تحليل إخباري | حسم تعديلات مدونة الأسرة بقرارات سيادية لإمارة المؤمنين
أكبر الأوراش التشريعية لمغرب 2030
إعداد: سعيد الريحاني
حسم الجدل عمليا بخصوص الخلافات المتعلقة بورش مدونة الأسرة بين التيار المحافظ والتيار العلماني(..)، بإعلان جملة من التعديلات بلغ عددها 139 مقترح تعديل شملت الكتب السبعة للمدونة، وأكد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، الذي أعلن عن هذه التعديلات التشريعية، ما يعكس “الطابع السيادي” لهذه المقترحات(..)، أن ما تم تقديمه لا يخرج عن الإطار الذي حدده أمير المؤمنين، وهو أن “لا يحل حراما ولا يحرم حلالا”، بل إن وزير الأوقاف قال أيضا: ((إن استفتاء العلماء من قبل أمير المؤمنين يدخل في ما أنيط به من حفظ الدين، وأن حفظ الدين التزام في البيعة الشرعية لإمام الأمة)).
وأضاف وزير الأوقاف وهو يشهر ورقة إمارة المؤمنين، عبر شرح أبعاد البيعة، قائلا: ((إنها الأصل الذي انبنت عليه العلاقة بين الحاكم والمحكومين في الإسلام؛
• إن المغرب قد احتفظ بها على امتداد تاريخه في الإسلام؛
• إن البيعة عقد مكتوب ينص على موافقة الأمة ممثلة في العلماء وشيوخ القبائل وأعيان الحواضر والشرفاء وشيوخ الزوايا وأمناء التجار والحرفيين وكبار العساكر؛
• إن البيعة من فعل “باع” والمراد هو أن الأمة تبيع المشروعية لولي الأمر مقابل التزامه بما تقوم عليه الأمة والدولة والمجتمع، ويتعلق الأمر بما سماه علماء الإسلام بـ”الكليات الخمس” وهي: حفظ الدين (لأن الدين هو الذي يعطي المعنى للحياة)، وحفظ النفس (بالأمة والصحة)، وحفظ العقل (بالتعليم والنظام العام المبني على المعروف)، وحفظ المال (وهو المعاش والتنمية والمعاملة بالحق والعدل)، وحفظ العرض (وهو المصطلح عليه اليوم في باب السياسة الاجتماعية بالكرامة)، ولا تخرج الدساتير الحديثة عن هذه الالتزامات التي تتفرع إلى اهتمامات حكومية، غير أن دساتير البلاد العلمانية لا تنص على حفظ الدين بهذا المعنى) علما أن الحاجة إلى الدين ديمقراطيا حاجة اجتماعية، وهي عند المؤمنين الحاجة الأولى.
الأمر الثاني: هو أن أمير المؤمنين في النظام المغربي يستعين في حفظ الدين بمعناه العام لجميع مؤسسات الدولة، حكومية وغير حكومية، ويستعين بحفظ الدين بمعناه الخاص، أي العبادات والمعاملات بالعلماء، والمؤسسة العلمية في وقتنا الحاضر هي وريثة مشيخة العلماء في التاريخ، ويرأسها أمير المؤمنين، وتتكون من المجلس العلمي الأعلى بأمانته العامة وكتابته، ومن المجالس العلمية المحلية في العمالات والأقاليم وعددها اثنان وثمانون، في كل مجلس رئيس واثنا عشر عضوا من بينهم أربع من العالمات)) (المصدر: كلمة الوزير أحمد التوفيق).
