تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | لماذا كان الحسن الثاني يتجنب اتهام جهات خارجية بالتدخل في شؤون المغرب ؟

أقطاب السياسة والحركات الاجتماعية

مازالت الهجرة الجماعية الأخيرة من مدينة الفنيدق ومحاولة اختراق السياج الحدودي لمدينة سبتة المحتلة، تخلف ردود أفعال داخلية قوية، فمؤخرا ظهرت تصريحات لمسؤولين مغاربة حول عوامل ما حدث، وهناك من ربط

إقدام الشباب على هذه الخطوة بالبطالة المتفشية والتي تزداد يوما بعد يوم، ومنهم والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري الذي نبه إلى “ارتفاع مقلق في نسب البطالة في صفوف الشباب المغربي”، وبين مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي ذكر في تفاعله مع أحداث 15 شتنبر الماضي، أن “جهات غير معروفة تحرض الشباب المغربي على الهجرة السرية مستغلة مواقع التواصل الاجتماعي”، وعلى الرغم من تضارب المعطيات حول وجود تدخل خارجي، إلا أن السلطات المغربية لم توجه أي اتهام رسمي بافتعال هذه الأحداث لأي دولة أخرى، وفضلت الاشتغال بهدوء على هذا الملف، ومواجهة مختلف تداعياته، بما في ذلك التداعيات الحقوقية التي تفجرت عشية نشر صور شباب عراة تظهر عليهم علامات السياط في أجسادهم، لكن ما يهمنا من كل هذا، وفي انتظار انتهاء تحقيق وزارة الداخلية الذي قد يطول، هو تلميح جهات رسمية لوجود تدخل خارجي خلف ما وقع يوم 15 شتنبر، ويحاول هذا الملف استعراض تعامل المغرب مع فرضية التدخل الخارجي في الحركات الاحتجاجية التي عرفها منذ حصوله على الاستقلال.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا تجنبت الحكومة المغربية اتهام أي طرف خارجي بالتدخل في أحداث الريف

تتمة المقال تحت الإعلان

    الواقع أن تعامل المغرب مع فرضية التدخل الخارجي كان حاضرا في كل الأحداث الكبرى التي شهدتها البلاد منذ استقلالها، وكان أول اختبار للبلاد في هذا الإطار خلال أحداث الريف 1958-1959، فبعد اندلاع هذه الأحداث بوقت قصير، خرج يوم 22 أكتوبر 1958 وزير من حكومة أحمد بلافريج، ليس ناطقا باسم الحكومة وإنما خلال مؤتمر لحزبه، وهو عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان يشغل منصب وزير الاقتصاد الوطني، ليلقي محاضرة بعنوان: “سنتان ونصف من الاستقلال”، شبه من خلالها ما يقع بالريف بتمرد عدي وبيهي عامل إقليم تافيلات في يناير 1957، وألح على أن وجه الشبه بينهما هو التدخل الخارجي، فإذا كان عدي وبيهي تلقى السلاح من جهات خارجية، حسب بوعبيد، فإن ما يقع بالريف مشابه له كذلك، كما أرجع سبب تأخر المغرب بعد سنتين من الاستقلال في شتى المجالات، إلى التدخل الخارجي.

وبعد مدة من محاضرة عبد الرحيم بوعبيد، بدأ الحديث عن تدخل أجنبي في أحداث الريف بقوة، إلا أن الحكومة المغربية لم تصدر أي تعليق على ما حدث، وأمام هذه الأخبار حاولت السفارة الفرنسية بالرباط التحري عن الموضوع، وعليه قام السفير الفرنسي بزيارة إدريس بوستة، الكاتب العام لوزارة الخارجية، في فاتح نونبر 1958، قصد معرفة الجهات التي تمنح للمتمردين الأسلحة أو تسعى لذلك، وخلال اللقاء تداول الطرفان عدة قضايا كان أبرزها ما يقع بالريف، وهل هناك تدخل خارجي، إلا أن بوستة فاجأه بالتهرب من الإجابة عن السؤال عن طريق إثارة موضوع آخر.

إن ما لاحظه السفير الفرنسي من صمت السلطات المغربية، وعدم تقديمها أي معطيات حول وجود تدخل خارجي من عدمه، كان موضوع مؤاخذة من الصحافة الوطنية أيضا.. فقد لاحظت جريدة “الطليعة” أنه منذ اندلاع الاضطرابات في الريف، دأبت الحكومة على عدم تقديم معلومات حول الوضع، ونبهت إلى أن عدم تنوير الرأي العام من شأنه أن يفتح المجال للبعض للترويج لأخبار زائفة، وهكذا “بدأت تروج في الأوساط المغربية أخبار مزيفة، الغرض منها إقلاق الأفكار للزج بالمغرب في الهاوية، وكل هذه الأنباء المصطنعة صادرة عن الصحافة والإذاعات الاستعمارية أو عن براثين الأجنبي في الداخل، في حين أن الوسائل الإخبارية المغربية لا تحرك ساكنا متمسكة بصمتها، لا هي تفند أقاويل الاستعمار وأذنابه، ولا هي تزود الرأي العام بالتفاصيل الشافية عن الحالة الراهنة في شمال البلاد”.

وفي ذات السياق، قام علال الفاسي بزيارة إلى تونس ما بين 27 أكتوبر و2 نونبر 1958، وأثناء مقامه في تونس أجرت جريدة “الصباح” التونسية حوارا معه، ومن بين الأسئلة التي طرحت عليه: “يقولون أن حركات التمرد التي ظهرت في والماس وتازة والريف بعد اعتقال المحجوبي أحرضان والدكتور عبد الكريم الخطيب، تحركها أياد أجنبية، فهل هذا صحيح؟ وهل تستطيعون أن تفضحوا هذه الأيدي الأجنبية بإعلان أسمائها؟”، إلا أن علال الفاسي تجنب تقديم أي معطيات حول هذا الجانب، واكتفى فقط بشرح ما يحدث في الريف.

أحداث 23 مارس.. عندما سكت الحسن الثاني عن التدخل المصري

    كان المغرب على موعد جديد مع أحداث كبرى سنة 1965، وهي ما يعرف بأحداث 23 مارس، غير أن ما يجب الإشارة إليه أنه قبل هذه الأحداث بأيام قليلة، قبل الحسن الثاني دعوة رسمية وجهت له من طرف الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وخلال تلك الزيارة كان المغرب قد ربط علاقات اقتصادية مع ألمانيا الغربية، التي كانت جل البلدان العربية قد قطعت العلاقات الدبلوماسية معها بسبب اعترافها بإسرائيل، وعقد الملك الحسن الثاني والرئيس المصري جمال عبد الناصر اجتماعا سريا، ولم يتم الكشف عما دار في ذلك الاجتماع، الذي بسببه استمرت العلاقات بين البلدين في التوتر، بل وزادت رغبة عبد الناصر في قلب النظام على الحسن الثاني، غير أن وثيقة فرنسية نشرناها في “الأسبوع” سابقا، جاء فيها ما دار في اللقاء.. فقد أكد السفير الفرنسي بالمغرب، أن الزيارة انطلقت في جو حبي وانتهت في مناخ من العداء المعلن، وعزى السفير السبب في ذلك، بناء على المصدر المغربي الرفيع المستوى، إلى أن عبد الناصر حاول إقناع الملك بمحاذاة مصر والسير في نفس نهجها بخصوص ألمانيا، حيث طلب منه أن يقطع علاقاته معها، غير أن الملك – وفق ما جاء في الوثيقة – رفض أن يعاني من عواقب سياسية جراء قطع علاقات المغرب مع ألمانيا.

وحسب الوثيقة، فإن النقاش أخذ منحى آخر، حيث تحول إلى مشادات كلامية، وذهب عبد الناصر إلى درجة تهديد الملك، حيث أكد له بصراحة أن زعماء الدول العربية الذين يكسرون التضامن العربي سوف يحكم عليهم بالزوال، كما أكد له أن عليه ألا ينسى بأن المصريين على أبواب المغرب، حيث أنهم يوجدون في الجزائر، وبعد ذلك اللقاء تخلى الملك عن زيارة مدينة أسوان، كما تجنب في آخر يوم من زيارته الخروج من إقامته، وتشير الوثيقة إلى أن الحسن الثاني – من خلال نفس المصدر- أعطى أمره لأوفقير بأن يقوم بتدابير وقائية ذات بعد عسكري عند عودته، وحسب وثيقة أخرى، فقد وضعت قوات الجيش الملكي يوم 15 مارس 1965 في حالة تأهب قصوى بفعل إمكانية دخول عناصر إرهابية من الجزائر، وبعد ذلك بسبعة أيام، عرف المغرب أحداث 23 مارس التي اتهم فيها الحسن الثاني بأنه استعمل القوة المفرطة دون سبب.. فلماذا لم يوجه المغرب التهمة لمصر والجزائر بإشعال أحداث 23 مارس 1965؟ ولماذا لم يتهم على الأقل أطرافا خارجية بالتدخل في الشؤون الداخلية للمغرب ؟

الفاسي // بلافريج // بوعبيد

أحداث 20 يونيو 1981.. عندما رفض الحسن الثاني اتهام أي طرف خارجي

    استقر الوضع في المغرب بعد ذلك لمدة 16 عاما، ثم كانت البلاد على موعد ما عرف بأحداث الدار البيضاء، بعد إعلان حكومة الراحل المعطي بوعبيد، يوم 28 ماي 1981، عن زيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية بضغط من المؤسسات المالية الدولية، يومها دعت الكونفدرالية المغربية للشغل إلى شن إضراب عام في البلاد يوم 20 يونيو 1981 احتجاجا على تلك القرارات، وبعد تنفيذ ناجح للإضراب، خصوصا بمدينة الدار البيضاء، كبرى مدن البلاد، قامت قوات الأمن، في محاولة لإفشاله، بمواجهة وتشتيت التجمعات المحتجة، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات شعبية في مختلف الأحياء الشعبية بالمدينة تدخلت على إثرها عناصر الجيش وواجهت تلك الاحتجاجات بالقمع والعنف والاعتقالات.

بعد ذلك، بدأ الحديث عن تدخل خارجي أجج الاحتجاجات داخل المغرب، خاصة وأن الحسن الثاني كان يستعد يومها لزيارة إلى نيروبي لحضور قمة للاتحاد الإفريقي من أجل منع إعطاء البوليساريو عضوية بهذا التكتل القاري، وبعد أيام من هذا الحدث، عقد الملك الحسن الثاني مؤتمرا صحفيا يوم 2 يوليوز، وكان اللقاء مناسبة لمعرفة وجهة نظر المغرب بخصوص إمكانية وجود تدخل خارجي، حيث طرح على الملك السؤال التالي: “صاحب الجلالة، قلتم إن مشاغبي الدار البيضاء قاموا بعملهم في وقت مناسب، هل معنى ذلك أنهم مدفوعون من الخارج؟”، فأجاب الملك بما يلي: ((إنكم تعلمون أنه من السهل دائما أن يقال أن فلانا موجه من الخارج، فذلك عذر أي أحد أراد أن يتهم أحدا ويفتك به، قد يصح للمرء أن يقول إنهم موجهون من الخارج، خصوصا إذا ما نظر إلى الصورة التي وقعت عليها تلك الحوادث، ولو كانت الأمور أخطر مما جرت، فلربما كنت تخليت عن التوجه إلى نيروبي، ويمكن أن أؤكد لكم أنني لو لم أتوجه إلى نيروبي – وأقولها بكل تواضع – لكانت منظمة الوحدة الإفريقية معترفة الآن بالبوليساريو في الغالب، ولغادر هذه المنظمة المغرب والسنغال وغينيا وساحل العاج والغابون وغير هذه البلدان مثل مصر، إذن، ستكون البوليساريو قد اعترف بها من طرف قسم من منظمة الوحدة الإفريقية التي ستكون قد تشتتت لا لفائدة أي أحد. لا أقول أن المشاغبين كانوا موجهين من الخارج، ولكن أقول لو أن الخارج أراد توجيههم لما وجد ظروفا أحسن وأكثر ملاءمة، ومهما كان الأمر، ورغم أنني لا أتدخل في شؤون القضاء، فإنني أتمنى شخصيا ألا يذكر عنصر التوجيه من الخارج من قبل الوكلاء في مرافعاتهم، فلو كان الأمر صحيحا فأنا أرفض أن يكون المغربي قابلا أن يوجه من الخارج، بل لأنني أضع المغربي في مكانة عالية))، ثم سئل مرة أخرى: “هل تفكرون في بلد معين؟”، فأجاب الحسن الثاني بما يلي: ((لا والله، ولذلك فإنني لا أضع على نفسي هذا السؤال)).

أحداث 1984.. لأول مرة تتهم الملكية جهات خارجية بافتعال الفتنة

    كان المغرب على موعد يوم 19 يناير 1984 مع أحداث اجتماعية اجتاحت مدن الشمال ومراكش وحواضر أخرى، وتزامن ذلك مع احتضان المغرب للقمة الإسلامية التي أعادت مصر إلى العضوية في جامعة الدول العربية بعد طردها منها سنة 1978 على خلفية تطبيعها مع إسرائيل، وفي خضم انعقاد هذا المؤتمر، اندلعت الحركات الاحتجاجية، وقد جعل ما حصل الملك الحسن الثاني ولأول مرة يلقي خطابا خاصا على خلفية أحداث اجتماعية، حيث خاطب الشعب يوم 22 يناير وهو الخطاب المشهور بمصطلح الأوباش، عندما نعث الملك بعض المحتجين في الشمال بـ”الأوباش”، لكن ما نجهله هو أن هذا الخطاب كان في مجمله اتهاما لجهات خارجية بالتواطؤ وافتعال أحداث 19 يناير 1984.

فقد بدأ الملك خطابه بالتذكير بأن ((المؤتمر بمجرد ما أعلن عن انعقاده، حتى بدأت مناورات ومشاغبات لا هدف لها ولا مرمى إلا تشتيت شمل المسلمين وتشويه سمعتهم، ومن غريب الأشياء – شعبي العزيز – أن الأحداث التي شهدتها مدينة مراكش والناظور ووجدة وتطوان والحسيمة والقصر الكبير.. أحداث يقول أصحابها: إنها راجعة إلى غلاء المعيشة وإلى الحالة البئيسة التي تعيشها طبقة من الشعب المغربي، ولكن أليس لنا يا ترى الحق في أن نتساءل هل هذا الجفاف وهذه الأسعار وغلاء المعيشة خلقت بين عشية وضحاها وظهرت للوجود وجاءت مطابقة، ومن غريب الصدف، للمؤتمر الإسلامي؟))، وتابع خطابه شارحا: ((عليك شعبي العزيز أن تعرف شيئا، هو أنني لا أريد تغليطك ولا أن أغالط نفسي، بمعنى أنه عندما تكون المسائل والمشاكل راجعة إلى أنفسنا، أقولها بكيفية صريحة، وعندما يكون منبع المشاكل والاضطرابات منبعا خارجيا أقول ذلك أيضا بصراحة، إنني لست من رؤساء الدول الذين يقولون عندما تقع عندهم أي مشكلة، أن الخارج هو المسؤول عنها، فهم يتسترون وراء الخارج، لا، فأنا سأعطيك مثالا، لما كنت سنة 1981 على أهبة السفر إلى نيروبي وقعت أحداث الدار البيضاء، فهل سمعتني أقول إنها مؤامرة، ومؤامرة متعددة الأطراف؟ ولكنني اليوم أقول إن ما حدث هو مؤامرة متعددة الأطراف، وعندما قيل لي: إنه وقعت اضطرابات أولى بدأت في مراكش وامتدت بعدها إلى مدن أخرى، عرفت أن المسألة ليست موجهة ضد المغرب، بل موجهة ضد المؤتمر الإسلامي، لماذا؟))، وأكد الملك أن ((هناك ثلاثة أطراف وهم أولا الماركسيون اللينينيون الشيوعيون، الذين كانوا يريدون أن يفشل المؤتمر لأن أفغانستان غير موجودة، ولأن الوفد الأفغاني شرح ووضح للمؤتمرين الحالة التي يوجد عليها الحكم الغاصب في أفغانستان وعدد القتلى والجرحى والخسارات في المعدات وفي الجيش المحتل، وهؤلاء الماركسيون اللينينيون الشيوعيون رأوا أن بعض القلاقل كانت واقعة في باكستان وبنغلاديش، وشعروا أن هاتين الدولتين استرجعتا السيطرة والأمن على بلديهما، وهم يريدون لهاتين الدولتين الإسلاميتين اللتين تكونان 180 مليون مسلم تقريبا، ألا ترجعا إلى صوابهما وألا تشعرا بأنهما محميتان بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وبأن ما فوق 40 دولة إسلامية متضامنة معهما.. هذا من الناحية الشيوعية والماركسية اللينينية، وما أقوله عندي حججه هنا، أما الطرف الثاني، فهو المخابرات الصهيوينة، على اعتبار أن إسرائيل تشعر أن غدا لن يكون مثل اليوم أو الأمس عندما رجعت مصر إلى حظيرة الدول الاسلامية، وثالثا هناك تدخل من إيران بقيادة الخميني..)).

وقرأ الحسن الثاني خلال خطابه نماذج من المنشورات التي وزعت قبل أحداث 19 يناير 1984، ومن ضمنها منشور وزع يوم 6 يناير، يقول: ((ليكن في علمنا أن وضعيتنا الراهنة المريرة ليست نتيجة لحرب الصحراء التي يشنها النظام الملكي المهزوم على الشعب الصحراوي البطل، والتي يذهب ضحيتها الآلاف من أبنائنا، وليست نتيجة للجفاف كما يدعي الحسن السفاك (أنا أقرأ هذا لأن ذلك لا يرهبني)، بل راجع إلى نهب خيراتنا من طرف الأمريكان والأعداء)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى