الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | شروط السلطان للقبول بشروط مؤتمر الجزيرة

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 85"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    إن مؤتمر الجزيرة (الخزيرات) في فترة الاستعداد له، وخلال جلساته، وفي ملتمساته.. لم يخرج عن الإطار الذي وضع فيه وسيق من أجله في هذا المجال، ألا وهو تبرير الاحتلال الفرنسي والإسباني.

فلم يكن المؤتمر إذن، إلا فصلا من فصول المناورات السياسية ضد السيادة المغربية، ولنتفحص جميعا هذا “الربورتاج” المكتوب عن أعمال المؤتمر.

الموقف الرسمي المغربي

تتمة المقال تحت الإعلان

    بدأت أعمال المؤتمر الدولي المنعقد بالجزيرة الخضراء يوم السادس عشر يناير 1906 بأن أعرب رئيس الوفد المغربي، الحاج محمد المقري، عن احتجاجه على عدم تنظيم شؤون الترجمة، وقال: ((إننا جالسون هنا كتماثيل لا نستطيع أن نقول شيئا ولا أن نفهم شيئا)).

وقد رد الوفد الألماني بأن قدم السيد عبد الوهاب مترجما متخرجا من معهد الدراسات الشرقية في برلين، إلا أن المقري علق على أعمال هذا الترجمان بقوله: ((إنه يعمل للألمان أكثر مما يعمل للمغاربة)).

لقد نطق المقري بما سكن فيه.. فقد كان هو أيضا، وهو رئيس الوفد المغربي، يعمل داخليا من أجل الفرنسيين أكثر مما يعمل من أجل المغرب، وهي غريزة نمت وترعرعت في المقري كما سيظهر فيما بعد..

تتمة المقال تحت الإعلان

وتشهد كل مناقشات المؤتمر أن الوفد المغربي كان متمسكا بالتعليمات التي حملها من فاس، والتي كانت تتمثل في تشبثه بالمواقف التالية:

– أن يحول دون أي قرار يحد من سيادة المغرب واستقلال السلطان، أو يعطي أي عنصر لفائدة أي دولة أجنبية؛

– أن تعمل الدول الأجنبية على المساهمة في تحمل نفقات الإصلاحات التي ستستفيد منها؛

تتمة المقال تحت الإعلان

– وفي شأن الموقف العسكري، يقاوم الوفد المغربي كل توكيل للإصلاحات العسكرية لفرنسا وحدها، وأنه يتشبث بحرية السلطان في الإشراف على القيام بهذه الإصلاحات مستعينا بمدربين يختارهم بنفسه؛

– وفي شأن المسائل المالية، يصر الوفد المغربي على رفض القروض التي تزيد من رهن المغرب، وتعويضها بفرض جبايات وضرائب على كل المواد الصادرة والواردة، وفرض رسوم على المصالح الأجنبية؛

– وعلى الوفد المغربي أن لا يعترض مشروع قيام الدولة شريطة ألا يمس التنظيمات القائمة، وأن لا يحل الموظفون الأجانب محل موظفي المخزن في ممارسة اختصاصاتهم، وأن لا يقيد حرية المخزن المالية، وأن يكون بنك الدولة يحمل اسم بنك المغرب الوطني يقوم بكل الأعمال التي هي من اختصاص البنك مع امتياز إصدار سندات تحرر باللغة العربية وبلغة أجنبية وتحمل توقيع مراقب من الحكومة المغربية؛

تتمة المقال تحت الإعلان

– وفي موضوع الأسلحة، لا يعارض المغرب فرض قيود على تهريب الأسلحة للمغرب على أن تسلم الأسلحة المحجوزة للسلطان، يحتفظ بها أو يبيعها لفائدة صندوق الدولة؛

– وأخيرا، فإن الوفد المغربي غير مخول لأي حق للتوقيع على أي قرار من قرارات المؤتمر.

هذه كانت هي المواقف التي أعلن الوفد المغربي، في كل محادثاته في كواليس المؤتمر، عن تشبثه بها، وعلى ضوء هذه المواقف بدأت أعمال المؤتمر.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورقة عمل المؤتمر

    يتضح من هذه المواقف، أن ورقة أعمال المؤتمر متضمنة لأربعة مواضيع:

– أولا: موضوع تهريب وبيع الأسلحة للمغرب، وقد دامت مناقشته من 17 يناير إلى 25 يناير.

تتمة المقال تحت الإعلان

– ثانيا: موضوع الضرائب والجبايات، وقد دامت مناقشته من يوم 26
يناير إلى 19 فبراير.

– ثالثا: موضوع البنك المركزي، وقد دامت مناقشته من 20 فبراير إلى رابع مارس.

– رابعا: موضوع شرطة مراقبة الموانئ، وقد دامت مناقشته من 5 مارس إلى الثاني من شهر أبريل.
وقد كان طول الفترات التي نوقشت فيها المواضيع يرجع إلى أن المشاورات في شأن كل موضوع، كان محط استشارات على مستوى ملوك ورؤساء الدول، وقد كان السفراء يتنقلون بين العواصم على الطريقة التي كانت تجري بها مهمة الوزير الأمريكي هنري كسينجير في تطرقه لمشكلة الشرق الأوسط.

وليس من حقنا الاستغراب.. فقد برزت عدة شخصيات على هامش أعمال المؤتمر، كما سقطت حكومة فرنسا نتيجة لأعمال المؤتمر، وبرز التضامن الإسلامي داخل أعمال المؤتمر حينما جاء من القاهرة مستشار مصري، هو الصحفي علي زكي، الذي كان صلة الوصل بين الوفد المغربي وحكومة مصر وتركيا.

الموقف الفرنسي واضح

    يتميز المؤتمر بظهور ثلاث تيارات دولية:

– تيار المغرب، وتتعاطف معه الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد ما.

– تيار ألمانيا، وهو يعطف على المغرب، لكنه يجعل آفاق الحرب المهددة بين روسيا وألمانيا، والحرب المتوقعة بين ألمانيا وفرنسا فوق كل اعتبار.

– تيار فرنسا، وتؤيدها كل الدول الأخرى بما فيها روسيا.

وإذا كان موقف المغرب واضحا كما ورد في الحلقات السابقة، فإن الموقف الاستعماري الفرنسي الذي نال تعاطف أغلب الدول، وهيمن على مقررات المؤتمر، لخصه وزير الخارجية الفرنسي روفييه أمام البرلمان الفرنسي بقوله: ((إن المسألة التي ستوضع أمام المؤتمر بسيطة.. فلكل دولة حقوق في المغرب، وهذه الحقوق لا ينازعها فيها أحد(…)، ولكل دولة في المغرب منافع بموجب المعاهدات لا يجب أن تمس(…)، وأخيرا، فإن كل دولة تستطيع بوسيلة ما أن تؤمن مصالحها.. وهذه المصالح يجب أن تحترم، ولكن من واجب فرنسا أن تظهر الصفة الخاصة لحقوقها ولأهمية مصالحها الخاصة(…))).

ورغم أن الوزير الفرنسي لم يفصح عن هذه المصالح الخاصة.. فقد كانت تقفز إلى الأعين.. إنها المصالح الكامنة وراء العقول، والمعلقة بالآمال، والمخططة في مكاتب ضباط الاحتلال القابعين في الجزائر.

وقد اضطر الوزير الفرنسي إلى الإشارة إلى المصالح الخاصة وكأنه يوجه برقية إلى العسكريين في الجزائر، فقال: ((إن المركز الخاص الذي تحتله فرنسا لا ينجم فقط عن أن فرنسا دولة إسلامية في إفريقيا الشمالية(…)، وأن على فرنسا أن تحافظ على سلطتها على ستة ملايين من السكان الوطنيين (يقصد الجزائريين) يعيشون مع 70 ألف أوروبي، وأن وحدة اللغة والدين والجنس التي تربط سكان الجزائر بسكان المغرب ستجعلهم يتأثرون بكل التحريضات التي يمكن أن تزداد في المغرب، سواء لعدم وجود حكومة نظامية، أو لوجود حكومة معادية.. فلفرنسا الحق في أن تطالب بوجود حكومة مستقرة ومطاعة في كل أنحاء المغرب، وأن تتأكد من جهة أخرى أن هذه الحكومة لن تستخدم سلطتها في تهديد أراضينا وإثارة مستعمرتنا)).

وكان السطر الأول في الأوامر التي أصدرها الوزير الفرنسي للخارجية إلى مندوبه في المؤتمر، يمنعه من قبول إثارة نظام الحدود في أعمال المؤتمر.

وعندما نرى أن نظام الحدود المغربية – الجزائرية وتحديدها لم يثر ولو مرة واحدة خلال ثلاثة أشهر من المناقشات، فهمنا نوع الطبخة التي حضرتها فرنسا لمؤتمر الجزيرة.

أما دراسة ورقة عمل المؤتمر، فقد تمت على الطرق التالية:

– أولا: تهريب وبيع الأسلحة للمغرب:

لقد وضعت هذه النقطة على رأس القائمة الرباعية للمسائل المطروحة على المؤتمر، نظرا لخطورتها، ذلك أن قيام حركات ثورية في المغرب ضد الاحتلال بالدرجة الأولى، وقيام بعض المواطنين المغاربة باغتيال بعض الأجانب، جعل الأفكار الاستعمارية تتجه إلى حرمان المغرب من السلاح، وهم بذلك يلمحون أيضا إلى بعض الدول التي كانت تدعم بالسلاح حركة السلطان مولاي عبد الحفيظ وهو يزاول حربه ضد الاحتلال الفرنسي.

وكان مندوبو المغرب متفقين مبدئيا على منع بيع الأسلحة للمغرب، حتى تبقى مبادرة حل المشكل المغربي بيد السلطان لا بيد القبائل، إلا أن السلطان اشترط – بعدما عرضت عليه اقتراحات المؤتمر – أن تسلم له الأسلحة المحجوزة لا أن يتم حرقها.
ويمكن اختصار قرار المؤتمر بالإجماع في هذا الموضوع، بأنه صورة طبق الأصل لما يجري به العمل اليوم تحت اسم “الامباركو” أي حرمان المغرب من السلاح.

وهكذا اطمأنت جيوش الاحتلال إلى أنها عندما ستدخل المغرب ستجد شعبا أعزل، لا سلاح له ولا ذخيرة.

– ثانيا: موضوع الضرائب والجبايات:

نذكر أن التعليمات المعطاة للوفد المغربي كانت تقتضي دفع المؤتمر لإصدار قرارات تقبلها الأطراف الأوروبية، وتسلم بمقتضاها جبايات وضرائب للمغرب، سواء على الصادرات أو الواردات.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى