الحقيقة الضائعة | المغرب و”الأعراف الدولية التي لا تستحق الاحترام”
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 86"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

إن المبرر الحقيقي للنوايا الاستعمارية هو الاستغلال الاقتصادي ونهب الثروات واستخراج المعادن وإغراق الأسواق بالسلع الأجنبية، مما جعل الوفد المغربي يقف وحده وجها لوجه أمام الدول الممثلة في مؤتمر الجزيرة كلها، وفي يد الوفد المغربي مشروع إصلاح جبائي يقتضي فرض ضرائب قيمتها 20 في المائة على الواردات، وفرض ضرائب قيمتها مائة في المائة على المشروبات الواردة، وضرائب مائة في المائة على تجارة العفيون واحتكار تجارة التبغ من طرف الدولة، وفرض رسوم على دخول وخروج البواخر ورسوم على المعاملات في مجالات الكهرباء والمصانع والسيارات والجوازات والبنك والتلفون والصيد والملاهي والمقاهي والمطبوعات، وعند هذه الفقرات الأخيرة، انفجر أعضاء الوفود الدولية ضحكا واستهزاء وسخرية وقالوا جميعا: ((كيف تتحدثون في مشروعكم عن السيارات والملاهي والتلفون وأنتم دولة متأخرة لا تلفون عندكم ولا سيارات ولا ملاهي ؟)).
ورغم دفاع رئيس الوفد المغربي، الحاج محمد المقري، وتبرير اقتراحاته بأنها تنظر للتطور البشري ولمستقبل المغرب، فإن المجلس رفض كل اقتراحات وإصلاحات الوفد المغربي، بل إنهم فرضوا في مقترحاتهم تنفيذ مقررات مؤتمر مدريد سنة 1880، والقاضي بمنح الأجانب حق ملكية الأراضي بالمغرب بدون تحديد، وقدموا ترضية للمغرب تقضي بأن يدفع الأجانب رسوم الضرائب الحضرية ليتم بها إصلاح المدن.
وبذلك خسر المغرب على هذه الواجهة، وبدلا من أن يقرر المؤتمر الزيادة في مداخيل خزينة الدولة، قرر الزيادة في الغزو الاقتصادي والاستعماري وفتح باب الملكية للأجانب.
ولم يكن ينتظر منهم جميعا شيء آخر غير الوصول لهذه النتيجة.
موضوع بنك المغرب
وحيث أن البنك الوطني هو العصب المفكر والجهاز المسير والمخطط لكيان دولة ما، فقد كان موضوع بنك المغرب محط جدال كبير، واختلفت وجهات النظر أمام مختلف الاقتراحات.
كان المغرب يطمح لإقامة بنك المغرب في أرض المغرب يركز اقتصاد المغرب. وكانت فرنسا ترغب في إقامة بنك لا يحمل من المغرب إلا اسمه، يشرف على الاقتصاد المغربي من باريس، ويقدم القروض للحكومة المغربية في شكل سلفات بفائدة 7 في المائة، وتقتسم أسهم البنك أحد عشر دولة تسهم في رأسمال البنك وقيمته 25 مليون فرنك.
وكانت ألمانيا تقترح قيام بنك مغربي في طنجة تقتسم أسهمه وإدارته كل دول المؤتمر، ويتم تسييره بمقتضى القانون المصري.
ودخل المؤتمر في نقاشات في المواضيع الجوهرية والإجراءات المسطرية وفي المسائل القانونية وتوزيع الحصص، فلا شك أن البنك كان هو الوسيلة القانونية لتدخل كل دولة في المغرب، وسنداته ذات مغزى أكبر من السندات البنكية العادية، إذ كانت أقرب ما تكون إلى سندات الملكية في المغرب، مما جعل النزاعات تحتدم بين المتناحرين على مرأى ومسمع من الوفد المغربي حتى كاد المؤتمر أن ينفجر، مما جعل المندوب الفرنسي يتدخل ليقول: ((إن أهداف هذا المؤتمر هي أهداف مالية بحتة ومصالح مشتركة، وأقترح التوقف عن مناقشة هذا الموضوع الذي سيسبب في انفجار المؤتمر))، وهو يقصد بذلك ترك العمل للجنة الصياغة تقسم الحصص كما تقتضي ذلك المصلحة المشتركة للدول المساهمة في المؤتمر وفق ما تراه اللجنة التي ستتولى دراسة مشكل البنك، وقد أثار هذا الاقتراح معارضة الوفد الألماني، إلا أن منطق المصالح المالية كان الأغلب.
موضوع الشرطة ومراقبة الموانئ
والبوليس يعني القانون، والمراقبة تعني السيادة، وكلاهما يمثلان هدفا أساسيا لفرنسا وإسبانيا، لأن الذي يزاول القانون والسيادة هو الذي سيسهر على تطبيق الجزئيات الأخرى، وهو الذي سيكون سيد الموقف، لذا سارعت فرنسا منذ اللحظات الأولى للجلسات المخصصة لموضوع البوليس، إلى وضع الأمور في موضعها الحقيقي، فطمأن المندوب الفرنسي جموع الحاضرين إلى أن عليهم تفادي إضاعة وقتهم، وقال: ((إن فرنسا مصممة تصميما قاطعا على رفض أي حل لا يوكل إليها مع إسبانيا أمر القيام بهذه المهمة، لأن حلا غير هذا يعرقل خططها الرامية إلى فرض الحماية على المغرب))، وهل يمكن لأي مندوب أن يتكلم بصراحة أكثر من هاته ؟
وحيث أن ألمانيا كانت تفهم مقاصد المطالب الفرنسية، وتفهم أن فرنسا ستحقق أهدافها كما تريد من هذا المؤتمر، فقد اضطرت إلى الاتصال بالوفد الأمريكي لطلب النصح والمساعدة والدعم لاقتراح قدمته في شكل مذكرة تقترح ((تقسيم المغرب إلى مقاطعات تشرف كل دولة على مقاطعة، وتسليم مهمة البوليس النظامي إلى دولة صغيرة محايدة مثل سويسرا أو هولندا أو السويد تحت إشراف السلطان، الذي يعين ضباط البوليس ويختارهم من الجنسيات التي يريد)).
وقد كان للتدخل الأمريكي وزنه الثقيل، إذ تساءل الوفد الأمريكي عن مغزى تقسيم المغرب إلى مناطق نفوذ، ونصح بالاحتفاظ بالأجزاء الأخرى من الاقتراح الألماني.
وأصبح جليا أن مطالب فرنسا إنما هي رغبة مباشرة ومكشوفة في احتلال المغرب، لذلك تشكل ضدها تيار كبير وسط المؤتمر، وهكذا تطلبت مناقشة قضية البوليس حوالي شهر.. إلى أن استطاعت فرنسا أن تجعل المندوب الروسي يتدخل ليعارض المشروع الأمريكي المستوحى من المشروع الألماني، وقال المندوب الروسي: ((إنه لا فائدة في تدويل البوليس بالمغرب، وعليكم أن تسلموه لفرنسا)) وكأنه بذلك يقصد أن فرنسا ليست دولة أجنبية عن المغرب، أو أنها وصية عليه، وذهب المندوب الروسي إلى أبعد من ذلك، وسجلت عليه محاضر المؤتمر قوله: ((إن ألمانيا تستهدف إذلال فرنسا في موضوع تافه هو موضوع المغرب)).
وتدخل المندوب النمساوي بحل وسط يرضي الأطراف كلها – في نظره – وهو أن يوكل للسلطان أمر اختيار ضباط فرنسيين لتدريب بوليس طنجة والرباط وتطوان وأسفي، وضابط يختاره من سويسرا لتدريب بوليس الدار البيضاء، وضابط من إسبانيا لتدريب بوليس الجديدة والصويرة والعرائش على أن يكون الضابط السويسري هو المشرف العام الذي يقدم تقارير للسفراء عن حالة الشرطة في البلاد.
وطبعا، اعتبر الوفد المغربي هذا الحل تدخلا في السيادة المغربية، وعاد يشرح في جلسة عاشر مارس فهمه لعرض هذا المشكل على أنظار المؤتمر: ((إن المغرب يريد نصائحكم لا تعييناتكم، يريد منكم أن تتطوع بعض الدول لإعطاء خبراء في تنظيم شؤون الأمن، والباقي هو شغلنا ونحن الذين سندفع أجور هؤلاء المستشارين، وعليهم أن يسيروا وفق ما نرى فيه مصلحتنا)).
وتدخل رئيس الولايات المتحدة روزفلت ليحسم هذا الخلاف، بعد أن جاءته برقية من قيصر ألمانيا غيوم، الذي ناشده بالتدخل لإنقاذ العالم من أزمة سيكون المغرب سببها.
وتقدم المندوب الأمريكي بحل وسط بين الحلول النمساوية والألمانية على أن يكون اختيار الأطر كلها من ذوي الجنسية الفرنسية والإسبانية مع بعض التعديلات التي وردت في قرارات المؤتمر.
ويوم السابع من أبريل 1906، انعقدت الجلسة الختامية التي تم فيها التوقيع على “ميثاق الجزيرة” الذي لم يكن في الواقع إلا تبريرا للتدخل الأجنبي في المغرب. ولم يمض مندوب المغرب على الوثيقة، إذ لم يكن مرخصا له بذلك، وفتح الباب على مصراعيه في وجه التدخل والاستعمار الاقتصادي والسياسي، ولا أحد تكلم عن التدخل العسكري الذي أصبح أمرا له ما يبرره بالنسبة للجيوش الفرنسية والإسبانية، التي إنما كانت تستهدف من حضور مندوبيها في المؤتمر الحصول على وثيقة وعقد يتذرعان به أمام الاحتجاجات المحتملة لما ستقوم به جيوشهما، ولما كانت تقوم به أثناء انعقاد المؤتمر من كسب للمواقع، وغزو وتشتيت للقبائل.
وإذا حللنا فلسفة الوفود المشاركة في المؤتمر ووجهات نظر أعضائها في اختلافاتهم من أجل الوصول إلى هدف استعماري لا ينازعون فيه، عرفنا إلى أي حد كانت الأعراف الدولية لا تستحق الاحترام، لا من طرف الشعب المغربي ولا من طرف جلاديه الفرنسيين.



