تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل تسببت مدونة الأسرة في تراجع النمو الديمغرافي بالمغرب ؟

منذ أواسط القرن العشرين ظهرت مسألة التحكم في النمو الديمغرافي كتحدّ حقيقي أمام عدة دول متقدمة، ومع نهاية القرن، ظهر أن هذا المشكل تعاني منه كل الدول السائرة في طريق النمو ومن ضمنها المغرب، وقد نهجت الدولة منذ عهد الحسن الثاني سياسة للتحكم في النمو الديمغرافي السريع، وفعلا بدأت النتائج تعطي ثمارها منذ إحصاء 2004 و2014، غير أن نتائج إحصاء عام 2024، كانت على غير المتوقع.. فقد كشفت أن المجتمع المغربي يتجه نحو الشيخوخة، وفي مقابل ذلك، ظهر مستجد جديد على الساحة الوطنية، وهو توصيات المجلس العلمي الأعلى حول مشروع مدونة الأسرة الجديدة وما حمله من جديد، الأمر الذي جعل البعض يعتقد أن هذه المدونة الجديدة ستؤدي لا محالة إلى العزوف أكثر عن الزواج مما سيسهم في خلق أزمة ديمغرافية حقيقية مستقبلا.. فهل كان سبب توجه المغرب نحو الشيخوخة بسبب مدونة 2004 ؟

أعد الملف: سعد الحمري

بين تراجع الخصوبة ومدونة الأسرة

تتمة المقال تحت الإعلان

    كانت سنة 2024 التي ودعناها منذ يومين فقط، مليئة على المستوى الداخلي بالقضايا والقوانين ومشاريع قوانين، التي تنذر بأن سنة 2025 ستكون ساخنة تشريعيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأن البرلمان سيتحول إلى ساحة حرب حقيقية توقظ المعارضة من سباتها العميق، وأن العالم الافتراضي سوف يكون أكثر سخونة وتأثيرا على العالم الحقيقي، وأبت هذه السنة، بكل ما لها وما عليها، إلا أن تودعنا وهي ترسم ملامح السنة الجديدة، حيث وقع في أواخر أيامها حدثان مهمان من شأنهما أن يرسما ملامح المغرب على المدى البعيد وليس فقط سنة 2025 أو السنة التي بعدها، أو المدى المتوسط، وهما: أولا تقديم المجلس العلمي الأعلى رأيه بخصوص بعض تعديلات مدونة الأسرة وعددها سبعة عشر مسألة التي تفضل بتقديمها إلى الملك محمد السادس وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما الحدث الثاني، فيتعلق بإعلان المندوبية السامية للتخطيط، عن بعض ما أسفر عنه الإحصاء العام للسكان والسكنى لهذه السنة الدراماتيكية، حيث كشفت الأرقام التي قدمتها مندوبية شكيب بنموسى، عن معطيات خطيرة، تفيد بأن المجتمع المغربي يتجه نحو الشيخوخة، مع بداية انقلاب الهرم السكاني وانخفاض ملحوظ في نسبة الأطفال دون الـ 15 سنة، مقابل ارتفاع نسبة السكان فوق 60 عاما، وهو ما يضع البلاد، وفقا لخبراء، أمام تحديات اقتصادية ومجتمعية مستقبلية كبيرة، وجاء في الأرقام التي قدمتها المؤسسة الرسمية دائما، أن نتائج الإحصاء تقول إن معدل الخصوبة في المغرب واصل انخفاضه ليصل إلى أقل من طفلين لكل امرأة سنة 2024، ليصبح أقل من عتبة تعويض الأجيال المحددة عالميا في 2.1 طفل لكل امرأة، وحسب المصدر ذاته، فإن الأسباب تعود أساسا إلى الاستخدام الواسع لوسائل تنظيم الأسرة (وسائل منع الحمل…)، ومن جهة أخرى إلى ارتفاع معدل العزوبة النهائية عند سن 55 عاما، بالإضافة إلى نسبة المطلقين البالغين 15 عاما فما فوق، وتداعيات جائحة “كوفيد 19” التي دفعت العديد من الأزواج إلى تأجيل مشاريع الزواج والإنجاب.

ظاهريا، يبدو الحدثان متباعدين ولا تجمع بينهما أي علاقة، لكن في وسائل التواصل الاجتماعي هناك من جعلهما ينشدان إلى بعضها البعض، ويتفرعان عن مشكلة واحدة بنيوية، تحتاج إلى معالجة عميقة، وهي أن مدونة الأسرة القديمة التي بدأ العمل بها فعليا سنة 2004، أدت إلى تراجع معدل الخصوبة، فما بالك بالمدونة الجديدة، والحال أن ما يروج له في وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد ترف فكري أو ما يشبه ذلك، دون أن يثير انتباه المسؤولين والسلطات.. فقد طرح ما يروج من أفكار ومقترحات تحديا حقيقيا أمام الدولة، ترجمه هجوم قادة أحزاب على هذه الأفكار، ونخص بالذكر قطبي المعارضة، حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، الذي اعتبر أمينه العام رئيس الحكومة السابق عبد الإله بن كيران، في اجتماع لحزبه، أن “رأي المجلس العلمي الأعلى حول مدونة الأسرة في ما يتعلق بالتعصيب، وتوارث المسلم وغير المسلم، وإثبات النسب عبر (ADN)، أمر محسوم ولا يناقش”، ولفت بن كيران إلى أن “بعض الأمور تبدو مفهومة، مثل الوصية الواجبة، والشريعة الإسلامية ليست جامدة، والعلماء الدينيون أبدوا رأيهم، والملك قام بدوره، ورافقت هذا آراء سلبية”، معتبرا أن “الأشخاص في تطبيق الفايسبوك مخلطين”.

وعلى نقيض عبد الإله بن كيران، كان إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، أكثر حدة في الهجوم على ما يروج له من أفكار والنقاش الحاصل حول مقترحات تعديل مدونة الأسرة بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتقد هذا النقاش ودعا إلى تشكيل “سد منيع لهذا النقاش العقيم”. ففي كلمته بالمؤتمر الإقليمي لحزبه بمدينة تمارة، مساء السبت الأخير من سنة 2024، رفض لشكر نقاش من اعتبرهم “يحاولون إيهام المغاربة بوجود صراع مجتمعي بين من يظنون أنفسهم أوصياء على المجتمع من محافظين، وبعض (الغلاة) المدعين للحداثة”، كما أفرد لشكر حيزا من خطابه لمهاجمة تدوينات النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلا: “البعض منهم حاول الانطلاق من مشكل الخصوبة طبقا لنتائج الإحصاء، ودعا لحل المعضلة بتشجيع التعدد”.

مقارنة بين معدل الخصوبة وأسبابه في المغرب والجزائر ومصر

    إن ما يروج من أفكار في العالم الافتراضي، أصبح يتم الرد عليه بطريقة رسمية وغير رسمية، فإذا كان في حالة المغرب قد تم الرد على الانطباع الأول حول مشروع المدونة الجديدة من طرف أحزاب المعارضة، فإنه وفي ذات المرحلة، تم الرد على “هاشتاغ” في الجارة الشرقية الجزائر يحمل وسم “مانيش راضي” من طرف رئيس الدولة، غير أن ما يهمنا هنا هو هل المدونة القديمة التي تم العمل بمقتضياتها مدة عشرين سنة كاملة هي المسؤولة الأولى عن تراجع الخصوبة في المغرب، أم أن هناك أسبابا أخرى ؟

فالأمر يستدعي المقارنة بين عدة بلدان لمحاولة الإجابة عن هذه الإشكالية، وسنكتفي هنا بمقارنة حالة المغرب مع الجزائر.. ففي الوقت الذي تشهد فيه المملكة تراجعا ديمغرافيا منذ بداية القرن الحالي، عرفت الجارة الجزائر طفرة ديموغرافية حقيقية، تم التأريخ لانطلاقتها منذ الربيع العربي، إذ ارتفعت الولادات السنوية من 600.000 إلى أكثر من مليون منذ العام 2014، وبلغ معدل الولادات أكثر من 25 لكل 1000 نسمة (أحد أعلى المعدلات في العالم)، وعلى عكس ذلك، انخفض معدل الولادات في المغرب إلى 18 لكل 1000 نسمة، وهذا التطور السريع له عدة عواقب، الأولى هي الركود النسبي في عدد السكان المغاربة الذين وصل عددهم إلى 36.5 مليون نسمة، في حين اقتربت الجزائر من 43 مليون نسمة حسب إحصائيات 2019، مع العلم أن منحنى البلدين كان متطابقا تقريبا حتى بداية القرن الحادي والعشرين، أما الثانية، فهي أن النمو الطبيعي للسكان المغاربة يبلغ 1 في المائة سنويا، وهو انخفاض كبير مقارنة بـ 1.7 في المائة في الجزائر، حيث عاد عدد السكان هناك إلى الارتفاع بشكل حاد.

إن هذه المقارنة تثير تساؤلات عدة حول ديناميكيات عدد السكان في المغرب، وشيخوختهم، والظروف التي تتحكم في هذه التطورات.. فهناك من يقول بأنه في حالة المغرب، كان الملك الحسن الثاني مدركا لمخاطر النمو السكاني المفرط على استقرار الدولة، وعليه سارع إلى نشر وسائل منع الحمل بطرق ملتوية، علما أن الإجهاض محظور في البلاد شرعا وقانونا، كما لجأ إلى التشجيع على الهجرة، حيث يقدر عدد مغاربة العالم حاليا بحوالي 5 إلى 7 ملايين مقيم في ديار المهجر، لنستدعي النموذج المصري، حيث اختارت هذه الدولة نفس النهج الذي اعتمده المغرب لوقف النمو الديمغرافي المتسارع، وتشجيع الهجرة ونشر وسائل منع الحمل، غیر أن النتيجة تبدو مختلفة، حيث نشهد فيها كما هو الحال في الجزائر منذ الربيع العربي، عودة إلى التكاثر الديموغرافي.

لماذا أفلت المغرب من هذه الظاهرة؟ أي ارتفاع مفاجئ في عدد سكانه بعد الربيع العربي، هل التحول الديموغرافي في البلدان العربية مفروض عليهم بسبب البؤس الاقتصادي والاجتماعي، وبسبب الاستبداد وانعدام الأفق، أم أنه أمر اختاروه من تلقاء أنفسهم ؟

يرى المؤرخ الفرنسي بيير فيرمورين، في كتابه المعنون بـ”المغرب في 100 سؤال”، أن الحالتين الجزائرية والمصرية تدفع إلى الاعتقاد بأن الانعطاف الديمغرافي المفاجئ تفرضه الظروف.. ففي الجزائر، بمجرد أن تحسن الوضع الاقتصادي والأمني، سمحت أموال الدولة بعد عام 2011 بإطلاق برامج زواج الشباب واستقرارهم في منازلهم، وهو أمر مهم جدا، أما في مصر، فما إن فازت جماعة الإخوان المسلمين بالانتخابات في نشوة الثورة المصرية حتى ارتفعت الديموغرافية السكانية من جديد بسرعة السهم، لكن لا شيء من هذا القبيل حدث في المغرب وتونس رغم الأحداث السياسية التي مرا بها، ولا سيما الثورة في تونس أو إدارة الحكومة من طرف حزب العدالة والتنمية في المغرب، فإن عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية، بل التدهور الذي أثر على الطبقات الشعبية (انخفاض حصة الفرد من الناتج الداخلي الخام بمقدار النصف في تونس واحتجاجات الريف بالمغرب وما إلى ذلك) هي التي سادت.

في ظروف التباطؤ الديموغرافي الحاد والمستمر هذه، هل يتجه المغرب إلى أن يصبح بلدا ناضجا ديموغرافيا؟ وهل خرج من مجموعة البلدان الشابة مثل الجزائر؟ فقد كان المغرب بالفعل البلد الثاني من بين البلدان الأقل شبابا في إفريقيا في عام 2013 بعد تونس، بمتوسط عمر يبلغ 28.1 سنة، وفي الجزائر، لا يزال من هم دون سن الخامسة والعشرين يشكلون 45 في المائة من السكان، في حين انخفضت هذه النسبة إلى 42 في المائة بالمغرب.

إن نسبة الشباب مقارنة بمن تزيد أعمارهم عن 60 عاما (12 في المائة)، لا تزال أعلى، ولكن برز منحنى جديد في أوائل القرن الحادي والعشرين، إذ كانت المرأة في القرى تنجب في المتوسط أربعة أطفال، بينما نظيرتها في المدينة تكتفي بطفلين، أما اليوم، فقد انخفض المتوسط إلى طفلين اثنين.. نعم المغرب لا يزال بلدا شابا، لكنه مثل الصين منخرط في عملية شيخوخة سريعة تكاد تكون لا رجعة فيها.

الملاحظ أن المقارنة بين كل من الجزائر ومصر رغم تدهور الأوضاع فيهما مؤخرا، تجعلنا نخرج بخلاصات جديدة غير التي يروج لها عندما نفسر أسباب تراجع النمو الديمغرافي في المغرب، والتي يتم حصرها دائما في أسباب تعد أسطوانة قديمة جديدة، وهي ارتفاع نسبة الطلاق في المغرب، مع العلم أن نسبة الطلاق في مصر أعلى بكثير من المغرب، بل تحتل مراتب متقدمة عالميا، أما ارتفاع نسبة العنوسة، فإن الجارة الشرقية الجزائر تتجاوزنا، ورغم ذلك فإن نموها الديمغرافي أعلى منا بكثير.

لا شك أن النمو الديمغرافي سيشكل تحديا حقيقيا في المغرب في المدى المتوسط والبعيد، ولا شك أن السنة المقبلة ستشهد صراعا قويا حول تفاصيل مدونة الأسرة الجديدة.. فهل ستبقى مسألة تراجع النمو الديمغرافي لصيقة بالمدونة القديمة والترويج أن انقراض المغاربة سيكون بسبب المدونة الجديدة ؟

لننتظر ما ستسفر عنه الأيام..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى