ملف الأسبوع | المجلس العلمي أمام أكبر امتحان شعبي
عاصفة المقترحات المثيرة للجدل في مدونة الأسرة
تعج مواقع التواصل الاجتماعي في هذه الآونة وفي المرحلة المقبلة بموضوع واحد وهو مدونة الأسرة، فالأغلبية الساحقة أصبحت تعتبر أنها مدونة المرأة لا الأسرة، ولم يقتصر الأمر على العامة، بل انخرط في النقاش دعاة وعلماء لهم وزن ديني كبير في المغرب، خرجوا عن صمتهم وأبدوا رأيهم في المقترحات التي أجازها المجلس العلمي الأعلى، ويحاول هذا الملف استعراض أهم المواقف، إلى جانب دوافع وأسباب تأسيس المجلس العلمي الأعلى سنة 1980.
أعد الملف: سعد الحمري
أسئلة وملاحظات تحتاج رد المجلس العلمي الأعلى
أثارت مقترحات التعديلات على مدونة الأسرة التي أجازها المجلس العلمي الأعلى، حفيظة عدة دعاة وعلماء لا ينتمون لهذا المجلس، حيث عقب الكثيرون عليها.. فقد صرح الداعية حمزة الخالدي، بأن المقترحات التي وافق عليها المجلس العلمي الأعلى أثارت حفيظة المغاربة، لأنها صدرت من الجهة التي ينتظر منها المغاربة التوجيه الديني والروحي، وفي ذات الاتجاه أعرب الشيخ حسن الكتاني، رئيس رابطة علماء المغرب العربي، عن تفاجئه من المقترحات التي تمت الموافقة عليها من قبل المجلس العلمي الأعلى، وطالب بمعرفة ونشر البحث العلمي الذي أجري حول هذه المقترحات حتى تم إقرار بعض هذه الأحكام، كما أقر بأن بعض النقاط التي وافق عليها المجلس العلمي الأعلى مخالفة للإسلام.
وعلاقة بنفس الموضوع، دخل الدكتور أحمد الريسوني، رئيس حركة “التوحيد والإصلاح” سابقا، على خط النقاش الدائر حول مقترحات تعديل مدونة الأسرة، معتبرا أن “هذه الاختيارات الفقهية/ القانونية تقع ضمن ما يسوغ فيه النظر والاجتهاد والتعديل”، وقال في تعليق عُمم على وسائل الإعلام، أن “المشكل يكمن في هذا الاتجاه العام للاجتهاد الرسمي المعتمد، وهو التضييق والضغط على الرجل: قبل زواجه، وأثناء زواجه، وفيما بعد الطلاق، وبعد الممات..!”، ثم صرح للقناة الإلكترونية “هوية بريس”، بأنه تم توريط العلماء في بعض المواقف التي لا يؤمنون بها، وأوضح أن العلماء في حرج جديد لأن عامة الناس هاجموهم، حتى أنه حذر من أن ذلك سيفقدهم مصداقيتهم، وخاصة علماء الهيئات الرسمية، ومن جانبه، طالب الداعية ياسين العمري، العلماء بإبداء الرأي على اعتبار أن اللحظة مفصلية، وخصوصا العلماء الذين لا ينتمون للمجلس العلمي الأعلى.
كما علق الدكتور رشيد بنكيران على هذا الموضوع بمقالة تحمل عنوان: “الآراء الشرعية للمجلس العلمي الأعلى حول مقترحات جديدة لمدونة الأسرة.. قراءة نقدية”، جاء في مقدمته: “أصدر المجلس العلمي الأعلى رأيه الشرعي بشأن مجموعة من المقترحات المتعلقة بمراجعة مدونة الأسرة، وللأسف الشديد، فقد اتسمت هذه الآراء بضعف واضح في العمق العلمي، وابتعاد ملحوظ عن النَّفَس الفقهي الذي يُفترض أن يميز مؤسسة عُلَمائية بهذا المستوى.. هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مدى شرعية ما يصدر عن المجلس العلمي ونسبة آرائه للاجتهاد الشرعي في الدين، ومدى صحة الحكم بآرائه تدينا، وهي تساؤلات مشروعة تحتاج إلى وقفة متأنية في مناسبة أخرى”.
فهل سيرد المجلس العلمي الأعلى على هذه التعليقات؟ وهل سينشر الدراسات العلمية التي جعلته يجيز التعديلات التي وافق عليها، أم سيبقى صامتا؟
إن هذه اللحظة المفصلية تتطلب تقديم براهين فقهية وعلمية للرد على الأصوات التي بدأت ترتفع وسترتفع مع إعداد مشروع مدونة الأسرة الجديدة التي باشرتها الحكومة، ومن يدري، قد نشهد نقاشا حاميا ربما سيمتد لمدة ليست بالقصيرة قد تتجاوز عمر حكومة أخنوش، قبل الموافقة على المدونة الجديدة ونشرها في الجريدة الرسمية.
