الحقيقة الضائعة | عندما دعا ضابط مخابرات فرنسي للجهاد ضد السلطان
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 94"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

لا شك أن ورقة “بوحمارة” كانت عملية من المكر والدهاء، بحيث انكب على تحليلها وسبر أغوارها عدد كبير من البحاثة والدارسين، وتكمن أهميتها بالنسبة للمغرب في أنها طالت لدرجة كادت أن تحقق أهدافها، ولكنها كادت ولم تحقق شيئا.
ومن دهاء المفكرين والسياسيين الإسبان، أنهم استخلصوا العبرة من درس بوحمارة وفشله، كما استخلصوا العبرة من أخطائهم، من افتضاحهم، من غباوة مخططهم.
حقا، لقد سجل بوحمارة عدة انتصارات عسكرية، خصوصا بعد أن ذهب تعاونه مع الفرنسيين إلى أبعد مدى حينما نصب على رأس قواته المحاربة الخبير الفرنسي ديلبيريل، الذي دخل من جملة من دخلوا إلى دار المخزن، لنسف نظام الحسن الأول من الداخل.
وإذا بالمستشار غابرييل ديلبيريل الذي بكى في جنازة الحسن الأول وتجددت مهمته – بقدرة قادر – في عهد المولى عبد العزيز، يغادر القصر والتشريفات والجاه العالي، ويلتحق ببوحمارة – صديقه القديم في مكاتب دار المخزن – ويلتحي ويلبس العمامة والقفطان والجلباب والسلهام، ويقلب السبحة بين أنامله، داعيا إلى الله ورسوله، وإلى الجهاد ضد سلطان المغرب المولى عبد العزيز لفائدة أمير الانفصال بوحمارة.
ومن يدري، ربما كان المخطط الفرنسي يقضي في حالة نجاح بوحمارة، أن يثور عليه ديلبيريل باسم الدين الإسلامي والإمامة، ويعلن نفسه سلطانا على المغرب، بينما ليس هو في الواقع إلا ضابط مخابرات فرنسي.. إنه منتهى العظمة في التخطيط، لكن إلى أي مدى ؟
ولم يضع الفرنسيون في حسابهم أي تواجد للرأي العام الوطني، ولم يتجاهلوا هذا الجانب إلا لأنهم مقتنعون تمام الاقتناع بأن المغرب الإفريقي، بلد السحر والتدجيل والجهل والسيبة، مثل أي دولة أخرى في أواسط إفريقيا، لن يكون له حول ولا قوة أمام عظمة المخطط الفرنسي (حامل مشعل الحضارة والمدنية).
وإذا بالمولى عبد العزيز يقفز بالأزمة خطوة إلى الأمام، ويضع أصبعه على مصدر المتاعب: “المستشارين الفرنسيين”، ويقرر طردهم، فتندلع شعلة رد الفعل الفرنسي وتضيء معالم الفشل الفرنسي وصغر الورقة الملعوبة، وها هو بوحمارة لم يستطع زعزعة السلطان عن عرشه، ولم يستطع إخضاعه لتلبية مطالب الفرنسيين، فأسفرت هذه التخمينات عن حل نجح إلى أبعد مدة، وهو الاتجاه إلى عزل السلطان.
وهو حل أصبح أشبه ما يكون بالكليشي، الطابع الذي يلجأ إليه الفرنسيون كلما فشلوا في الوصول إلى حل بديل.. وهكذا نراهم فعلا عزلوا المولى عبد العزيز، وعزلوا المولى عبد الحفيظ، وعزلوا محمد الخامس، لأنهم فطنوا إلى أن تشخيص السياسة الوطنية العليا في شخص السلطان، لا يمكن التخلص منه إلا بالتخلص من السلطان.
ومادامت الوصاية الدولية عهدت إلى فرنسا باستغلال المغرب وامتصاص دمه، فإن معاهدة الجزيرة لم تخول لفرنسا صلاحية استبدال السلطان كلما ساء أسلوبه تجاه ضابط المخابرات الفرنسية.
وجب إذن، التمادي في إحراق المغرب، وإفساد اقتصاده، وترك بوحمارة لا كعنصر أساسي، لكن كعنصر تخريب إلى جانب العناصر الأخرى، والهدف طبعا تضييق الخناق على السلطان حتى يرفع يديه مستسلما.
وكان الذي يشجع الفرنسيين على التمادي في هذا المخطط والثقة فيه، هو ضعف المولى عبد العزيز، وميلاد الشعور في جميع أنحاء المغرب بأن هذا الضعف فعلا حقيقة عملية وليس مناورة ولا إشاعة.
ولم يكن الفرنسيون وخلفهم الإسبان يعدمون الوسائل في داخل الجهاز المغربي لتزويد السوق المغربية بكل ما هو كفيل بتنمية هذا الشعور الوطني ضد المولى عبد العزيز.
ثم إنه لا بد من الاستعداد للمستقبل، ومن يدري؟ ربما كانت هذه الحركة المتنامية في الجنوب والتي يقودها أخ حقيقي للمولى عبد العزيز، هو خليفته المولى عبد الحفيظ، أقرب طريق للتخلص من السلطان، وها هي القوافل تتناقل أخبار التفاهم الوطني مع المولى عبد الحفيظ، وهي كلها عناصر لم تضعها المخابرات الفرنسية في حسابها، وهي كلها مشاكل تزيد من صعوبة مهمة الغزو السياسي الفرنسي للمغرب، وخلص الفرنسيون إلى النتيجة الحتمية: لا بد من غزو المغرب لا فقط سياسيا، وإنما عسكريا.
1900.. ثورة تبحث عن زعيم
ليس من شك أن السلطان المولى عبد العزيز لم يكن محظوظا على الإطلاق من صباه إلى شبابه.. وهكذا نرى أن الحظ ليس هو الملك، وها هو المولى عبد العزيز يصبح سلطانا منذ صباه، ولكنه عاش ومات سيء الحظ، وحتى بعد عزله بقي عرضة للنقد الشديد وكأني بلسان حاله يردد: ((هذا ما جناه باحماد علي وما جنيت على أحد)).
وبكل تجرد، يجب النظر إلى ظروف المولى عبد العزيز، ولنسأل عن نوعية الطاقة البشرية التي تواجه هذا السيل من المفارقات:
• تنصيبه سلطانا عن سن الرابعة عشر، ليبقى زمام الأمر بين أيدي المتآمرين والمتناورين والمفسدين؛
• إحاطته بسياج براق من الملاهي والملذات على يد خبراء ألمان وإنجليز وفرنسيين؛
• مواجهته لمشاكل الحكم فجأة وبغتة عند موت صاحب الأمر والنهي باحماد هو وإخوته في ظروف سبق الحديث عنها؛
• وجوده وجها لوجه أمام إرث جبار، مزدوج لمظاهر العظمة، عظمة والده وعظمة مخلفات والده؛
• فقدانه خلال الفترة التي كان فيها محجورا، لثلاثة أقاليم كانت هي مفتاح عظمة أبيه، وهي مناطق توات، وتيدكلت، وكورارة؛
• تهافت المستعمرين على وطنه في أعقاب مؤتمر مدريد ومؤتمر برلين، وتحويل وطنه إلى بضاعة في المزاد العلني بين دهاة الاستعمار، الذين ليسوا في الواقع إلا الممسكين بأطراف النفوذ العالمي الذين كانت قوتهم آنذاك تضاهي قوة الدول العظمى اليوم؛
• تعرضه لخيانة أغلب المحيطين به، ماك لين، وهاريس، وديلبيريل، والمنبهي، وتنازلهم عنه بعد إفساد جيشه وتخريب صندوق مال دولته؛
• ثورة كل إخوته عليه؛
• مواجهته لأول تجربة انفصالية من نوعها، وهي ثورة بوحمارة؛
• الانهيار الاقتصادي الذي جعله يسحب عملة أبيه “الحسني” الذهبية من التعامل ويعوضها بالعملة البرونزية والنحاسية “العزيزي”؛
• تواجده وجها لوجه أمام مقررات مؤتمر الجزيرة التي حكمت عليه دوليا بالاستسلام؛
• تواجده وجها لوجه أمام دولة عظمى احتلت الدولة المجاورة له وهي الجزائر، وتقوى احتلالها وأصبح مصرا على احتلال وطنه.
فماذا يمكن أن ينتظر من رجل واجه هذا الطوفان من المشاكل في ظرف أربعة عشر عاما ما بين سنة 1894 وسنة 1909، وهي فترة لم يكن في أوجها إلا شابا عمره خمسة وعشرون عاما.
إنه إذا كان من باب عدم الإنصاف مؤاخذة شاب عمره عشرون عاما على عدم الوقوف في وجه هذه التيارات، فإن من عدم الإنصاف مؤاخذة الشعب المغربي على نفاذ صبره، وعلى لجوئه إلى البحث عن حل بديل.
ولكن الشعب المغربي في بحثه عن البديل، بقي وفيا لالتزامه بالوفاء للملك العظيم الحسن الأول، وحارب بوحمارة الانفصالي، وسحب تأييده من المولى عبد العزيز، وسلم قيادته لملك الجهاد المولى عبد الحفيظ ابن الحسن الأول.
وهو تحول وجد فيه الاستعمار الفرنسي بالدرجة الأولى، الفرصة السانحة لاستغلال ضغط الأحداث على المولى عبد العزيز، ليزيد من تنازلاته للفرنسيين والإعلان عن الاحتماء بهم، وتلك كانت الغاية القصيرة المدى بالنسبة للمناورات الاستعمارية الفرنسية.



