تحقيقات أسبوعية

للنقاش | التحركات في الأمم المتحدة تفضح أزمة صامتة بين السعودية والإمارات

أعادت وثيقة رسمية نشرها موقع الأمم المتحدة يوم 28 مارس 2024، تتعلق بالشكوى التي قدمتها وزارة الخارجية السعودية ضد الإمارات العربية المتحدة بخصوص الخلاف التاريخي حول منطقة “الياسات” المتنازع عليها، (أعادت) إلى الواجهة الأزمة الصامتة بين البلدين منذ عدة سنوات، وذلك بعد أن قامت الخارجية الإماراتية ببعث رسالة إلى الأمم المتحدة ذكرت فيها أن الياسات تقع في البحر الإقليمي للإمارات، وحسب الوثيقة، فقد أعلنت المملكة السعودية عن رفضها للمرسوم الأميري الإماراتي الصادر سنة 2019، والقاضي بتصنيف الياسات منطقة بحرية محمية.

بقلم: جميلة حلبي

    تعيش الأوساط السياسية في البلدين الخليجيين الكبيرين، السعودية والإمارات، على وقع نزاع بين الدولتين يكاد في كل مرة أن يفجر الأوضاع، حول منطقة الياسات البحرية، وهي محمية بحرية تحتوي على بيئة طبيعية فريدة من نوعها تقع بالقرب من المياه الإقليمية للسعودية وللإمارات، حيث تعود أصول الخلاف إلى النزاعات الإقليمية التي سبقت استقلال دولة الإمارات.

ففي سنة 1974، وبالضبط بتاريخ 21 غشت، ومن أجل جعل حد لطول الصراع حول الحدود بين البلدين، وقعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في مدينة جدة، اتفاقية سميت “اتفاقية جدة 74″، من قبل الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، إلا أن النزاع حول بعض المناطق لم تتم تسويته، بسبب ما قالت الإمارات أنها “التناقضات بين الاتفاق الشفوي قبل توقيع المعاهدة والنص النهائي للمعاهدة”، وأنها “لم تلاحظ هذا التناقض إلا سنة 1975 نتيجة غياب المحامين والفنيين والجغرافيين في فريق التفاوض الخاص بها”، لذلك حاولت الإمارات عدة مرات إعادة السعودية إلى طاولة المفاوضات..

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب بعض الأخبار المتداولة، فإنه لم يتم الكشف عن بنود معاهدة جدة 1974 علنا حتى سنة 1995، عندما تم إيداعها لدى الأمم المتحدة، ومع ذلك، لم تصادق الإمارات على الاتفاقية، وقد بقيت عدة مناطق نقط خلاف بين السعودية والإمارات وهما الدولتان القويتان بفعل موقعهما في مجلس التعاون الخليجي، وفي منظمة “الأوبيك” كأكثر البلدان إنتاجا للبترول، ورغم تعاونهما المتواصل في عدة مجالات، أبرزها في سنة 2015 خلال عملية “عاصفة الحزم” ضد الحوثيين الموالين لإيران، إلا أن منطقة الياسات ظلت ولا تزال نقطة الخلاف بين البلدين، وصلت إلى ردهات الأمم المتحدة بعد توالي الرسائل والشكاوى إلى المنظمة الأممية، حيث بعث الممثل الإماراتي الدائم لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة، برسالة مؤرخة بـ 22 ماي 2024، تؤكد أن “محمية الياسات البحرية هي منطقة إماراتية خالصة”، وأن “الإمارات لا تعترف للسعودية بأي مناطق بحرية أو حقوق سيادية أو ولاية بعد خط الوسط الفاصل بين البحر الإقليمي لدولة الإمارات والبحر الإقليمي للسعودية المقابل لمحافظة العُدَيد”، وذلك ردا على رسالة أرسلتها السعودية في 16 من نفس الشهر، إلى الأمم المتحدة أيضا بنفس الخصوص.

