ملف الأسبوع | الصحراء والأحزاب.. بين الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس
عندما تسببت قضية الصحراء في اعتقال قادة الاتحاد الاشتراكي

كان الخطاب الملكي الأخير الموجه إلى البرلمانيين مفاجئا للمراقبين، على اعتبار أنه كان في مجمله مخصصا لآخر تطورات قضية الصحراء، ولم يعط أهمية تذكر لتحديات الدخول البرلماني الجديد، بينما كانت اللحظة الوحيدة التي قرر فيها الملك محمد السادس الحديث إلى البرلمانيين، جاءت معبرة جدا، إذ عندما أراد دفع غرفتي البرلمان إلى الانخراط الفاعل في هذا المجهود الوطني، استعمل عبارات لها معانيها وخلفياتها، حيث قال الملك في خطاب افتتاح البرلمان: ((ندعو إلى المزيد من التنسيق بين مجلسي البرلمان بهذا الخصوص، ووضع هياكل داخلية ملائمة، بموارد بشرية مؤهلة، مع اعتماد معايير الكفاءة والاختصاص في اختيار الوفود، سواء في اللقاءات الثنائية أو في المحافل الجهوية والدولية)).. والملاحظ أن هذه الفقرة كانت بمثابة جرة أذن لأعضاء مجلسي البرلمان، حيث طالب الملك بهياكل ملائمة، بمعنى أن الهياكل المشكلة حاليا داخل غرفتي البرلمان غير ملائمة، كما طالب أيضا بموارد بشرية مؤهلة، في إشارة واضحة إلى أن ما يوجد حاليا من موارد بشرية تفتقر إلى التأهيل، وأخيرا أشار إلى اعتماد مبدأ الكفاءة والاختصاص في اختيار الوفود التي من شأنها الدفاع عن قضية الصحراء في المحافل الدولية.
أعد الملف: سعد الحمري
يمكن القول أن الأحزاب السياسية ظلت بعيدة شيئا ما عن قضية الصحراء المغربية، وأخذ المبادرة وطرح أفكار، ويتطرق هذا الملف للأدوار التي لعبتها الأحزاب المغربية في قضية الصحراء، كما يروم التطرق إلى حادثة وقعت بين المؤسسة الملكية وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عندما رفض هذا الأخير الاستفتاء في الصحراء المغربية الذي وافق عليه الملك الحسن الثاني.
هكذا أشرك الملك الحسن الثاني الأحزاب في قضية الصحراء..
لا تتجاوز وظيفة الأحزاب السياسية في المغرب دائرة الدور التنفيذي، إذ لا فرق في ذلك بين السياسات العمومية الداخلية والسياسة الخارجية.. فباستثناء الفترة الممتدة من سنة 1956 إلى 1960، والتي عرفت أوج تأثير الأحزاب في صناعة القرار الخارجي للبلاد، بقي دور الأحزاب منذ ذلك الحين وإلى حدود اللحظة الراهنة، مقتصرا على المشاركة في تنفيذ بنود السياسة الخارجية الرسمية المصاغة من قبل أعلى هرم السلطة في البلاد: المؤسسة الملكية، ولاسيما تلك المرتبطة منها بمسألة الوحدة الترابية، وغالبا ما كان يتم ذلك – ولا زال – بطلب من الدولة.
ومنذ طرح ملف الصحراء سنة 1974، لجأت المؤسسة الملكية أكثر من مرة إلى إشراك الأحزاب السياسية في القضية، وذلك عبر آليات البعثات الدبلوماسية في الدفاع عن مغربية الصحراء لدى المنتظم العربي والإفريقي والدولي، موازاة مع حصول الانفراج السياسي داخليا وانطلاق مسلسل الإصلاح الديمقراطي، حيث عمد الملك الراحل الحسن الثاني، إلى إرسال البعثات الحزبية إلى العديد من العواصم العربية والدولية، بهدف الحصول على الدعم الخارجي في قضية الصحراء من جهة، ولتعزيز الإجماع الوطني والحفاظ عليه من جهة أخرى.
