ملف الأسبوع | وثيقة أمريكية تكشف أسرار لقاء الملك الحسن الثاني وشمعون بيريز
ما زالت مسألة زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز إلى المغرب في شهر يوليوز 1986 من أجل لقاء الملك الراحل الحسن الثاني، تخفي وراءها العديد من الأسرار.. وفي كل مناسبة تظهر خيوطا جديدة، ومؤخرا، أي مطلع السنة الجديدة، أفرج الأرشيف الأمريكي عن بعض الوثائق حول هذا الحدث، وهي التي رفعت عنها السرية، ونقدم لقرائنا هذه المعطيات الجديدة التي أحاطت بزيارة شمعون بيريز إلى المغرب ضمن هذا الملف.
أعد الملف: سعد الحمري
قطيعة مغربية أمريكية من 1984 إلى 1986 بسبب معاهدة وجدة مع ليبيا
قام المغرب منذ سنة 1981 بنشاط دبلوماسي مكثف من أجل القضية الفلسطينية، حيث استضافت مدينة فاس خلال نفس السنة، القمة العربية، غير أن هذه القمة انتهت قبل أن تبدأ، بسبب رفض بعض الدول العربية، وأيضا منظمة التحرير الفلسطينية، لهذه المبادرة، المعروفة أيضا بـ”مخطط فاس”، بمبرر أنها تعترف ضمنيا بدولة إسرائيل، وفي سنة 1982، التأم الرؤساء العرب في فاس وتبنت “قمة فاس” الثانية مبادرة الأمير فهد بن عبد العزيز، مع إدخال تعديلات على العديد من البنود، منها انسحاب إسرائيل من أراضي 1967، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وغيرها من القرارات، ومن أجل شرح هذه الخطة على المستوى الدولي، تم تشكيل “لجنة سباعية”، ترأسها الراحل الحسن الثاني، وكان هدفها هو التواصل مع أعضاء مجلس الأمن الدولي لحل القضية الفلسطينية، وفي أعقاب ذلك، قاد الملك الحسن الثاني وفدا عربيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في زيارة تكللت بلقاء الرئيس رونالد ريغان، لكن “مخطط فاس” واجه معارضة أطراف دولية أخرى، مثل بريطانيا.
ولم تكد تحل سنة 1984 حتى حصلت بعض التطورات على مستوى المغرب العربي، حيث وقعت تونس والجزائر على تحالف ووحدة بينهما، ما جعل المغرب وليبيا يدخلان في عزلة إقليمية، الأمر الذي جعل البلدان يوقعان “اتفاقية وجدة” أو ما يعرف بمعاهدة “الوحدة المغربية الليبية” في 13 غشت 1984، الأمر الذي أدى إلى غضب في الولايات المتحدة الأمريكية، التي رأت أن المغرب انقلب عليها وأخرج العقيد معمر القذافي من عزلته، وبذلك دخلت العلاقات المغربية الأمريكية مرحلة من الجمود والبرود استمرت لمدة سنتين كاملتين.
واستمر البرود في العلاقات بين المغرب والإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس رونالد ريغان، حتى أن المغرب استضاف في ماي 1986 قمة وزراء الخارجية العرب بفاس، وهو الأمر الذي أثار غضب الإدارة الأمريكية، التي ضغطت على المغرب من أجل عدم استضافة هذه القمة، حتى أن وزارة الخارجية الأمريكية فكرت وطرحت مسألة فرض عقوبات على المغرب إن هو استضاف هذه القمة، وهو ما كان موضوع رسالة مؤرخة بتاريخ 30 أبريل 1986، وجهت إلى مساعد وزير الخارجية الأمريكي المكلف بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من طرف الخارجية الأمريكية، حيث أجاب هذا الأخير بأنه من غير الملائم فرض عقوبات على المغرب لأن من شأن ذلك أن يأتي بنتائج عكسية، على اعتبار أن المغرب هو المكان الذي يستضيف أعلى مناورات عسكرية بين الولايات المتحدة والدول المضيفة من حلف شمال الأطلسي، كما اعتبر أن اتفاقية الوصول والعبور القائمة بين أمريكا وبين المغرب لها أهمية استراتيجية في المنطقة، فضلا عن فائدتها كبديل للقواعد الإسبانية والبرتغالية، إضافة إلى أن أمريكا تبني أكبر محطة إرسال صوتية عالمية في طنجة.
وقد استضافت مدينة فاس قمة وزراء الخارجية العرب في ماي 1986 دون أن تفرض أمريكا أي عقوبات على المغرب، وقبل ذلك، وقعت أحداث خليج سرت، حيث هاجمت القوات الجوية الأمريكية ليبيا يوم 15 أبريل من نفس السنة، ولم يقم المغرب بإدانة الهجمات الأمريكية على ليبيا، ما أدخل العلاقات المغربية الليبية في حالة من الشك، ثم جاءت لحظة فارقة، حيث كشفت الوثائق الأمريكية أن الملك الحسن الثاني بدأ يستعد للقيام بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية كان من المقرر لها أن تكون أيام 21 و22 يوليوز 1986، ونظرت أمريكا إلى هذه الزيارة الأولى منذ سنة 1982 على أنها فرصة حقيقية لإنهاء حالة البرود بين البلدين، وأن الملك الحسن الثاني سوف يسعى إلى الحصول على مساعدات اقتصادية وعسكرية إضافية للمساعدة في تخفيف الضغوط الاقتصادية المتزايدة، وكنوع من التعبير عن تقدير واشنطن لدعمه للمصالح الأمريكية في المنطقة.

هكذا فاجأ الحسن الثاني أمريكا..
غير أنه ودون سابق إنذار، كشفت وثيقة أمريكية أمرا مفاجئا للغاية، وهي رسالة مؤرخة بتاريخ 15 يوليوز 1986، أرسلها السفير الأمريكي بالرباط إلى وزير خارجية بلاده، أخبره من خلالها أنه اجتمع مع الملك الحسن الثاني يوم 14 يوليوز بحضور المستشار الملكي رضى كديرة ووزير الخارجية عبد اللطيف الفيلالي، وأكد السفير الأمريكي – في رسالته – أن الملك الحسن الثاني بدأ حديثه قائلا إنه يحمل “أخبارا طيبة وأخرى سيئة”، وقال إنه لن يتمكن من السفر إلى الولايات المتحدة في زيارة عمل مقررة إلى واشنطن تبدأ في الثاني والعشرين من يوليوز، وأوضح أن السبب في ذلك هو أنه اتفق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز على الاجتماع هنا في المغرب في الحادي والعشرين أو الثاني والعشرين من يوليوز.
وجاء ضمن نفس الرسالة، أن الملك الحسن الثاني أخبر نظيره الأمريكي، بأنه اتفق مع شمعون بيريز على محاولة إعادة إطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط، وإنهما سيلتقيان لتحقيق هذه الغاية، وسوف يناقشان الأمر على أساس خطة السلام التي وضعت في قمة فاس عام 1982، وذكرت الرسالة بأن الملك الحسن الثاني ذكر السفير الأمريكي بأنه لا يزال رئيسا لجامعة الدول العربية، وقال إنه لا يزال مكلفا من قبل الجامعة بالدفاع عن خطة فاس.
وخلال نفس الاجتماع، قال الحسن الثاني أن “الاجتماع سوف يتم في سرية تامة، ولابد أن يتم” وأنه “لا يريد أن يمنح السوفيات فرصة لقول: لا”، وقد أشار الملك إلى أن السرية من شأنها أن تنقذ بعض الدول العربية من الإحراج وذكر على وجه التحديد سوريا والأردن، وأكد أن السرية من شأنها أن تزيل أي ضغوط على الدول الأوروبية لكي تشعر بالحاجة إلى دعم مبادرته، ولم يكن واضحا فيما يتعلق بالمسار الذي قد تسلكه مناقشاته مع بيريز، ولكنه أضاف أنه يرى في ذلك بداية لعملية طويلة.
ومن جانب آخر، قال الملك الحسن الثاني إنه يتأسف على تأجيل اجتماعه مع الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وأعرب عن أمله في إعادة جدولة الاجتماع في الأشهر التالية، وذكر على وجه التحديد شهر غشت أو شتنبر باعتبارهما موعدين مستقبليين محتملين لزيارة الولايات المتحدة، ولكنه أشار إلى أنه شعر بأهمية أن يُنظَر إلى اجتماعه مع بيريز باعتباره مبادرة عربية إسرائيلية بحتة، وليس مبادرة تم إعدادها في واشنطن، ذلك أن الاجتماع مع الرئيس قبل بضعة أيام من اجتماع بيريز أو بعده سوف يُنظَر إليه حتما باعتباره مؤامرة أمريكية، وقال إنه لا يريد أن يُنظَر إليه باعتباره متآمرا، ولكنه سارع إلى الإضافة بأن دعم الولايات المتحدة لمبادرته كان في غاية الأهمية.
وذكر السفير الأمريكي ضمن رسالته، أن الملك الحسن الثاني قال: “إن الجولة الأولى قد تكون ثنائية وفي المغرب، ولكن الجولة الثانية والثالثة والرابعة قد تكون في حاجة ماسة إلى أن تكون في واشنطن”، أما موقف السفير الأمريكي من هذه المفاجأة، فقد ذكر ضمن رسالته أنه أخبر الملك المغربي أن واشنطن مثله، سوف تشعر بخيبة أمل شديدة إزاء نبأ تأجيل الزيارة، وأضاف أنه نقل إلى الملك النقاط الواردة في تقريره فيما يتصل بدعم أمريكا لاجتماع الحسن الثاني وشمعون بيريز، وأضاف أنه لاحظ أن واشنطن كانت تأمل في مناقشة مجموعة واسعة من القضايا ذات الأهمية لكل من الولايات المتحدة والمغرب، وقد استجاب الملك بسرعة وقال إنه يعلم أن واشنطن تريد التحدث عن ليبيا وأفضل السبل لعزل هذا البلد، ولكنه قال إن أفضل السبل لعزل القذافي هي على وجه التحديد من خلال دعم اجتماع الحسن الثاني بشمعون بيريز، وقال الحسن الثاني: “سوف نناقش على أساس خطة فاس.. كانت ليبيا الدولة الوحيدة التي لم تؤيد هذه الخطة قط”. وزعم أن لقاءه ببيريز من شأنه أن يخدم مصالح الولايات المتحدة بشكل أفضل كثيرا من مجرد السفر إلى واشنطن، ويمكن مناقشة أي نقاش حول التعاون الأمريكي المغربي ضد ليبيا، من خلال زيارات يقوم بها مسؤولون أمريكيون إلى المغرب.

وختم السفير الأمريكي رسالته بالتالي: “بعد اجتماعي بالملك، اتصلت بوزير الخارجية عبد اللطيف الفيلالي، والتقينا في منزله قبل منتصف الليل بقليل، وشرحت له قلقي بشأن العلاقات الثنائية بسبب هذا التأجيل، وقال إنه فوجئ تماما بقرار الملك، وأشار إلى مدى الجهد الذي بذله هو نفسه لإتمام الزيارة وسألني لماذا يضغط الإسرائيليون بشدة من أجل الزيارة في هذا الوقت، وقال إن بيريز أخبر الحسن الثاني بأن الزيارة في شهر شتنبر سوف تأتي متأخرة للغاية، بحيث لا تكون ذات فائدة انتخابية، وأنه يحتاج إلى زيارة على الفور.. لقد عبرت عن وجهة نظرنا عبر تل أبيب بأن الاجتماع ربما لن يكون له أي تأثير على حكومة الوحدة الوطنية في إسرائيل على الرغم من أنه سيوفر لبيريز فائدة سياسية، واقترحت أنه من الممكن ترتيب اجتماع قبل أو بعد زيارة واشنطن بسهولة، نظرا للظروف المحيطة”.
إن المعطيات الجديدة التي تقدمها هذه الوثيقة، وهي أن الملك الحسن الثاني نسق مع شمعون بيريز بعيدا عن أمريكا، حتى أن الرسالة كشفت مدى تفاجأ الإدارة الأمريكية بالخبر، حيث أنها لم تطلع عليه إلا يوم 15 يوليوز، أي قبل أسبوع واحد فقط من استقبال شمعون بيريز في إفران.
وفي يوم 21 يوليوز 1986، وصل شمعون بيريز على متن طائرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي إلى مدينة إفران، وكتبت صحيفة “واشنطن بوست” حينها أن “بيريز والحسن الثاني أجريا محادثات مغلقة”، مضيفة أنه “لم يصدر أي من الجانبين أي تصريحات رسمية حول المحادثات بعد أكثر من 24 ساعة من وصول بيريز لحضور أول اجتماع قمة بين القادة العرب والإسرائيليين منذ خمس سنوات”، وذكرت الصحيفة أن “سوريا لم تنتظر نهاية المحادثات التاريخية في منتجع إفران الجبلي، إذ أعلنت عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، احتجاجا على ما وصفته بالخيانة”، وأشارت إلى أن “التكهنات الدبلوماسية تستبعد احتمال أن يؤدي اجتماعهما المفاجئ إلى تحقيق تقدم كبير في مبادرات السلام بالشرق الأوسط”.
أما صحيفة “نيويورك تايمز”، فقد وصفت الزيارة بكونها “أهم اتصال بين رئيس حكومة إسرائيلي وزعيم عربي منذ أن زار الرئيس المصري أنور السادات القدس في عام 1977، وهي الرحلة التي أدت إلى معاهدة كامب ديفيد للسلام”، وأضافت أن “زيارة بيريز للمغرب مختلفة، بسبب غياب أعلام إسرائيلية في شوارع العاصمة”، ونقلت الصحيفة عن دبلوماسيين قولهم إن “عوامل عدة أدت إلى هذه الزيارة، وبينها أن الملك الحسن الثاني يشعر بالإحباط بشكل متزايد بسبب عدم إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط”.
وفي كتابه “الشرق الأوسط: من إيران كونترا إلى الانتفاضة”، كتب الباحث الأمريكي في العلوم السياسية، روبرت فريدمان، أن ((ردود الفعل كانت متباينة إزاء استقبال الملك لرئيس الوزراء الإسرائيلي.. فقد هاجم الزعيم الليبي حينها، معمر القذافي – كما كان متوقعا – خطوة الملك باعتبارها “اعترافا بإسرائيل”، بينما أعلن الرئيس المصري الراحل، حسني مبارك، عن “دعمه” للمبادرة المغربية، وبالإضافة إلى موقف سوريا وليبيا ومصر، فقد انتقدت المملكة العربية السعودية “بشكل محتشم” عدم إحاطتها علما باللقاء بين الملك ورئيس الوزراء الإسرائيلي قبل عقده))، وحسب روبرت فريدمان، فإن ((خطوة الملك لم تكن غير مسبوقة، وإن كان لقاؤه مع بيريز تم بطريقة أكثر علانية، فمنذ أن التقت رئيسة وزراء الحكومة الإسرائيلية، غولدا مائير، سرا بملك الأردن عبد الله الأول في نونبر 1974، كانت هناك اتصالات بين الإسرائيليين والعرب)).