وقد تم إحياء هذا النزاع منذ سنة 2005، عندما أعلن رئيس دولة الإمارات الراحل، خليفة بن زايد آل نهيان، أن منطقة الياسات هي محمية إماراتية، وفي سنة 2006، أصدرت الإمارات خرائط جديدة تظهر “أراضي سعودية على أنها جزء من الإمارات”، كما كادت العلاقات أن تصل إلى القطيعة بسبب حادثة إطلاق زورقين إماراتيين النار على زورق تابع لحرس الحدود السعودي سنة 2009، واستمر الخلاف الصامت إلى سنة 2019، حينما اتخذت الإمارات خطوة تصعيدية وأصدرت مرسوما أميريا يقضي بتصنيف الياسات منطقة بحرية محمية، لتعلن السعودية في مارس 2024، عن رفضها لإعلان الإمارات بأن الياسات محمية بحرية تابعة لها.

وعلى الجانب المقابل، فإن العلاقة الاقتصادية بين السعودية والإمارات تعد الأكبر بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تبقى الإمارات من أهم الشركاء التجاريين للمملكة السعودية على صعيد الدول العربية، وتتصدر قائمة الدول الخليجية المصدرة إلى السعودية، كما تأتي في مقدمة الدول الخليجية التي تستقبل الصادرات السعودية، وتحتل مرتبة متقدمة في قائمة الدول العشر الأولى التي تستورد منها السعودية، كما تتجاوز استثمارات المملكة السعودية في الإمارات 35 مليار درهم، حيث توجد في الإمارات نحو 2366 شركة سعودية مسجلة لدى وزارة الاقتصاد و66 وكالة تجارية، ويبلغ عدد المشاريع السعودية في الإمارات ما يفوق الـ 200 مشروع، بينما يصل عدد المشاريع الإماراتية في السعودية إلى 114 مشروعا صناعيا وخدماتيا..

تتمة المقال تحت الإعلان

هذه المعطيات وإن كانت تبدو إيجابية في التعامل بين البلدين، إلا أن قطاع البترول يبقى أيضا عائقا أمام تحقيق وفاق شامل بين الجارين، وخاصة على مستوى تمركزهما في منظمة “أوبيك+”، حيث تتنافس الدولتان على السيادة والإنتاج اليومي من الذهب الأسود، فالمنافسة تختلف بين البلدين إذ أن “السعودية تزيد من ضغطها على دول المجموعة من أجل الزيادة في كمية الإنتاج، بينما تسعى الإمارات إلى تأمين أهدافها الربحية في السوق”، وفق تقارير في الموضوع.

ومن جهة أخرى، فقد كرس التنافس الاقتصادي الحاد بين السعودية والإمارات الخلاف بين الدولتين، ومن ذلك أن الإمارات انسحبت في سنة 2009 من مشروع مجلس التعاون الخليجي القاضي بتشكيل “اتحاد نقدي” واعتماد عملة موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بسبب اعتراضها على اختيار الرياض مقرا لـ”المصرف المركزي” الذي تم اقتراحه، بدلا من العاصمة أبو ظبي، وبقيت الأزمة بينهما صامتة بفعل اختلاف وجهات نظرهما وتعاطيهما مع الصراعات الإقليمية، إذ سرعان ما تعود الخلافات لتطفو على السطح بين البلدين.. فبعد حصول تفاهم وتقارب سياسي عسكري عندما تم إطلاق “عاصفة الحزم” سنة 2015 من طرف السعودية وكانت الإمارات ممثلة بأكبر عدد من الجنود(..)، وعندما تم اتهام قطر بـ”دعم المجموعات الإسلامية في المنطقة، ومن ضمنها جماعة الإخوان المسلمين”، ما أسفر عن حدوث قطيعة دبلوماسية بين قطر وكل من السعودية والإمارات ومصر والبحرين، ومع استمرار قصف مراكز جماعة الحوثي، ودفاعا عن شرعية الحكم في اليمن بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي.. لاح في الأفق من جديد الخلاف بين البلدين، سنة 2018، حيث ذكرت مصادر إعلامية أن سبب الخلاف هذه المرة يرجع لكون “الإمارات أخذت في هذه الفترة تمول شبكة من الميليشيات المحلية الوكيلة أنشأتها بنفسها، وتعارضت أهدافها مع أهداف حكومة هادي، إذ كان أحد مصادر الخلاف الرئيسية بين الرياض وأبو ظبي، هو تشكيلة حكومة عبد ربه منصور هادي، التي ضمت أعضاء من حزب التجمع اليمني للإصلاح، وهو مجموعة إسلامية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإخوان المسلمين.. ففيما بدت السعودية مستعدة للتعاون مع الإخوان المسلمين في اليمن، كانت الإمارات معارضة بشدة للجماعة”.

كما تفاقم الوضع بين البلدين عندما أعلنت الإمارات، في يوليوز 2019، أنها باشرت عملية إعادة نشر استراتيجية لقواتها في اليمن، خفضت من خلالها عديد القوات مقابل الزيادة في الدعم المالي لوكلائها اليمنيين الذين ينشط معظمهم في جنوب البلاد، وقد ساند الإماراتيون بوجه خاص المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو منظمة انفصالية تتمتع بنفوذ كبير في جنوب اليمن، وفق تقارير إعلامية.

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا إضافة إلى التنافس الاقتصادي المستمر بين البلدين، والذي أدى إلى الوصول حد الأزمة في هذا الإطار، فبعد عديد الاستثمارات الأجنبية في الإمارات حتى أصبحت الدولة قطبا ومقرا لعدة شركات، شرعت السعودية في التحول والتنويع الاقتصاديين من خلال مشروع “رؤية السعودية 2030″، الذي أطلقه ولي العهد محمد بن سلمان، للارتقاء بالسعودية إلى مصاف الدول الجاذبة للاستثمارات الأجنبية، مما جعل العلاقات بين البلدين تتوتر في بعض المحطات، منها عدم حضور محمد بن زايد قمة الصين والدول العربية التي عقدت في الرياض شهر دجنبر 2022، والقمة العربية في جدة في ماي 2023، وكذلك في غياب محمد بن سلمان عن قمة القادة العرب في أبو ظبي شهر يناير 2023.

وهكذا أصبح الخلاف بين أكبر بلدين من حيث عدد السكان وأكبر اقتصادين في مجلس التعاون الخليجي، مدعاة للقلق بشأن مستقبل المنطقة، حيث لا تعترف السعودية بتبعية منطقة الياسات للإمارات وتعدها منطقة سيادة مشتركة في الوقت الذي تتشبث فيه الإمارات بالمنطقة، كما أن هناك خلافا حدوديا بين البلدين منذ سنوات طويلة، ويعتبره مراقبون وخبراء، المشكل الحاضر ‏الغائب، إذ تطفو الأزمة للعلن بين الحين والآخر، خصوصا وأنه ‏يتعلق بالثروة النفطية الموجودة في المنطقة، حيث يعود أصل الخلاف إلى واحة “البريمي” الحدودية، التي كانت ‏مقسمة بين عمان وأبو ظبي خلال فترة الاحتلال البريطاني للمنطقة، في حين تطالب ‏السعودية بالمنطقة، كما أنها ‏استحوذت – بموجب اتفاقيات ترسيم الحدود – على ساحل يبلغ طوله 50 كيلومترا ‏يفصل بين قطر والإمارات، بالإضافة لجزيرة الحويصات وحقل ‏‏”شيبة” الذي يمتد جزء منه إلى داخل الإمارات، مقابل التنازل عن ‏الجزء الذي تطالب به من واحة “البريمي”، لذلك أشارت شكوى السعودية إلى الأمم المتحدة، إلى أنها “لا تعترف بأي إجراءات أو ممارسات يتم اتخاذها، أو ما يترتب عليها من حكومة الإمارات في المنطقة قبالة الساحل السعودي، بما في ذلك البحر الإقليمي للمملكة ومنطقة السيادة المشتركة في جزيرة مكاسب”.

وقد تحدثت تقارير عن تصاعد حدة الخلاف بين البلدين مؤخرا، بسبب وجود نزاع شخصي حاد بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، ما يطرح التساؤل حول مستقبل المنطقة في ظل الخلافات المتكررة بين السعودية والإمارات؟ وهل لهذه الخلافات تأثير على علاقاتهما بباقي الدول العربية ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى