الحقيقة الضائعة | الوزير الذي عين في الدفاع.. وهرب بميزانية الحرب
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 95"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

عندما بلغت الأزمة العسكرية والاقتصادية أوجها نتيجة استمرار ثورة بوحمارة، أخذ السلطان المولى عبد العزيز يزيد في الضرائب لمواجهة أعباء الحرب، ويزداد الناس صبرا وتشكيا من ضيق الحال دون التذمر من الدفع، حماية للمكتسبات الوطنية ودفعا للاحتلال الأجنبي، وتفاءل الناس خيرا من تمكن وزارة الحرب من جمع ميزانية ضخمة لشراء السلاح وإعادة تنظيم الجيش، وتوجهت الأنظار إلى التطورات الجديدة، فحصل ما لم يكن بالحسبان، ومن الأحداث الصغيرة ما يحطم المعالم الكبيرة، وكم من الأوعية فاضت منذ القرون الأولى للبشرية بمجرد قطرة إضافية، كالقشة التي قصمت ظهر البعير..
لقد جمع وزير الحرب، العربي المنبهي، في هذه الظروف العصيبة، ميزانية الحرب وهرب بها إلى الخارج.. أولا مدعيا أنه في طريقه إلى الحج، بينما نزل بمصر ومهد للحصول على الجنسية الإنجليزية قبل أن يصل إلى لندن محملا بميزانية الحرب المغربية، فكان بذلك لا يقل نذالة وسقوطا عن عدد من أثرياء الحرب الذين يستغنون بأشلاء القتلة، ويدفعون الجنود إلى الحروب بالأسلحة الفاسدة، ويشترون قديم العتاد على أنه جديد وتكون الهزيمة، فإذا أفلتوا منها طاروا إلى حيث لا وطن ولا خطر.
وكذلك فعل المنبهي، وكانت فعلته بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.. فقد أصيب المغاربة بالذعر والهلع، وأيقنوا أن حكامهم قطاع طرق، وأن وزير حربيتهم هرب إلى إنجلترا بصندوق الحرب، فلا ثقة إذن في مخزن هذا وزيره في الحرب.
ولم يجدوا عذرا للمولى عبد العزيز، الذي بقي في بلاده ولم يهرب إلى الخارج ولا هرب أموال الدولة، ولكنه على – أية حال – هو الذي أساء اختيار وزيره في الحرب.
ولم تبق مأساة أمة قررت الدولة العظمى التهامها، وإنما أصبحت أيضا مأساة ثقة، وأزمة ضمير، ولا شك أن الشعب المغربي في تلك الأثناء عانى منها الكثير، إذ لم يكن بوحمارة فقط مصدر متاعبه.. فقد كان الكثير غير بوحمارة ممن كانوا يسيئون إلى المغرب ويوجهون إليه طعنات أعمق وأدمى من طعنات بوحمارة.
يعترف مؤلف كتاب “أعيان المغرب” – نشر المكتبة الوطنية – وهو يتحدث عن هذه المأساة قائلا: ((من الإقرار بالحقيقة والاعتراف بعيوبنا أيضا أن نذكر أن المال لم يكن صرفه يخضع – والحالة حالة حرب واستعجال – لمراقبة دقيقة، فلذلك امتدت إليه أيدي المكلفين بصرفه نهبا واختلاسا لا يستثني منهم أمين الأمناء بالعاصمة، ولا أمناء المجال وضباط الوحدات، ومعظم الأسر التي ظهر عليها الثراء في مطلع هذا القرن، إنما أثرت واستثرت مما سرقته من مال المخزن – أي مال الشعب – في هذه الفترة الحرجة من تاريخ المغرب، فجاع الجند وعرى، وفنيت الدواب، وفترت الهمم، وتطلع المقاتلون للعودة إلى ديارهم ولو تطورت الحالة ضد السلطان الشرعي، ولفائدة الثائر)).
تلك كانت الصورة المجردة للمغرب وهو يواجه الاستعمار وخطر الاحتلال، فكيف كان المصير؟
فرق تسد حتى بين الأخ وأخيه
ولكن المفرّق في الظروف التي سنتطرق إليها، ليس سلطانا أو رئيسا أو مديرا، بل من نكد الدنيا أن المفرق بينهم هم اثنان من أبناء واحد من أعظم ملوك القرن التاسع عشر، وهما أبناء الملك العظيم الحسن الأول، فرق بينهما الاستعمار، وفرقت بينهما المصالح، وتحاربا وتناوبا على العرش، وتعرضا لنفس المصير، لأن المصير كان واحدا كالعلقم تجرعه الأول وتجرعه الثاني، ولم يستفد الثاني من دروس الأول، كما لم يتعظ الأول بدروس الثاني، ولكنه الاستعمار ومناوراته، قادر حتى على أن يفرق بين الأخ وأخيه.
وعندما شطب الفرنسيون بالأحمر على اسم المولى عبد العزيز، بعد أن طرد خبراءهم ومستشاريهم من قصره، توجه بكل عنايته إلى صديقه القديم ومستشاره الكبير، ممثل الحكومة البريطانية، الكولونيل هاري ماك لين، الرجل الوحيد الذي بمستطاعه أن ينقذ الوضعية سياسيا واقتصاديا بحكم أطماع بريطانيا في المغرب، وما لعبته من أدوار في تاريخ المغرب.
كانت بريطانيا هي البديل لفرنسا بالنسبة للمولى عبد العزيز، وكان لمستشاره ماك لين الباع الطويل في البلاط البريطاني.. أليس هو الجندي الهارب من سجن جبل طارق الذي وشحه الملك البريطاني قلادة الشرف وأصبح يسمى “السير هاري ماك لين” النبيل؟
وعندما استدعاه المولى عبد العزيز ذات يوم من أيام أبريل 1903، لإطلاعه على التغيير الطارئ على العلاقات المغربية – الفرنسية، دخل ماك لين على السلطان وفي يده ورقة طلب من السلطان إمضاءها، وفتحها السلطان ليجدها نص إعفاء ماك لين من مهمته، وكانت الرسالة محررة باسم السلطان، واضعة باسمه حدا لمهمة ماك لين، وما كان للسلطان الغاضب الشاعر بخيانة مستشاره وتنازله عنه، إلا أن يمضي.
في تلك الأثناء، دخل أحد الكتاب على السلطان حاملا نسخة من جريدة بريطانية تحمل مراسلة من صديق آخر للسلطان، هو الصحفي هاريس، الذي كتب مقالا بعنوان “سقوط العرش العزيزي”.. إنها منتهى النكاية بمنتهى البرودة.
فهل من تفسير لهذه الخيانات المتتابعة التي لا تليق بالنبل البريطاني غير توصل فرنسا إلى إقناع بريطانيا بالتنازل عن المغرب؟
لقد تنازلت بريطانيا عن السلطان عبد العزيز في ظروف عصيبة، تنازلت عنه وهو يشعر بالانهيار وتنازلت حتى عن التزاماتها وعقودها وصفقاتها، ورفضت حتى تنفيذ اتفاق سابق بضرب 200 ألف قطعة من النقود العزيزية في بريطانيا، وفهم المولى عبد العزيز الموقف بوضوح حينما أعلن عن الاتفاق البريطاني – الفرنسي المؤرخ بـ 14 أكتوبر 1903، والذي يدمج المغرب في سلسلة من الصفقات والتنازلات والمبادلات بين بريطانيا وفرنسا، وفي سنة 1904، أمضى اتفاقا في رابع أبريل يزيل كل لبس وغموض.. فقد تنازلت فرنسا لبريطانيا عن مصر، وتنازلت بريطانيا لفرنسا عن المغرب، وقبلت بريطانيا بأن تدوس بأقدامها سنين طويلة من الصداقة البريطانية – المغربية وتقدم للاستعمار الفرنسي عرش المغرب على صحن من الفضة.
ولا شك أن بريطانيا سنة 1980 تقدر غلطة ساستها سنة 1904، فلا هي احتفظت بمصر، بينما لم يبق الوفاء والنبل البريطاني إلا حبرا على ورق.