ولا تقف الأبعاد السيادية عند تفعيل اختصاصات أمير المؤمنين، وتكليف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية (وزارة سيادية) بإعلان المقتضيات الجديدة، بل عكسه أيضا الحضور الوازن للشخصيات السيادية خلال لقاء تواصلي خصص لاستعراض أهم خلاصات جلسة العمل الملكية المنعقدة يوم 23 دجنبر 2024، بناء على توجيهات ملكية(..)، ما يعني أن الملك محمد السادس هو الذي أمر اللجنة بالخروج إلى المواطنين لشرح أبعاد مدونة الأسرة الجديدة(..)، وكان اللقاء الذي عرف حضورا مكثفا للصحافة، قد عرف حضورا كبيرا للإعلاميين داخل المغرب بالإضافة إلى الصحافة الأجنبية المعتمدة والوكالات.. كما تميز بحضور وزراء سيادة آخرين بالإضافة إلى أحمد التوفيق، مثل وزير الخارجية ناصر بوريطة، والأمين العام للحكومة محمد الحجوي، وحضور له رمزية كبيرة ممثلا في أعضاء المجلس العلمي الأعلى على رأسهم الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى سعيد شبار، ثم رئيس مجلس النواب الطالبي العلمي ورئيس مجلس المستشارين محمد ولد الرشيد، بالإضافة إلى رئيس المجلس الأعلى للقضاء محمد عبد النباوي، ورئيسة المجلس الأعلى للحسابات زينب العدوي، ورئيس النيابة العامة الحسن الداكي، ووزيرة الأسرة والتضامن الجديدة نعيمة بن يحيى، ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمينة بوعياش..
عمليا كل التعديلات ستجد طريقها إلى التطبيق قريبا بعد أن تم إضفاء الشرعية الدينية عليها، وهو ما يعني حسم الأوراش التشريعية في أفق مغرب 2030(..)، وتتعلق التعديلات التي استوجبت “استفتاء” المجلس العلمي الأعلى، بـ 10 قضايا، وافق عليها المجلس كما اقترحتها اللجنة الملكية المكلفة بتعديل المدونة، و((شملت هذه القضايا: سن الزواج، وشهادة الشاهدين المسلمين في الخارج، والنيابة الشرعية المشتركة، واعتبار العمل المنزلي مساهمة في ثروة الزوج، ووجوب نفقة الزوجة بالعقد، والعمرة الإجبارية للسكنى للزوج الباقي حيا، ومرتبة ديون الزوجين المتعلقة بالأموال المكتسبة، وبقاء حضانة المرأة التي تزوجت، والمتعة للمرأة طالبة التطليق، والمساواة بين أبناء الأبناء والبنات في استحقاق الوصية الواجبة مهما نزلوا.. وذكر الوزير التوفيق، أن هناك ثلاثة مسائل أعطت اللجنة حلولا بديلة توافق الشرع وتحقق المطلوب، ومن الأفضل الأخذ بها، ويتعلق الأمر بنسب الولد خارج الزواج، والبديل هو تحميل الأب والأم المسؤولية عن حاجيات الولد، دون إثبات النسب، لأنه يخالف الشرع والدستور ويؤدي إلى هدم مؤسسة الأسرة وخلق أسرة بديلة.

وأما المسألة الثانية، فهي الوصية للوارث إذا لم يجزها باقي الورثة، وبديلها الهبة عوض الوصية وعدم اشتراط الحيازة الفعلية.
وذكر التوفيق، أن المسألة الثالثة هي إلغاء التعصيب في حال ترك البنات دون الأبناء، والجواب البديل من اللجنة هو الهبة للبنات وعدم اشتراط الحيازة الفعلية.
وأوضح التوفيق، أن هناك مسألتين أعطت فيهما اللجنة حلولا بديلة توافق الشرع وتحقق المطلوب، ويمكن لولي الأمر أن يقرر فيها ما يراه محققا للمصلحة، أولاهما: التوارث بين الزوجين مختلفي الدين، والحل البديل هو أنه يمكن لكل منهما أن يوصي أو يهب للآخر بإرادته، وعدم اشتراط الحيازة الفعلية، ويمكن الإشارة إلى ذلك في المادة 332 مباشرة بعد المنع، ويمكن لولي الأمر أن يفرض تنزيلا واجبا لأحد الزوجين للمصلحة، وثانيهما، هي التوارث بين الكافل والمكفول، أو التنزيل الواجب، والجواب البديل، أنه يمكن لكل منهما حيازة المال في حالة عدم وجود ورثة، وتنازلت الدولة عن الإرث، ويمكن لكل منهما أن يهب أو يوصي بإرادته، وعدم اشتراط الحيازة الفعلية، ويمكن لولي الأمر أن يفرض تنازلا واجبا للمكفول بمقتضى القانون إذا رأى في ذلك مصلحة)) (المصدر: موقع حزب العدالة والتنمية، ويعكس نشر هذه المعطيات في موقع الحزب موافقة مبدئية على كل المقترحات، وسعيا نحو قبولها..).