وقد كانت أول مناسبة لجأت فيها المؤسسة الملكية للأحزاب السياسية من أجل الدفاع عن الطرح المغربي بخصوص قضية الصحراء، في صيف سنة 1974، حيث شرع أعضاء من الحكومة بمعية بعض زعماء المعارضة في زيارة العواصم الأوروبية والآسيوية والإفريقية، لشرح بواعث وأحقية المغرب في استرجاع أقاليمه الصحراوية، وفيما يلي أسماء الزعماء الحزبيين الذين شاركوا في البعثات الملكية ذات الطابع الحزبي خلال سنة 1974 والمناطق التي زاروها: زيارة المحجوبي أحرضان، الأمين العام للحركة الشعبية، إلى إفريقيا جنوب الصحراء (أوغندا، كينيا، زامبيا…)؛ زيارة كل من عبد الكريم الخطيب، الأمين العام للحركة الوطنية الشعبية الديمقراطية الدستورية، وامحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال، إلى الدول العربية (لبنان، الأردن، العراق، الكويت…)؛ زيارة عبد الرحيم بوعبيد، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي إلى آسيا (الصين، الهند، باكستان…)؛ زيارة علي يعتة، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى دول المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفياتي، رومانيا…).
ولا شك أن التقارب الإيديولوجي للأحزاب مع الأنظمة المستهدفة، اعتبر محددا أساسيا في توجيه تلك البعثات، كما أن العلاقات الشخصية للمسؤولين الحزبين مع مسؤولي الأحزاب الأجنبية، كانت تحدد بشكل كبير نوعية المهمة التي يقوم بها كل زعيم حزبي، ونوع الدولة التي يمكن توجيهه إليها، فبالنسبة للاتحاد الاشتراكي، وتبعا للعلاقة الجيدة التي كان يحظى بها زعيمه الراحل عبد الرحيم بوعبيد بالمسؤولين اليساريين الفرنسيين، أرسله الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1976، ليشرح لمسؤولي الحزب الشيوعي الفرنسي والحزب الاشتراكي الفرنسي، أحقية المغرب في استرداد صحرائه، ونفس الأمر كان يحصل مع حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية وباقي الأحزاب، لا فرق في ذلك بين أحزاب الكتلة وأحزاب الوفاق باستثناء عبد الله إبراهيم، زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي لم يكن من بين زعماء المعارضة الذين شاركوا في البعثات الدبلوماسية الملكية في موضوع الصحراء.
وفي سنة 1979، تأسس المجلس الأعلى للدفاع، بعد هجوم قوات البوليساريو على مدينة طانطان غير المتنازع عليها، وضم قادة الأحزاب السياسية وأعضاء من الحكومة، ووزير الداخلية ووزير العدل، ووزير الخارجية وإدارة الدفاع الوطني، والضباط السامين في القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية، وحسب ما حكاه الزعيم الاتحادي محمد اليازغي، فإن هذا المجلس اجتمع عدة مرات من أجل مناقشة كل الإشكالات المتعلقة بتطور ملف الصحراء الداخلية والعسكرية والدبلوماسية، إلى أن أوقف الملك الحسن الثاني الدعوة إلى اجتماعه، مؤكدا أنه لا فائدة من جمعه، لأن كل ما يطرح من مواضيع وطنية كان يسرب ويخرج إلى العلن.

اعتقال زعماء حزب الاتحاد الاشتراكي واعتذار ملكي بعد ذلك
ما ميز عمل الأحزاب السياسية خلال تلك الفترة، أن دورها اقتصر على الترويج ودعم أي مبادرة رسمية تتبناها الدولة دون أخذ المبادرة وتقديم مقترحات وحلول، غير أنه خلال سنة 1981، حدث اعتراض لحزب سياسي على مبادرة أقدمت عليها المؤسسة الملكية بخصوص ملف الصحراء.. فقد قبل الملك الحسن الثاني الحل الذي طرحته منظمة الوحدة الإفريقية خلال مؤتمر القمة المنعقد بالعاصمة الكينية نيروبي، مبدأ إجراء استفتاء في الصحراء.
ويقول محمد اليازغي في كتابه “سيرة حزب مسيرة وطن” بخصوص ما حصل: ((شعرنا في المكتب السياسي بقلق كبير تجاه هذه المبادرة، التي لم تجر حولها أي استشارة وطنية. بالطبع قررنا انتظار الاجتماع الثاني بنيروبي لمعرفة القرارات السياسية، والإجراءات العملية التي ستقدم عليها المنظمة الإفريقية في ملف الصحراء، بعد أن شكلت لجنة للحكماء لصياغة التوصيات الضرورية)).
وفي الاجتماع الثاني لمنظمة الوحدة الإفريقية الذي انعقد في شهر غشت من نفس السنة، قدمت لجنة الحكماء توصية بإقامة هيئة المتابعة، وهي تنظيم نيابي يسهر على إعداد الاستفتاء، وفي ذات الوقت عملت الحكومة الجزائرية على الدفع نحو تجميد الإدارة المغربية بالصحراء، وجلاء القوات المسلحة الملكية منها، والدعوة إلى تنسيق مسبق بين المغرب وانفصاليي البوليساريو لإعداد الاستفتاء، بل طلبت من الأمم المتحدة إرسال جيش أممي يحل محل القوات المسلحة الملكية لحفظ السلام في المنطقة.
كان رد فعل الحزب تجاه هذه التطورات اجتماع المكتب السياسي من أجل مناقشة المعطيات الجديدة، وعليه قرر الحزب أن يعلن – في تصريح سياسي – عن المخاوف والمخاطر التي قد تهدد الوحدة الترابية، حيث رأى أنه إذا سمح للإدارة النيابية الإفريقية أن تمارس السلطات التي خولت لها، فهذا أمر لا يخلو من مخاطر، حيث أصبح الأمر يتعلق بإحلال سلطة إفريقية محل السلطة المغربية، ويقول محمد اليازغي في هذا الإطار أن ((كل السلطات الحكومية والإدارية وأجهزة الإعلام أصبحت تدعي أن قبول الملك تنظيم استفتاء سيعجل بإغلاق الملف.. سهر الحبيب الشرقاوي، الذي كان يتوقع اعتقالنا، على طبع وتوزيع التصريح على وكالات الأنباء والصحف الوطنية والأجنبية يوم 5 شتنبر، علما أن “المحرر” و”ليبراسيون” التي كنت أديرها، قد منعت منذ شهر يونيو، وبالتالي، لم يكن الاتحاد يتوفر على صحافة، والبلاغ ركز على أنه ينبغي العودة إلى الأمة عن طريق استفتاء فيما يخص السيادة الوطنية)).
بدأت محاكمة زعماء الحزب المعتقلين، وتم تكييف المتابعة بالارتكاز على ظهير 1935، المعروف بظهير “كل ما من شأنه”، مع تشديد المتابعة بالإحالة على الفصل 188 من القانون الجنائي، وهو تكييف مرتجل وضعيف، لأن تصريح الاتحاد الاشتراكي لا يمكن أن يخلق بلبلة أو يخلق اضطرابا في الرأي العام. وفور اعتقال زعماء الحزب، شن الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي صعد إلى الحكم لأول مرة في تاريخه، حملة ضد المغرب بسبب اعتقال زعماء حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي، ودخلت الحكومة المغربية في أزمة سياسية مع الحزب الاشتراكي الفرنسي، مع العلم أن حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي ذهب إلى عكس ما كان يطالب به الحزب الاشتراكي الفرنسي، حيث طالب هذا الأخير منذ صعوده لحكم بلاد الأنوار، بضرورة تنظيم استفتاء في الصحراء، وبعدما وافق المغرب، رفضه حزب الاتحاد الاشتراكي.
وقد علق عبد الله العروي على ما حدث بالقول: ((عندما كنت في طريق العودة من الجولة الآسيوية، توقفت في لوزان، وفي أحد المطاعم ألقيت نظرة على جريدة سويسرية تركها زبون كان جالسا إلى جانبي، فعلمت أن قادة الاتحاد الاشتراكي أودعوا السجن على أثر بلاغ ينتقد نتائج اجتماع نيروبي، فقلت في نفسي: إن الهدف هو إحراج الاشتراكيين الفرنسيين الذين أوصوا بقبول خطة يرفضها رفقاؤهم المغاربة والرسالة واضحة: نقبل نصائحكم بشرط أن لا تساندوا جهرا المعارضة اليسارية في المغرب، والآن يحكم على بوعبيد وزملائه بسنة سجنا، ماذا تكون المسوغات؟ أستبعد أن تكون غير التجرؤ على تكذيب رئيس الدولة، وهذا يعني تأويلا غير ديمقراطي لمقتضيات الدستور ويفند الدعاية الرسمية عن الإجماع الوطني واستقرار البلاد وتمتع الجميع بالحريات المدنية والسياسية.. هذا زعيم حزب أرسل منذ سنتين فقط لأقاصي الدنيا ليشرح النظرية التي يوضع من أجلها اليوم في السجن، من يستطيع أن ينكر أنه عوقب بسبب مناقشته جدوى مبادرة سياسية؟ الإجهاز على المعارضة في المهد حتى وإن كانت دوافعها وطنية صرفة دليل على قوة النظام.. هذا ما يريد المسؤولون أن يستنتجه الأجانب والفرنسيون بخاصة، وبالفعل قد يستنتجون ذلك بالنسبة للحاضر، أما المستقبل فقد يبدو لهم مليئا بالمخاطرة)).
وفي سنة 1983، وفي خطاب ملكي بمناسبة عيد الشباب، قال الملك الحسن الثاني بأنه لم يكن لديه الحق في القبول بالاستفتاء قبل أن يستفتي الشعب، وهو ما اعتبره القطب الاتحادي محمد اليازغي ضمن مذكراته بما يلي: ((اعتبرنا أن الرجوع للحق فضيلة، وشهادة لنا بصحة موقفنا ووطنيتنا، وأيضا ردا للاعتبار للظلم الذي لحق بنا باعتقالنا ومحاكمتنا.. اعتذار من الحسن الثاني للاتحاد الاشتراكي عن ذلك الظلم والإقرار بأن اعتقالنا كان تعسفا وقمعا)).
دور هامشي للأحزاب السياسية في الترويج لمبادرة الحكم الذاتي في البداية ثم دعوة إلى المساهمة بقوة
وبعد وفاة الملك الحسن الثاني، ومجيئ خلفه للحكم، الملك محمد السادس، ظهر في البداية أنه على خلاف سياسة الملك الراحل، لم تحض البعثات الدبلوماسية الحزبية بأي أهمية مماثلة في الاستراتيجية الترابية مع طرح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي.. فمهمة الترويج لهذا المقترح تم قصرها على الأجهزة الرسمية للدولة، وقد ظهر ذلك واضحا من تركيبة الوفد المكلف بالقضية، والذي كان يضم غالبا كلا من وزير الداخلية آنذاك شكيب بنموسى، والطيب الفاسي الفهري الوزير المنتدب سابقا في الشؤون الخارجية والتعاون ووزير الخارجية لاحقا، وفؤاد عالي الهمة الوزير المنتدب سابقا في الداخلية، ومحمد ياسين المنصوري، المدير العام للإدارة العامة للدراسات والمستندات، وبعض أعضاء المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، وذلك سواء من خلال الجولات التي قام بها في العواصم العالمية لكسب تأييدها لمقترح المغرب، أو من خلال مشاركتها في المفاوضات التي أجراها المغرب مع جبهة البوليساريو بالولايات المتحدة الأمريكية مع استثناءات لا تكاد تذكر.
بيد أنه مع تعثر المفاوضات بين المغرب والجبهة الانفصالية في سنة 2009، ارتأت المؤسسة الملكية أهمية إشراك أحزاب الأغلبية الحكومية (الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة)، سواء في الترويج لمبادرة الحكم الذاتي لدى العواصم الدولية، أو لتسوية بعض الخلافات الناشئة حول ملف الصحراء كما حصل مع ليبيا لدى إشراكها جبهة البوليساريو في احتفالات الفاتح لسنة 2009، إذ تم إرسال كل من مصطفى المنصوري عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ومحمد الشيخ بيد الله عن حزب الأصالة والمعاصرة، فضلا عن وزير الدولة بدون حقيبة، محمد اليازغي، إلى طرابلس، لرأب الصدع، ونفس الأمر لوحظ فيما يخص إشراك أحزاب الأغلبية والمعارضة في تدبير تداعيات ملف أميناتو حيدر.
فهل رأى الملك محمد السادس خلال خطابه الأخير، أن الأحزاب السياسية لا زالت بعيدة عن التطلعات وأنها في حاجة إلى التطعيم بكفاءات جديدة؟ وهل المطلوب منها مستقبلا هو المساهمة في صياغة تصور حول شكل الحكم الذاتي الذي يقترح المغرب منحه في الصحراء، خاصة بعد مطالبة المبعوث الأممي وزير الخارجية بتقديم تصور لشكل الحكم الذاتي ؟