تأسيس المجلس العلمي الأعلى.. الظروف والأسباب
تم الإعلان عن تأسيس المجلس العلمي الأعلى سنة 1980، وجاء ذلك في سياق عام اتسم على المستوى الديني بعدة تحولات، أهمها تقوية المد الإسلامي الذي ظهرت بوادره منذ سنة 1969، حيث تفرع عنه ظهور الشبيبة الإسلامية، وجماعة “العدل والإحسان” بزعامة الشيخ عبد السلام ياسين، وكان من نتائج ذلك تعاطف بعض الأوساط الطلابية مع الحركات الإسلامية، وبالأخص في كليات الطب ومعاهد المهندسين وطلبة الحقوق.. هذه الكليات التي كانت تعتبر فيما قبل المرتع الخصب لليسار المغربي، كما تميزت الظرفية أيضا بإشعاع الثورة الإسلامية ونجاحها في الإطاحة بنظام الشاه في إيران.
أما على الصعيد السياسي العام، فقد عرفت البلاد في مستهل سنة 1980 نوعا من التوتر بين الحكومة والمعارضة البرلمانية الاتحادية، حيث أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم يكن راضيا على السياسة الاقتصادية التي كانت تنهجها الحكومة، كما كان يطالب بإرجاع العديد من أطر التعليم الذين تم فصلهم بعد إضرابات التعليم لسنة 1979، وقد دخل حزب الاتحاد الاشتراكي في مواجهة مع الحكومة اتسمت بتصلبها وانتقادها اللاذع للسياسة الحكومية في مختلف مظاهرها الاقتصادية والدبلوماسية، بل وحتى القضائية، مما أدى في الأخير إلى تزعم الحزب للحركة المطلبية من خلال المواقف التي اتخذها نقابيو الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وقد أفضى هذا التوتر بين الحزب والحكومة إلى اتخاذ عدة إجراءات ضد بعض عناصر الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الشيء الذي جعل الحزب يطالب بتوقيف هذه الإجراءات ضد أعضائه.
كان يوم الجمعة فاتح فبراير 1980 – الذي وافق عيد المولد النبوي – هو اليوم الذي تم فيه الإعلان الرسمي عن قرار إنشاء المجلس العلمي الأعلى، وذلك من خلال تلاوة المستشار الملكي أحمد بن سودة، للظهير المنشئ للمجالس العلمية.. ولعل الملاحظة الأولى التي يمكن أن يبديها المرء في هذا الإطار، هو اختيار توقيت الإعلان عن القرار الذي يعطي طابعا دينيا صرفا للقرار، ويظهر حرص الملك الحسن الثاني على إضفاء هذه الصفة على القرار، ويتجلى ذلك من خلال الإشارة الملكية التي وردت في بداية الخطاب التوجيهي، الذي تم التأكيد فيه على اختيار اليوم الثالث لعيد المولد النبوي واختيار يوم الجمعة لإظهار التعلق الرسمي بهذا العيد وبقداسة يوم الجمعة، أما الملاحظة الثانية، فتتعلق بتلاوة الظهير حيث أسندت إلى المستشار الملكي أحمد بن سودة الذي يتكلف عادة بالشؤون الدينية، مما يفرض التساؤل عن مدى إسهام هذا الأخير في عملية التبلور الرسمي لقرار إنشاء المجالس العلمية ؟
ويلاحظ أيضا، أن هذا القرار قد اتخذ شكل ظهير ملكي تلي على جموع العلماء ولم يتخذ شكل خطاب، مما يعني أن هذه الصيغة كانت تريد إظهار علاقة شخصية تجمع بين الملك بصفته أمير المؤمنين وباقي العلماء، ويرسم بالطبع نوعا من العلاقة الهرمية ما بين أمير المؤمنين والعلماء بوصف أن هذا اللقب يجعل من الملك “أول العلماء”.
كما أن مقتضيات الظهير الملكي، تؤكد على أن الحفاظ على الثقافة الوطنية الإسلامية وعلى أصالتها وعلى الدور الإشعاعي الذي يقوم به المغرب لنشر الدعوة الإسلامية، وكذا على الدور الذي كان يقوم به ملوك المغرب وعلمائه لتوعية الشعب المغربي بقيمه الروحية وتربيته الإسلامية، بالإضافة إلى تهديد بعض التيارات الهدامة والمنحرفة.. فقد تم اتخاذ هذا القرار الذي يرمي إلى إسناد دور مقاومة هذه التيارات والحفاظ على نقاء المذهب الرسمي، إلى مجالس العلماء.
وعموما، فإنه يبدو أنه من خلال التمعن في مقتضيات الظهير الملكي، أن الوضعية العامة التي أحاطت باتخاذ قرار إنشاء المجالس العلمية بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية والدينية، فإن المتغير الديني كان له الدور الحاسم والأهمية القصوى داخل الفعالية القرارية والتي حددت بالتالي اتخاذ هذا القرار: فلا توقيت القرار ولا شكلانيته أو مقتضياته، كل ذلك يؤكد على أهمية المتغير الديني في العملية القرارية، بحيث يمكن اعتباره الدافع والباعث الرئيسي على اتخاذ هذا القرار.
أما خلفية القرار، فيقول الباحث محمد شقير في كتابه “مركزة القرار السياسي بالمغرب”: ((إن كل سلطة سياسية من خلال اتخاذها لقرار سياسي معين، ترمي إلى تحقيق أهداف ومرامي معينة، وهكذا فبالنسبة لقرار إنشاء المجالس العلمية، فكان يهدف إلى تدعيم المجال الديني الرسمي من خلال تجديد مؤسساته وتقويتها، بحيث كان العلماء فيما قبل يشكلون مؤسسة سياسية تقوم بتدعيم الحكم وإضفاء الشرعية عليه من خلال تزكية قراراته السياسية وتكريس نفوذه داخل النظام السياسي المغربي، لكن نتيجة للملابسات التي رافقت عملية الحصول على الاستقلال، فقد العلماء الكثير من مصداقيتهم نظرا لتورط العديد منهم في التعامل مع سلطات الحماية أو اتهامهم بذلك، الشيء الذي قلص من دورهم السياسي، خصوصا بعد توظيف أغلبهم في سلك القضاء كما نظمه الفرنسيون، مما جعلهم يعتبرون موظفين رسميين للدولة)).
وتابع نفس الباحث تحليله قائلا: ((وقد كرست مرحلة الاستقلال هذا المنحى، بحيث أن حزب الاستقلال في محاولته الهيمنة على الساحة السياسية الداخلية، شن حملة كبيرة على العلماء، من خلال اتهامهم بالتعامل مع سلطات الحماية، وذلك من خلال تقديمه للائحة سوداء بكل أسماء العلماء الذين تعاملوا مع الاستعمار، وقد أفضى ذلك إلى ضرب كل الأسس والمقومات التي كانت تحافظ على استقلالية مؤسسة العلماء، مما جعل هذه المؤسسة تتحول عن وظيفتها الأساسية وتصبح عبارة عن “مؤسسة بدون وظيفة”، إذ حول العلماء الكثير من مجالسهم إلى مجالس للمؤتمرات السنوية والتوصيات الروتينية، مما أفضى إلى نوع من الفراغ)).
وهو ما أشار إليه الملك الحسن الثاني ضمن خطابه التوجيهي الذي ألقي في فاتح فبراير 1980، والذي جاء فيه ما يلي: ((لقد أصبحتم حضرات العلماء غائبين عن الميدان اليومي في المغرب، ولست أدري ولا أريد أن أدري هل أنتم أم الإدارة أم السياسة أم البرامج؟ بل يمكنني أن أقول أنكم أصبحتم غرباء.. أصبح الإسلام وتدريس الإسلام في الجامعات وفي المدارس الثانوية لا يعدو أن يكون دروس تعليم نواقض الوضوء ومبطلات الصلاة، فأين هو تحليل النظام الاقتصادي الاجتماعي؟ إن الدين هو قبل كل شيء المعاملات.. المعاملات الدولية، معاملات الشورى في البرلمان، وحتى معاملات السلطة مع الرعية، حتى معاملة الرعية مع الأقلية منها)).
يظهر من خلال هذا، أن السلطة السياسية ترى أن غياب العلماء كان سببا ضمنيا لانتشار حركات إسلامية حاولت أن تستعمل هذا الفراغ وتحاول ملأه، لذا كان من الضروري تقوية وخلق مجالس علمية تتولى الانتشار في مخلف الأقاليم، وهذا ما أكده الخطاب الملكي التوجيهي: ((إننا جعلنا في ظهيرنا إمكانية خلق مجالس علمية في كل إقليم كلما توفر الإقليم على الأطر الصالحة التي يمكنها أن تبلغ وتحسن التبليغ…))، كما أن قرار إنشاء المجالس كان يهدف أيضا إلى التعامل مع بعض المستجدات التي عرفها العالم الإسلامي وعلى رأسها بالطبع الثورة الإيرانية.
فهل يجد المجلس العلمي الأعلى نفسه مجبرا على الرد على تساؤلات وملاحظات هؤلاء العلماء والدعاة، أم أننا سنشهد تغيرا جديدا في الحقل الديني بالمغرب، خاصة وأن هناك تصريحات لمسؤولين كانت غريبة شيئا ما، ومنها تصريح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، بأن “المغاربة علمانيون” ؟