يذكر أن توجيهات ملكية صدرت يوم 26 شتنبر 2023، كانت وراء الشروع في تعديل مقتضيات مدونة الأسرة لمواكبة التطورات الجديدة، وتجاوز النقائص(..)، وبحسب بلاغ للديوان الملكي صدر وقتها، تم ((إسناد الإشراف العملي على إعداد ملف تعديل مدونة الأسرة بشكل جماعي ومشترك، لكل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، وذلك بالنظر لمركزية الأبعاد القانونية والقضائية لهذا الموضوع))، ودعا الملك محمد السادس المؤسسات المذكورة، إلى أن ((تشرك بشكل وثيق في هذا الإصلاح الهيئات الأخرى المعنية بهذا الموضوع بصفة مباشرة، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والسلطة الحكومية المكلفة بالتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، مع الانفتاح أيضا على هيئات وفعاليات المجتمع المدني والباحثين والمختصين)).
تاريخ الترافع الملكي من أجل مدونة الأسرة وحقوق المرأة
يوم 19 مارس 1999، أعلنت حكومة التناوب في شخص وزيرها الأول عبد الرحمان اليوسفي، الذي ألقى خطابا بفندق “هيلتون” بالرباط، عن “خطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية” أمام الرئيس العام المساعد للبنك الدولي ووفد غفير من الصحافيين، وقد خرجت هذه الخطة من كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة، ومن تحت عباءة الوزير سعيد السعدي عن حزب التقدم والاشتراكية.
إلا أن هذه الخطة واجهت ردود فعل قوية رافضة، قادها أولا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، ومن عدة جهات، كرابطة علماء المغرب (27 ماي 1999)، وجمعية علماء خريجي دار الحديث الحسنية (20 يونيو 1999)، وعلماء وخطباء الدار البيضاء (20 يوليوز 1999)، والهيئة الوطنية لعدول المغرب (22 يوليوز 1999)، ومنظمة تجديد الوعي النسائي (11 غشت 1999)، والهيئة الوطنية لحماية الأسرة بالمغرب (7 نونبر 1999)، وحركة “التوحيد والإصلاح” (1 يناير 2000)، بالإضافة إلى تيار شعبي كبير..
وبتاريخ 20 غشت 1999، خاطب جلالة الملك محمد السادس الشعب المغربي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، حيث قال: ((.. وكيف يتصور بلوغ رقي المجتمع وازدهاره والنساء اللائي يشكلن زهاء نصفه تهدر مصالحهن في غير مراعاة لما منحهن الدين الحنيف من حقوق هن بها شقائق الرجال، تتناسب ورسالتهن السامية في إنصاف لهن مما قد يتعرضن له من حيف أو عنف، مع أنهن بلغن مستوى نافسن به الذكور، سواء في ميدان العلم أو العمل؟)).
وفي 12 مارس 2000، ومع اقتراب موعد اليوم العالمي للمرأة، خرجت مسيرة تأييد للإصلاحات التي اقترحتها الحكومة ودعم للمشروع، ضمت ما يقرب من 100 ألف شخص، وشاركت فيها مجموعات نسائية وحركات حقوق الإنسان وأحزاب سياسية (وستة وزراء في الحكومة على الأقل)، حتى أن بعضهم طالب بإصلاحات أكثر جرأة، وبالمقابل نظم الإسلاميون تظاهرة مضادة في الدار البيضاء شارك فيها حوالي مليون شخص، ونددت بالمشروع على أنه مقرب من الغرب ومناهض للإسلام، وسار فيها حشد أكبر بشكل واضح.
بتاريخ 18 يناير 2001، نشر بالجريدة الرسمية عدد: 4866 ص: 226، ظهير شريف رقم 1.93.361 صادر في 26 دجنبر 2000، يتعلق بنشر اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعتمدة من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 دجنبر 1979، وجاء ذلك بعد إيداع وثائق انضمام المملكة المغربية إلى الاتفاقية المذكورة الموقعة بنيويورك في 21 يونيو 1993 مع التصريحات والتحفظات.
وبتاريخ 27 أبريل 2001، تم تشكيل اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بتعديل بنود المدونة برئاسة إدريس الضحاك، والتي لم تتمكن من تقديم المشروع المعدل للمدونة في التاريخ المتفق عليه، وطلبت من جلالة الملك محمد السادس في يناير 2003، مهلة أخرى لمواصلة العمل، فتم تعويض إدريس الضحاك بالأستاذ امحمد بوستة على رأس اللجنة المكلفة بمراجعة المدونة.
بتاريخ 29 يناير 2003، جلالة الملك يوجه خطابا بمناسبة افتتاح السنة القضائية، جاء فيه: ((.. وسيرا على هذا النهج التحديثي، فقد أصدرنا تعليماتنا السامية إلى وزيرنا في العدل، كي يعمل على فتح أقسام لقضاء الأسرة في أهم المحاكم، ويحرص على أن تعم، فيما بعد، كل أنحاء المملكة، وعلى الإسراع بتكوين قاضي الأسرة المتخصص، لأن قضاء الأحوال الشخصية الحالي غير مؤهل لتطبيق مدونة الأسرة، التي نحرص على إنجازها بكامل الاهتمام ترسيخا لتماسك العائلة في ظل التكافؤ والإنصاف.
ولهذه الغاية، وبدلا من إحداث صندوق للنفقة، قد يفهم منه التشجيع غير المقصود على أبغض الحلال عند الله، وتشتيت شمل الأسرة، فإننا نصدر توجيهاتنا إلى حكومتنا قصد الدراسة المتأنية، لإيجاد صندوق للتكافل العائلي يعتمد في جزء من موارده على طوابع ذات قيمة رمزية، توضع على الوثائق المرتبطة بالحياة الشخصية والعائلية، وترصد نفقاته على أساس معايير مدققة، مستهدفين من ذلك ضمان حقوق الأم المعوزة، وحماية الأطفال من التشرد الناتج عن الطلاق)).
وفي 12 شتنبر 2003، صاحب الجلالة الملك محمد السادس يستقبل امحمد بوستة، رئيس اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، والذي رفع لجلالته المشروع الأولي لمدونة الأسرة مرفقا بتقرير شامل عن حصيلة أعمال اللجنة.
10 أكتوبر 2003، فصل جلالة الملك محمد السادس في هذا الملف، الذي لطالما شكل نقطة شد وجذب في الحياة العامة المغربية، وذلك في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية من الولاية التشريعية السابعة، ومما جاء فيه: ((.. ومع تهانئنا للمنتخبين الجدد واعتزازنا بارتفاع نسبة الشباب الأكثر تأهيلا، فإن التمثيل الضعيف للنساء في الجماعات المحلية يجعلنا نتساءل: إلى متى سنستمر في اللجوء إلى التمييز الإيجابي القانوني لضمان مشاركة واسعة للمرأة في المؤسسات؟ لا ريب أن الأمر يتطلب نهضة شاملة وتحولا عميقا في العقليات البالية والوعي الجماعي وفتح المجال أمام المرأة بما يناسب انخراطها في كل مجالات الحياة الوطنية لما أبانت عنه من جدارة واستقامة وتفان في خدمة الصالح العام…

أما بالنسبة للأسرة والنهوض بأوضاع المرأة، فإنني قد أبرزت إشكالها الجوهري غداة تحملي الأمانة العظمى لإمارة المؤمنين، متسائلا في خطاب عشرين غشت لسنة 1999: كيف يمكن الرقي بالمجتمع والنساء اللواتي يشكلن نصفه تهدر حقوقهن، ويتعرضن للحيف والعنف والتهميش في غير مراعاة لما خولهن ديننا الحنيف من تكريم وإنصاف؟”.
وفضلا عما اتخذناه من قرارات ومبادرات، ذات دلالة قوية، للنهوض بأوضاع المرأة وإنصافها، فإننا لم نتردد في تجنيب المجتمع مغبة الفتنة حول هذه القضية، بتكوين لجنة استشارية متعددة المشارب والاختصاصات، لاقتراح مراجعة جوهرية لمدونة الأحوال الشخصية، عاملين على تزويدها بتوجيهاتنا السامية باستمرار إلى أن رفعت إلى نظرنا السديد حصيلة أعمالها، وبهذه المناسبة، نود أن ننوه بجهود رئيسها وأعضائها، معتبرين أن ما عرفته هذه اللجنة أحيانا من تباين في بعض القضايا، إنما هو من قبيل كون اختلاف العلماء رحمة.
لقد توخينا في توجيهاتنا السامية لهذه اللجنة، وفي إبداء نظرنا في مشروع مدونة الأسرة، اعتماد الإصلاحات الجوهرية التالية:
– أولا: تبني صياغة حديثة بدل المفاهيم التي تمس بكرامة وإنسانية المرأة، وجعل مسؤولية الأسرة تحت رعاية الزوجين، وذلك باعتبار “النساء شقائق للرجال في الأحكام”، مصداقا لقول جدي المصطفى عليه السلام، وكما يروى: “لا يكرمهن إلا كريم ولا يهينهن إلا لئيم”.
– ثانيا: جعل الولاية حقا للمرأة الرشيدة، تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها، اعتمادا على أحد تفاسير الآية الكريمة، القاضية بعدم إجبار المرأة على الزواج بغير من ارتضته بالمعروف، “ولا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف”، وللمرأة بمحض إرادتها أن تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها.
– ثالثا: مساواة المرأة بالرجل بالنسبة لسن الزواج، بتوحيده في ثمان عشرة سنة، عملا ببعض أحكام المذهب المالكي، مع تخويل القاضي إمكانية تخفيضه في الحالات المبررة، وكذلك مساواة البنت والولد المحضونين في بلوغ سن الخامسة عشر لاختيار الحاضن.
– رابعا: فيما يخص التعدد، فقد راعينا في شأنه الالتزام بمقاصد الإسلام السمحة في الحرص على العدل، الذي جعل الحق سبحانه يقيد إمكانية التعدد بتوفيره، في قوله تعالى “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة”، وحيث إنه تعالى نفى هذا العدل بقوله عز وجل “ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم”، كما تشبعنا بحكمة الإسلام المتميزة بالترخيص بزواج الرجل بامرأة ثانية بصفة شرعية لضرورات قاهرة وضوابط صارمة، وبإذن من القاضي، بدل اللجوء للتعدد الفعلي غير الشرعي، في حالة منع التعدد بصفة قطعية.
ومن هذا المنطلق، فإن التعدد لا يجوز إلا وفق الحالات والشروط الشرعية التالية:
• لا يأذن القاضي بالتعدد إلا إذا تأكد من إمكانية الزوج في توفير العدل على قدم المساواة مع الزوجة الأولى وأبنائها في جميع جوانب الحياة، وإذا ثبت لديه المبرر الموضوعي الاستثنائي للتعدد.
• للمرأة أن تشترط في العقد على زوجها عدم التزوج عليها باعتبار ذلك حقا لها، عملا بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “مقاطع الحقوق عند الشروط”. وإذا لم يكن هنالك شرط، وجب استدعاء المرأة الأولى لأخذ موافقتها، وإخبار ورضى الزوجة الثانية بأن الزوج متزوج بغيرها، وهذا مع إعطاء الحق للمرأة المتزوج عليها لطلب التطليق للضرر.
– خامسا: تجسيد إرادتنا الملكية في العناية بأحوال رعايانا الأعزاء المقيمين بالخارج، لرفع أشكال المعاناة عنهم، عند إبرام عقد زواجهم، وذلك بتبسيط مسطرته، من خلال الاكتفاء بتسجيل العقد بحضور شاهدين مسلمين بشكل مقبول لدى موطن الإقامة، وتوثيق الزواج بالمصالح القنصلية أو القضائية المغربية، عملا بحديث أشرف المرسلين “يسروا ولا تعسروا”.
– سادسا: جعل الطلاق حلا لميثاق الزوجية يمارس من قبل الزوج والزوجة كل حسب شروطه الشرعية وبمراقبة القضاء، وذلك بتقييد الممارسة التعسفية للرجل في الطلاق، بضوابط تطبيقا لقوله عليه السلام: “إن أبغض الحلال عند الله الطلاق”، وبتعزيز آليات التوفيق والوساطة، بتدخل الأسرة والقاضي، وإذا كان الطلاق بيد الزوج، فإنه يكون بيد الزوجة بالتمليك، وفي جميع الحالات، يراعى حق المرأة المطلقة في الحصول على كافة حقوقها قبل الإذن بالطلاق، وقد تم إقرار مسطرة جديدة للطلاق تستوجب الإذن المسبق من طرف المحكمة، وعدم تسجيله إلا بعد دفع المبالغ المستحقة للزوجة والأطفال على الزوج، والتنصيص على أنه لا يقبل الطلاق الشفوي في الحالات غير العادية.
– سابعا: توسيع حق المرأة في طلب التطليق، لإخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج، أو للإضرار بالزوجة مثل عدم الإنفاق أو الهجر أو العنف، وغيرها من مظاهر الضرر، أخذا بالقاعدة الفقهية العامة: “لا ضرر ولا ضرار”، وتعزيزا للمساواة والإنصاف بين الزوجين، كما تم إقرار حق الطلاق الاتفاقي تحت مراقبة القاضي.
– ثامنا: الحفاظ على حقوق الطفل بإدراج مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وضمان مصلحة الطفل في الحضانة من خلال تخويلها للأم ثم للأب ثم لأم الأم، فإن تعذر ذلك فإن للقاضي أن يقرر إسناد الحضانة لأحد الأقارب الأكثر أهلية، كما تم جعل توفير سكن لائق للمحضون واجبا مستقلا عن بقية عناصر النفقة، والإسراع بالبت في القضايا المتعلقة بالنفقة في أجل أقصاه شهر واحد.
– تاسعا: حماية حق الطفل في النسب في حالة عدم توثيق عقد الزوجية لأسباب قاهرة، باعتماد المحكمة البيانات المقدمة في شأن إثبات البنوة، مع فتح مدة زمنية من خمس سنوات لحل القضايا العالقة في هذا المجال، رفعا للمعاناة والحرمان عن الأطفال في مثل هذه الحالة.
– عاشرا: تخويل الحفيدة والحفيد من جهة الأم، على غرار أبناء الابن، حقهم في حصتهم من تركة جدهم، عملا بالاجتهاد والعدل في الوصية الواجبة.
– حادي عشر: أما فيما يخص مسألة تدبير الأموال المكتسبة من لدن الزوجين خلال فترة الزواج، فمع الاحتفاظ بقاعدة استقلال الذمة المالية لكل منهما، تم إقرار مبدأ جواز الاتفاق بين الزوجين، في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، على وضع إطار لتدبير واستثمار أموالهما المكتسبة خلال فترة الزواج، وفي حالة عدم الاتفاق، يتم اللجوء إلى القواعد العامة للإثبات بتقدير القاضي لمساهمة كلا الزوجين في تنمية أموال الأسرة.

حضرات السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين،
إن الإصلاحات التي ذكرنا أهمها، لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها انتصار لفئة على أخرى، بل هي مكاسب للمغاربة أجمعين، وقد حرصنا على أن تستجيب للمبادئ والمرجعيات التالية:
– لا يمكنني بصفتي أميرا للمؤمنين، أن أحل ما حرم الله وأحرم ما أحله؛
– الأخذ بمقاصد الإسلام السمحة في تكريم الإنسان والعدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف، وبوحدة المذهب المالكي والاجتهاد، الذي يجعل الإسلام صالحا لكل زمان ومكان، لوضع مدونة عصرية للأسرة منسجمة مع روح ديننا الحنيف؛
– عدم اعتبار المدونة قانونا للمرأة وحدها، بل مدونة للأسرة، أبا وأما وأطفالا، والحرص على أن تجمع بين رفع الحيف عن النساء وحماية حقوق الأطفال، وصيانة كرامة الرجل، فهل يرضى أحدكم بتشريد أسرته وزوجته وأبنائه في الشارع، أو بالتعسف على ابنته أو أخته ؟
– وبصفتنا ملكا لكل المغاربة، فإننا لا نشرع لفئة أو جهة معينة، وإنما نجسد الإرادة العامة للأمة، التي نعتبرها أسرتنا الكبرى.
وحرصا على حقوق رعايانا الأوفياء المعتنقين للديانة اليهودية، فقد أكدنا في مدونة الأسرة الجديدة، أن تطبق عليهم أحكام قانون الأحوال الشخصية المغربية العبرية.
وإذا كانت مدونة 1957 قد وضعت، قبل تأسيس البرلمان، وعدلت سنة 1993، خلال فترة دستورية انتقالية، بظهائر شريفة، فإن نظرنا السديد ارتأى أن يعرض مشروع مدونة الأسرة على البرلمان، لأول مرة، لما يتضمنه من التزامات مدنية، علما أن مقتضياته الشرعية هي من اختصاص أمير المؤمنين.
وإننا لننتظر منكم أن تكونوا في مستوى هذه المسؤولية التاريخية، سواء باحترامكم لقدسية نصوص المشروع المستمدة من مقاصد الشريعة السمحة، أو باعتمادكم لغيرها من النصوص، التي لا ينبغي النظر إليها بعين الكمال أو التعصب، بل التعامل معها بواقعية وتبصر، باعتبارها اجتهادا يناسب مغرب اليوم، في انفتاح على التطور الذي نحن أشد ما نكون تمسكا بالسير عليه، بحكمة وتدرج.
وبصفتنا أميرا للمؤمنين، فإننا سننظر إلى عملكم، في هذا الشأن، من منطلق قوله تعالى “وشاورهم في الأمر”، وقوله عز وجل “فإذا عزمت فتوكل على الله”.
وحرصا من جلالتنا على توفير الشروط الكفيلة بحسن تطبيق مدونة الأسرة، وجهنا رسالة ملكية إلى وزيرنا في العدل، وقد أوضحنا فيها أن هذه المدونة، مهما تضمنت من عناصر الإصلاح، فإن تفعيلها يظل رهينا بإيجاد قضاء أسري عادل وعصري وفعال، لا سيما وقد تبين من خلال تطبيق المدونة الحالية أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بنودها، ولكن بالأحرى إلى انعدام قضاء أسري مؤهل ماديا وبشريا ومسطريا، لتوفير كل شروط العدل والإنصاف، مع السرعة في البت في القضايا، والتعجيل بتنفيذها.
كما أمرناه بالإسراع بإيجاد مقرات لائقة لقضاء الأسرة بمختلف محاكم المملكة، والعناية بتكوين أطر مؤهلة من كافة المستويات، نظرا للسلطات التي يخولها هذا المشروع للقضاء، فضلا عن ضرورة الإسراع بإحداث صندوق التكافل العائلي.
كما أمرناه أيضا بأن ترفع إلى جلالتنا اقتراحات بشأن تكوين لجنة من ذوي الاختصاص، لإعداد دليل عملي يتضمن مختلف الأحكام والنصوص، والإجراءات المتعلقة بقضاء الأسرة، ليكون مرجعا موحدا لهذا القضاء، وبمثابة مسطرة لمدونة الأسرة، مع العمل على تقليص الآجال المتعلقة بالبت في تنفيذ قضاياها الواردة في قانون المسطرة المدنية، الجاري به العمل.
كما يتعين القيام بحملة إعلامية موسعة، لتوعية كل الفئات الشعبية بأهمية هذا الإصلاح، بمشاركة الفعاليات الفقهية والفكرية والسياسية)).
وبنفس المناسبة في 10 أكتوبر 2003، صاحب الجلالة يستقبل أعضاء اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، ويوشح صدورهم بأوسمة ملكية.
وبتاريخ 12 أكتوبر 2003، جلالة الملك يوجه رسالة ملكية إلى وزير العدل لإيجاد مقرات لائقة لقضاء الأسرة.




