تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | 25 سنة من الحوار بين الملك والشعب

أكبر قراءة تحليلية لخطب الملك محمد السادس

إعداد: سعيد الريحاني

    ((شعبي العزيز، يخالجنا في هذه اللحظة التاريخية شعور مزيج من السعادة بالتوجه إليك في أول خطاب لنا نلقيه عليك، ومن الألم لفقد والدنا الملهم في وقت كنا في أمس الحاجة إلى المزيد من عطائه.. لقد جاهد والدنا المنعم لإسعادك منذ ريعان شبابه، باذلا أقصى الجهود ومواجها أعظم الشدائد.. فحقق لك مكاسب جليلة، وشيد للمغرب صرحا منيعا أغناه بعطاءاته ومنجزاته، ولم يختره الله إلى جواره يوم الجمعة الماضية إلا بعد ما أدى الأمانة على نحو أثار الإعجاب والتقدير والإكبار.. إنك ولا شك، شعبي العزيز، أحسست بافتخار واعتزاز وأنت تعاين وفود العالم ممثلة بالملوك والرؤساء وكبار المسؤولين يشاركوننا مشاعر الألم والحزن، ويقدمون لنا العزاء والمواساة، مما حثنا على المزيد من الصبر والاحتساب.. وإن موقفك الصادق في هذه المحنة – شعبي العزيز – ليجعلنا نقدم لك كبير التنويه، إذ أعربت عن ألمك بهدوء وانضباط، وبأحاسيس لا شك أن فقيدنا المرحوم بكرم الله تلقاها راضيا عنها في مثواه)).

بهذه الكلمات المؤثرة اختار الملك محمد السادس الذي يقود سفينة المغرب منذ ربع قرن، أن يبدأ حواره مع الشعب، وذلك في أول خطاب رسمي له بمناسبة توليه العرش سنة 1999، حيث كان الجميع يترقب الخطوط العريضة لتوجه الملك الشاب (ملك الفقراء)، وقتها لم يتردد الملك محمد السادس في إشهار اختياره السياسي، حيث قال: ((.. إن أسس سياستنا الداخلية، بارزة المعالم، واضحة السمات، وإن المطلوب هو ترسيخها ودعمها، لذا فنحن متشبثون أعظم ما يكون التشبث بنظام الملكية الدستورية، والتعددية الحزبية، والليبرالية الاقتصادية، وسياسة الجهوية واللامركزية، وإقامة دولة الحق والقانون، وصيانة حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية، وصون الأمن، وترسيخ الاستقرار للجميع.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالنسبة للمؤسسات الدستورية، فإننا سنقوم بدور الموجه المرشد والناصح الأمين، والحكم الذي يعلو فوق كل انتماء.. إن جميع المغاربة بالنسبة إلينا إخوة من رحم واحدة، وأبناء بررة متساوون، تشدهم إلينا روابط التعلق والولاء)).

وقد مرت اليوم 25 سنة على تولي الملك محمد السادس عرش أسلافه، بل إن المناسبة هي مناسبة “اليوبيل الفضي”، ويبدو غريبا هذا الإهمال الإعلامي والمؤسسات لحدث كبير على المستوى الوطني، فنجاح الملك في قيادة البلاد لمدة 25 سنة وسط عالم متغير، حدث يستحق التنويه والوقوف عنده(..)، وحده مسؤول واحد هو الدكتور المؤرخ عبد الله بوصوف اختار الوقوف عند المناسبة بإصدار كتاب خاص تنفرد “الأسبوع” بنشر مقتطفات منه، تحت عنوان: “الخطب الملكية بين رهانات القيادة وتحديات الإصلاح”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وإذا كان الخطاب الأول للملك محمد السادس قد ركز على الاختيارات الكبرى (كما ورد في الكتاب)، فإن خطابه بتاريخ 12 أكتوبر 1999، جاء ليتحدث عن مفهوم جديد للسلطة، حيث يقول عبد الله بوصوف: ((إن خطاب 12 أكتوبر 1999 تكمن أهميته في مضمونه الخاص بالمفهوم الجديد للسلطة.. إنه يستحق لقب خطاب تاريخي بامتياز، لأنه جاء في وقت كثر فيه الحديث عن العراقيل الإدارية في وجه الإقلاع الاقتصادي والاستثمارات والقطاع الخاص، كما أنه خطاب تاريخي لأن توقيته كان في الموعد للإجابة عن بعض الملفات الحارقة، وخاصة تلك المتعلقة بالمواطن وعلاقته بالسلطة، وهو ما وضحه الخطاب بلغة سهلة لا تحتاج كثيرا من التفسير))، وقدم بوصوف نموذجا لهذا الكلام الواضح من خلال إدراجه للفقرة التالية من الخطاب الملكي: ((إن مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون، في ضوء الاختيارات التي نسير على هديها من ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية اقتصادية وواجبات اجتماعية بما كرسه الدستور وبلورته الممارسة..)).

إن الخوض في مضامين الخطب الملكية بالتزامن مع الذكرى 25 لتربع الملك محمد السادس على العرش، تمليه عدة معطيات، فسرها المؤلف بمقال صدر بالمناسبة بعيدا عن الكتاب حيث قال: ((لقد عبر ملك البلاد في أكثر من مناسبة أننا لا ننتظر شهادات حسن السيرة والسلوك من الآخرين.. لذلك لا يجب أن نتوقف عن التوثيق وخلق تراكمات خاصة بكل المراحل حتى لا نجعل الأجيال القادمة أمام سرديات وحيدة كتبت عن المغرب بأقلام غير مغربية، كما أنه من حق تلك الأجيال التعرف عن قادتها وملوكها الذين ساهموا بكل قوة في خلق ذلك التراث الحضاري والتراكم التاريخي والإنساني، وفي ذلك تقوية للانتماء للوطن وترسيخ قيم الفخر والولاء و”أن هنا نحيا”)).. هكذا تحدث عبد الله بوصوف، المواطن المغربي الذي لازال يحافظ على عاداته القديمة بالجبل في الريف كما هو معروف عنه..

وقد قال بوصوف بالمناسبة في مقال تحت عنوان: “الملك محمد السادس.. عبقرية وبصيرة وقدوة للأجيال”: ((إنه واجب على كل ذي قلم حي وضمير يقظ، القيام بتأملات متأنية وبلغة مفهومة خالية من شوائب الاحتمال والشك وهي تقوم بدراسة زوايا السياسات الخارجية المغربية في عهد مهندسها الملك محمد السادس..)).

تتمة المقال تحت الإعلان

نفس الكاتب يشرح: ((لقد تغيرت – وبدون شك – صورة المغرب بالخارج في العقدين الأخيرين: أولا على مستوى العمق الإفريقي، وهنا نستحضر بقوة خطاب العودة بأديس أبابا في يناير 2017، عندما عاد الملك ومعه المغاربة إلى البيت الإفريقي.. وهي عودة القوي والمهاب الجانب والابن البار الذي عاد بمشاريع وبرامج استراتيجية تحت اسم “رابح-رابح”، وحمل معه آمال السلام والتنمية لكل شعوب إفريقيا، ولم يحمل معه أرقام المدافع وميزانيات التسليح.. بل فقط مشاريع ضخمة في مجالات البناء والفلاحة والأبناك، وخلق المرصد الإفريقي للهجرة بالرباط، وبناء المساجد وتكوين الأئمة الأفارقة بالمغرب… ولأن دموعه يوم خطاب العودة كانت صادقة، فقد عاد سنة 2023 بمشاريع استراتيجية قوية ومنها خلق إطار دولي لدول الجهة الأطلسية لإفريقيا وأيضا تخصيص منفذ بحري على المحيط الأطلسي لدول إفريقيا الساحل.. وأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب… كل هذه المشاريع تحمل في مضمونها التنمية الاجتماعية والاقتصادية والأمن والسلام لشعوب إفريقيا التي أنهكتها الصراعات الداخلية والحروب والهجرة وندرة الماء والتصحر والفقر والأوبئة، وغيرها، فالمتتبع لهذه السياسات، سيقف على وجود تصور مسبق وبرنامج مسطر منذ مدة طويلة وببصيرة عميقة، وأن الأمر لا يتعلق بحسابات سياسية ضعيفة أو ردا على هذا الفاعل الإقليمي أو ذاك..

عبد الله بوصوف

وثانيا على المستوى دول الغرب، مع تحديد اتجاه البوصلة نحو مغربية الصحراء وتحديد موقفها بشكل غير قابل للتحوير أو التمطيط… وهكذا فإن اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على صحرائه لم تكن ضربة حظ، بل إن العلاقات والمصالح والخرائط والسفراء بين البلدين تعود لقرون، ويكفي القول أن المغرب كان أول من اعترف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الولادة الجديدة للعلاقات المغربية الإسبانية بعد زوبعة بن بطوش زعيم شرذمة البوليساريو، كان لها طابع آخر باعتبارها الدولة المستعمِرة السابقة للأقاليم الصحراوية المغربية، وهذا يعني أنها تحتفظ بتاريخ وخرائط وأسماء شيوخ قبائل المنطقة، أضف إلى ذلك أنها تستضيف العديد من الجمعيات الانفصالية، واعترافها بمغربية الصحراء هو “الرصاصة القاتلة” لأطروحة زعماء الانفصال، سواء بتندوف أو العاصمة الجزائر أو بإسبانيا.. وهنا أيضا نعود للوقوف على عبقرية مهندس السياسات الخارجية المغربية، الملك محمد السادس، وتوقيع العديد من الاتفاقيات مع إسبانيا، وخاصة المتعلقة بالمشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنية التحتية، إذ كان الهدف هو خلق مناخ صحي مشترك للتعاون، وخلق شراكات استراتيجية مهمة هدفها التنمية والأمن والسلام، فيما تتكلف لجان ثنائية بدراسة المشاكل العالقة..

وفي  4 من شهر أكتوبر 2023، سيبشر جلالة الملك محمد السادس الشعب المغربي بتحقيق حلمه القديم والكبير، وهو تنظيم مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال لكأس العالم لكرة القدم 2030، وهنا نستحضر من جديد التاريخ المشترك الكبير لكل من المملكة الشريفة وإسبانيا والبرتغال، وكل تلك الأحداث الأليمة التي عرفتها المنطقة من حروب وصراعات وهجومات واستعمار ومقاومة.. بمعنى آخر، أن البلدان الثلاثة جربت طيلة قرون وصفة الحرب والاستعمار والقرصنة أو الجهاد البحري، وعرفت تطور الأندلس ثم طرد سكانها المسلمين واليهود ومحاكم التفتيش.. وتكفي ذكرى معركة الملوك الثلاثة وتداعياتها السياسية والاقتصادية التي عرفتها المنطقة ككل، وهذا التاريخ المشترك سيكون أحد مفاتيح تنظيم أحسن نسخة لمونديال كرة القدم)) (نفس المصدر).

تتمة المقال تحت الإعلان

يذكر أن عبد الله بوصوف الذي يكتب أكثر مما يتكلم ما أهله للتربع على عرش الكتابة التاريخية من منظور وطني للمؤسسات(..)، قد استعرض في كتابه الأخير، جميع الخطب الملكية طيلة 25 سنة من حكم الملك محمد السادس، موزعا قراءتها في عدة أبواب تتراوح بين عدة عناوين منها ((خطب ورش الإصلاح الدستوري، وخطب التعاقد الدستوري الجديد، وخطاب المفهوم الجديد للإدارة، وخطاب المكاشفة، وخطاب المنظور الموضوعي والواقعي الجديد لملف الصحراء، وخطاب الثورة الملهمة لإفريقيا، وخطاب اليد الممدودة للجزائر، والخصوصية الدينية للخطب الملكية، والثورات الهادئة في العهد الجديد)) (المصدر: كتاب “الخطب الملكية بين رهانات القيادة وتحديات الإصلاح”).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى