وخصوصا عندما طلب المغرب شراء أربع طائرات من أمريكا ودفع ثمنها، غير أنها لم تسلمها له، بدعوى أن المغرب في حالة حرب مع الجزائر، بينما سلمت طائرات لليبيا تحت قيادة معمر القذافي، الذي كان منحازا للاتحاد السوفياتي)).

وهكذا، فقد أوضح الملك الحسن الثاني، وبكل صراحة، أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جيرالد فورد، أفضل من إدارة الرئيس جيمي كارتر، لأنها تختار أصدقاءها منذ البداية.

تبون

هل يكون المستقبل مثل الأمس ؟

    مؤخرا، ظهر أن الجزائر ماضية في التقارب مع أمريكا ولعل أبرز دليل على ذلك، ما أدلى به الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من تصريح لجريدة “l’Opinion” الفرنسية، تطرق فيه إلى العلاقات المتوترة مع فرنسا وعدد من المسائل الوطنية والدولية الراهنة، وقال في الحوار الذي نشر يوم الإثنين الفارط، وأبرزت صفحة رئاسة الجمهورية الجزائرية، أبرز مقتطفات منه: ((الجزائر ستكون على استعداد لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في اليوم ذاته الذي ستكون فيه دولة فلسطينية كاملة))، وهو ما أثار جدلا كبيرا في الجزائر نفسها، حيث أبدت حركة “مجتمع السلم”، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر، تحفظاتها على تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، والتي عبر فيها عن استعداد بلاده للاعتراف بإسرائيل في اليوم الأول الذي تقام فيه دولة فلسطينية، وعبرت عدة آراء عن استغرابها لهذه التصريحات، فيما اعتبرها آخرون موقفا عاديا للجزائر التي تتبنى مبادرة السلام العربية منذ إطلاقها سنة 2002.

وأوضح بيان الحركة أن رئيس الجمهورية سبق له أن وصف مسار التطبيع بالهرولة المرفوضة نحو كيان لا يعترف بحق الشعب الفلسطيني، ويسعى إلى تصفية قضيته وتهويد مقدسات الأمة، مؤكدة أن الجزائر كانت ولا تزال داعمة للحق الفلسطيني، ومدافعة عن القضية باعتبارها قضية تحرر وعدالة.

وأضافت حركة “مجتمع السلم” أن الضغوط الدولية المتزايدة، خاصة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، تهدف إلى جر الدول الصامدة، ومنها الجزائر، إلى مستنقع التطبيع، مشددة على أن الموقف الجزائري يجب أن يظل ثابتا في دعمه للحقوق الفلسطينية المشروعة، ورافضا لكل أشكال التطبيع.

يمكن اعتبار أن ما عبر عنه الرئيس الجزائري هو إشارة واضحة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بأن الجزائر على استعداد للتعامل والتقارب معها، ومن الجانب الأمريكي، تبدو بلاد العم سام في حاجة إلى الجزائر، حيث أن خطة الرئيس دونالد ترامب القائمة على سعيه إلى خفض نسبة التضخم وإيقاف الحرب الروسية الأوكرانية، عن طريق رفع إنتاج النفط من أجل خفض أسعاره، وبالتالي، انهيار الاقتصاد الروسي.. يحتاج للجزائر بقوة على اعتبارها من الدول المصدرة لهذه المادة الحيوية، كما تبدو حاجة أمريكا للجزائر كبيرة، وخاصة في دول الساحل، إذ يضايق الوجود الروسي هناك بقوة الجزائر، وهو ما يمكن أن تستغله أمريكا بقوة، إلى جانب سعي روسيا إلى بناء قاعدة عسكرية في ليبيا، والذي تعارضه الجزائر بشدة بسبب تضارب المواقف حول الملف الليبي.

وبخصوص وضع المغرب، فلا يبدو معقدا هذه المرة، حيث بدأت المملكة في خطة لتصنيع الأسلحة والمواد الحربية داخل المغرب، اعتمادا على عدة شركاء دوليين، وليس أمريكا وحدها، وآخر التطورات في هذا الملف، إعلان عملاق الصناعة الحربية التركية “بايكار”، عن تأسيس فرع لها في المغرب تحت اسم “أطلس ديفنس”.. فهل تكون ورقة الضغط الجزائرية هي تليين الموقف الأمريكي من قضية الصحراء مرة أخرى؟ وكيف يكون شكل الموقف الأمريكي الجديد في حالة الاستجابة للمطالب الجزائرية كما حدث في سنة 1977 ؟

المستقبل وحده كفيل بالإجابة في ظل رئيس أمريكي من الصعب التنبؤ بما سيقوم به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى