ملف الأسبوع | تأسيس كونفدرالية دول الساحل يمهد لتنفيذ المبادرة الأطلسية
المشروع الجديد للملك محمد السادس في إفريقيا

تشهد القارة الإفريقية تحولات بصفة دائمة، وما يهمنا من ذلك ما حدث على مقربة من المغرب خلال مطلع شهر يوليوز الحالي، ومن أبرز ما وقع الإعلان عن ميلاد كونفدرالية دول الساحل المشكلة من ثلاث دول وهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وخروجها بصفة نهائية من المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “إيكواس”، وقبل أيام من ذلك، فاز الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ ولد الغزواني بولاية ثانية، والقاسم المشترك بين الحدثين هو المبادرة الأطلسية لتمكين دول الساحل من النفاذ إلى المحيط الأطلسي، والتي طرحها الملك محمد السادس خلال خطاب الذكرى 48 للمسيرة الخضراء في نونبر الماضي.. فهل يشكل هذا المستجد البداية الحقيقية لتفعيل مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي ؟
أعد الملف: سعد الحمري
سيرورة نضج المبادرة الأطلسية
انتظر المغاربة خطاب الذكرى 48 للمسيرة الخضراء ومعهم العالم بفارغ الصبر، وكان ذلك تحسبا لتعقيب ملكي على هجمات جبهة البوليساريو على مدينة السمارة، غير أن الخطاب الملكي حمل ما هو أكثر وأكبر من هذا الموضوع، وهو بداية جيل جديد من الأوراش التنموية في الواجهة الأطلسية للمملكة وأقاليمها الجنوبية والواجهة الأطلسية للقارة الإفريقية، وما أثار الانتباه هو اهتمام الملك محمد السادس بالقارة السمراء وبمستقبلها، وكذلك إعلانه عن عزم المغرب على بداية التنقيب على الموارد الطبيعية في الواجهة الأطلسية للأقاليم الجنوبية، ولم يمض الكثير من الوقت حتى نظمت مدينة مراكش، نهاية السنة الماضية، الاجتماع التنسيقي الذي ضم كلا من وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، والذي تم الاتفاق خلاله على إنشاء فريق عمل وطني في كل بلد من أجل إعداد واقتراح أنماط تنفيذ هذه المبادرة، كما اتفق الوزراء على العمل، في أقرب الآجال، على وضع اللمسات الأخيرة على المقترحات التي ستعرض على الملك محمد السادس، وأشقائه رؤساء دول بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد.
يومها أصدرت وزارة الخارجية المغربية بيانا جاء فيه: ((إن وزراء خارجية بوركينا فاسو ومالي والنيجر وتشاد، أعربوا يوم السبت في مراكش، عن انخراط بلدانهم في المبادرة الدولية التي أطلقها الملك محمد السادس لتعزيز ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، والتي تتيح فرصا كبيرة للتحول الاقتصادي للمنطقة برمتها)).
وقد تبعت هذا الاجتماع خطوة أخرى أكدت بالملموس أن الفكرة بدأت تنضج بسرعة كبيرة، وهي عندما اجتمعت كل من النيجر وبوركينا فاسو ومالي في 27 من يناير 2024، وأصدرت بيانا مشتركا أكدت من خلاله انسحاب الدول الثلاث بمفعول فوري من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا المعروفة اختصارا بـ”إيكواس”، وجاء في البيان المشترك أن ((“إيكواس” تحت تأثير قوى أجنبية، تخون مبادئها التأسيسية، وباتت تشكل تهديدا لدولها الأعضاء وشعوبها))، واتهمت الدول الثلاث “إيكواس” بعدم مساعدتها في مواجهة الجهاديين الذين صعدوا هجماتهم منذ العام 2012 في مالي، ثم في أراضي جارتيها، ما أسفر عن مقتل آلاف العسكريين والمدنيين، وتسبب في نزوح ملايين السكان.
واستمرارا لهذا المنحى التطوري، انعقدت قبل أيام، أي يوم 6 يوليوز 2024، في عاصمة النيجر نيامي، القمة الأولى لتحالف دول الساحل، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، لبحث مصير التحالف وأهدافه، وهو التحالف الذي أعلن عنه خلال مطلع السنة الجارية، ووقعت الدول الثلاث التي يقودها الجيش معاهدة “اتحاد كونفدرالي”، مما يؤكد تصميمها على رسم مسار مشترك خارج المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي تحثها على العودة إلى الحكم الديمقراطي. كما جاء توقيت القمة قبل يوم واحد من اجتماع “إيكواس”، التي انعقدت ظهر السابع من نفس الشهر في العاصمة النيجيرية أبوجا، وكان مبرمجا فيها مناقشة العلاقة مع تحالف الدول المنسحبة، لكن الأخيرة استبقت التوقيت واجتمعت لتؤكد أنها ماضية في تكريس الانقسام داخل المنظومة الاقتصادية.
وفي مستهل قمة نيامي، قال القائد العسكري للنيجر، الجنرال عبد الرحمان تياني، أمام نظيريه في بوركينا فاسو النقيب إبراهيم تراوري، وفي مالي العقيد أسيمي غويت، (قال) أن شعوب دولهم الثلاث قررت أن تدير ظهرها لـ”إيكواس” بشكل لا رجعة فيه، وأن اتحاد دول الساحل هو كيان بديل لأي مجموعة إقليمية مصطنعة تسيطر عليها قوة أجنبية، واعتبر تياني أن المنظمة التي تأسست منذ ما يناهز 50 عاما أصبحت تعمل على تهديد بلدانهم، وكانت الدول الثلاث قد أرسلت في 29 يناير الماضي، إشعارا إلى المنظمة بانسحابها النهائي من كل الهياكل التي تتبع لها.

هل نضجت الفكرة ؟
فور إعلان هذا القرار من قبل الدول الثلاث، عاد الحديث مجددا عن مدى التزامها وارتباطها بمبادرة ولوج المحيط الأطلسي، التي أعلنت خلال دجنبر الماضي انخراطها فيه، خاصة وأن المغرب ليس عضوا بعد في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، وهو ما قد يزكي منطقا جديدا برؤى جديدة لتحالفات اقتصادية وسياسية ومبادرات مبدعة يكون فيها المغرب فاعلا قويا وأساسيا في المنطقة، خاصة وأن المغرب حاله كحال البلدان الثلاث، كان قد نادى منذ ما يقارب العقد من الزمن بتحرر إفريقيا من الهيمنة الغربية، وخصوصا الفرنسية، وهو ما يفسر عداء فرنسا له، وفي هذا الإطار، كتب الزميل الطيب العلوي ما يلي: ((أليس الملك محمد السادس هو الذي لطالما خطب في الأفارقة مطالبا بإنهاء عهود الاستعمار؟ أليس هو الذي لا يختلف حوله اثنان في إفريقيا، سواء كانوا في الحكم أو المعارضة؟ إن ما يحدث، يعطي الأفضلية للمغرب في إمكانية لعب دور في المستقبل، فما يحدث اليوم من انتفاضة تهدف إلى التحرر الاقتصادي لإفريقيا، ينسجم تماما مع الرؤية الملكية، أليس هو من خاطب الأفارقة ذات يوم قائلا: إننا بصدد بناء إفريقيا الغد، التي سيرثها أبناؤنا من بعدنا، ونحن إذ نقيم صرحها على أسس اقتصادية متينة، فإنما نسعى بذلك إلى أن تعود خيراتها بالنفع العميم على الشعوب الإفريقية بالدرجة الأولى.. وإذا كنا قد قطعنا أشواطا مهمة في بناء إفريقيا المستقبل وتأهيلها لتتولى زمام أمورها، فإننا مطالبون أيضا بقطع أشواط أخرى على نفس الدرب حتى لا تظل تنميتنا الاقتصادية رهينة أهواء وإرادات خارجية؟ أليس هذا واحدا من خطابات التحرر التي سبقت زمنها بسنوات؟)) (المصدر: أرشيف الأسبوع الصحفي، شتنبر 2023).
وفي ذات السياق، رأى مهتمون أن هذه الخطوة التي أعلنت عنها الدول الثلاث التي عبرت عن التزامها وانخراطها في المبادرة الأطلسية التي طرحها المغرب لفائدة دول منطقة الساحل، هي تكريس للصحوة الإفريقية التي لطالما دعت إليها الرباط، وخدمة للمصالح الاستراتيجية والسياسات البراغماتية للرباط في إفريقيا، مقابل سقوط مشاريع بعض الدول المجاورة لهذه البلدان، خاصة الجزائر، التي تراهن على انعدام الأمن والاستقرار والتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة خدمة لأجندة معروفة الأهداف في المنطقة.
وقد صرح مصطفى الوردي، باحث في العلوم السياسية لموقع “هسبريس”، بما يلي: ((هذه الخطوة تؤكد أن هناك صحوة إفريقية كما كانت تدعو إليها المملكة المغربية، وبالتالي، فإن هذا الحلف الجديد ستكون له إسقاطات في إطار تشبيك العلاقات مع مجموعة من البنى والمبادرات ذات الصبغة الاستراتيجية، على غرار المبادرة الأطلسية، التي طرحتها الرباط من أجل بناء إفريقيا جديدة وتكريس التعاون “جنوب-جنوب”)).
هل يشكل فوز محمد ولد الغزواني بولاية رئاسية ثانية دفعة لتنفيذ المبادرة الأطلسية ؟
أعلنت موريتانيا، وبخطوات عملية، عن استعدادها للانخراط في المبادرة الأطلسية المغربية، ذلك أنها رفضت مبادرة جزائرية في نهاية شهر مارس الماضي والقاضية بتشكيل مغرب عربي دون المغرب، حيث قيل يومها أن موريتانيا رفضت المشروع رفضا قاطعا، وفضلت الانضمام إلى المبادرة الأطلسية التي طرحها الملك محمد السادس يوم 6 نونبر 2023، كما فضلت نواكشوط إرسال إشارات غير ودية إلى قصر المرادية.. ففي يوم إعلان اتحاد المغرب العربي بدون المغرب وموريتانيا، وقعت هذه الأخيرة اتفاقية مع عدو الجزائر اللدود، ونقصد هنا الإمارات العربية المتحدة، التي تنعتها الجزائر بـ”عاصمة التخلاط”، على اتفاقية تعاون لتمويل مشروع جلب المياه من نهر السنغال إلى حوالي 165 قرية في ثلاث ولايات (لبراكنة ولعصابة وتكانت) وسط موريتانيا، ووقع الاتفاقية كل من وزير الاقتصاد والتنمية المستدامة الموريتاني وسفير دولة الإمارات بنواكشوط.
ورغم إعلان موريتانيا عن نيتها الالتحاق بالمبادرة المغربية، فإنها تواجه نزاعا حدوديا مع أحد أضلاع كونفدرالية دول الساحل الجديدة، وهي مالي.. فقد نشب مؤخرا نزاع حدودي بينهما كاد أن يؤدي إلى دخول البلدين في حرب طاحنة، وقد هدأت الأوضاع بين البلدين مؤقتا بفعل تفضيلهما اللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، ومن ذلك الحديث عن إجراء مفاوضات برعاية مغربية.
كما حدث مستجد يصب في اتجاه الحفاظ على السياسة الخارجية الموريتانية المتبعة خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهي فوز محمد ولد الشيخ ولد الغزواني بولاية رئاسية جديدة، حيث بدأت ترجيحات المراقبين تميل إلى المزيد من فتح الآفاق بين البلدين، ومن ضمنهم رئيس “المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان”، محمد سالم عبد الفتاح، الذي أكد في تصريح لجريدة “العرب”، أن ((إعادة انتخاب ولد الغزواني ستكرس التوجه الذي تتبناه نواكشوط حاليا في التعامل مع المغرب، الذي يتسم بالكثير من الرصانة والاتزان من منطلقات براغماتية عقلانية أساسها المصلحة المشتركة بعيدا عن أي مواقف إيديولوجية أو شعبوية في تدبير سياستها الخارجية، في ظل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والأمنية بين البلدين منذ تأمين معبر “الكركرات” من طرف القوات المغربية)).
وأكد المتحدث ذاته، أنه ((إلى جانب أهمية تعزيز التنسيق الأمني بين الرباط ونواكشوط من أجل ضبط الحدود، توجد علاقات قابلة للتطوير والتقدم تعززها الاستثمارات الكبيرة للمملكة في موريتانيا، وتشمل قطاعات هامة منها القطاع المصرفي والاتصالات، بالإضافة إلى أنبوب الغاز المغربي-النيجيري، الذي سيفتح آفاقا واعدة بالنسبة لتصدير الغاز الموريتاني إلى أوروبا بعد اقترابها من فتح باب التصدير الخارجي انطلاقا من مجموعة من حقول الغاز في السواحل الموريتانية)).
وشدد محمد سالم عبد الفتاح على أن ((كل المبادرات التي أطلقها المغرب تبدي فيها موريتانيا انخراطها وتشكل اعترافا ضمنيا بسيادة المغرب على أرضه، بحكم أن هذه المبادرات تشمل الأقاليم الجنوبية للمملكة))، لافتا إلى أن ((نواكشوط باتت تتحرر من منطق الابتزاز الذي يمارسه خصوم المغرب وأعداء وحدته الترابية، والذين يستغلون مجموعة من الملفات الأمنية، في مقدمتها ملف الجماعات المسلحة، وعصابات الجريمة المنظمة المنتشرة في بلدان الساحل)).
استبعاد التحرشات الجزائرية
يبدو من المستعبد وجود أي تدخل جزائري في مسار الدول الثلاث التي أعلنت عن تشكيل كونفدرالية دول الساحل، حيث دخلت الجارة الشرقية للمملكة مع معظمها في أزمات منذ الانقلابات العسكرية.. ففي نهاية شهر فبراير الماضي، قامت الجزائر بمناورات عسكرية على الحدود مع مالي وأطلقت عليها اسم “زوبعة الهكار”، الأمر الذي جعل رئيس الوزراء المالي شوگيل مايگا، يرد على هذا الحدث الذي اعتبره استفزازا صريحا لبلده، حيث قال يوم 4 مارس الماضي، في محاضرة ألقاها في الجامعة الوطنية للتكوين في علوم الصحة بباماكو، ردا على المناورات الجزائرية، بكل سخرية وتحدي: ((نحن نعرفكم لا تحتاجون إظهار مفاتنكم، عندما يحين الوقت ستتعرفون علينا)).
كما حدث خلال شهر فبراير 2024 نزاع جزائري مع جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث زار رئيس الأركان الجزائري سعيد شنقريحة يوم 19 فبراير جمهورية رواندا، في زيارة رسمية دامت أياما، وهي الزيارة التي قالت وزارة الدفاع الجزائرية أنها جاءت بناء على دعوة من الجنرال مبارك موقانقا رئيس الأركان الرواندي، والغريب في الأمر أن هذه الزيارة جاءت بالتزامن مع التصعيد العسكري على الحدود بين رواندا والكونغو، في ظل اشتداد المعارك بين حركة “إم 23” المدعومة بوحدات من الجيش الرواندي من جهة، والجيش الكونغولي في ساكي (بلدة تقع على بعد 20 كيلومترا عن غوما، عاصمة الإقليم) من جهة أخرى.
وجدير بالذكر، أن الجنرال شنقريحة اختتم زيارته بتوقيع اتفاقيات عسكرية ومباحثات تشمل تعزيز التعاون العسكري بين جيشي البلدين، وقال في كلمة له بالعاصمة الرواندية: ((إن هذه الزيارة تعد مؤشرا جليا على طموح السلطات العليا للبلدين من أجل بعث ديناميكية جديدة لآلية التعاون العسكري بين الجيشين وبما يسمح بمواجهة التحديات الأمنية التي تعرفها القارة الإفريقية)).
وبعد ذلك بيوم واحد، استدعت وزارة خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية سفير الجزائر، الذي استقبله نائب الوزير الأول المكلف بالشؤون الخارجية كريستوف لوتوندولا، وأبلغه أن كينشاسا تعتبر زيارة شنقريحة لرواندا وتوقيع اتفاقيات عسكرية معها، دعما لسياستها التوسعية، وطلب من السفير تقديم توضيحات حول هذه الزيارة، كما أصبح للجارة الشرقية تاريخ حافل من التدخل في شؤون هذه البلدان.




