تحت الأضواء | شهادة المفكر المغربي الذي حضر تشييع جنازة خامنئي
إدريس هاني: فلسطين هي روح الاتفاق مع إيران
الرباط – الأسبوع
خلال الأسبوع الأول من الشهر الجاري، انطلقت مراسيم وداع وتشييع جثامين كل من المرشد الإيراني علي خامنئي وثلة من أفراد عائلته الذين قضوا تحت القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران، وقد حضرت وفود رسمية من رؤساء دول وأعضاء برلمانات وعلماء ومثقفين من كل أنحاء العالم، حيث قدرت الإحصائيات الرسمية عدد الجماهير التي شيعت قائد الجمهورية الإسلامية بما يقارب 43 مليون شخص.
وكان لافتا أن المغرب أيضا كان حاضرا من خلال الكاتب والمفكر إدريس هاني، الذي واكب تفاصيل المراسيم، حيث شارك في مراسيم التحية، وأيضا مسيرة التشييع بطهران والجلسات المرافقة لها، وقد تضمنت مراسيم التحية آيات من القرآن ووصلة موسيقية عسكرية، وبينما تناقل البعض بأن المراسيم تضمنت آيات خاصة بكل وفد على حدة، كذب هاني، الذي يلقب بساموراي الفكر العربي، هذا الادعاء، باعتباره يتناقض مع اللياقة تجاه ضيوف الجمهورية؛ فلقد كانت هناك باقة من الآيات تلقائية الترتيب، ولكنها تعبر عن محتوى الجنازة، كالجهاد، والشهادة وما شابه ذلك.. وقد حضر هاني مراسيم التشييع في إطار وفد علماء متعدد الجنسيات.
ويرى إدريس هاني أن التشييع كان بمثابة تظاهرة مهيبة، وبأن وفودا من أقطار عربية وعالمية حضروا مراسيم الوداع، ومنهم وفود من المملكة العربية السعودية والكويت وعمان وقطر ومصر والعراق واليمن والأردن ولبنان وتونس، بالإضافة إلى وفود من إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا..
ويقول هاني أن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية خاض معركة “ريملاند” (حافة العالم) حسب مفهوم نيكولاس سبيكمان، وبأن مسيرة تشييع الجنازة أظهرت مدى لحمة الشعب الإيراني ومتانة نسيجه الاجتماعي، وقد كانت تلك واحدة من الرسائل التي تضمنتها مراسيم التشييع، كما يرى الباحث المغربي بأن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران خاض حربا رمزية موازية، حيث تم استدراج طيران خصوم الجمهورية لتحقيق رغبة قائد الثورة في الشهادة التي أعادت توحيد المجتمع الإيراني وحركت وجدان الشعب.
فالمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، حسب إدريس هاني، أعاد إحياء مفهوم “لاهوت التحرير” بصيغته الإيرانية، واستطاع أن يجعل من شهادته حدثا عالميا. إن ما جرى هو حرب عالمية على حافة العالم، جعلت إيران تتحول من محور جيوسياسي حسب التصنيف الذي ذهب إليه بريجنسكي قبل سنوات، إلى لاعب جيوستراتيجي، مما أدى إلى قلب الصورة تماما، وهو ما شكل منعطفا إقليميا ودوليا، يقول إدريس هاني، الذي يعتبر خبيرا أول في الشأن الإيراني وشؤون الشرق الأوسط منذ عقود، داعيا إلى نبذ التوتر وهيمنة الصورة النمطية في العلاقات الدبلوماسية، كما أن رأيه لم يتغير بهذا الخصوص ولم يخضع لتقلبات الأحوال والمصالح، نظرا لوضوحه وشفافيته، وهو العربي الوحيد الذي كتب قبل سنوات أهم كتاب عن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، تحت عنوان: “الاجتهاد الممانع”، حيث حلل مساره ومشروعه الفكري والسياسي والاجتماعي، كما التقى به ضمن وفود ومؤتمرين في مناسبات عديدة، وألقى محاضرات في العديد من المعاهد الإيرانية وجامعاتها منذ سنوات.
ويرى نفس الباحث المغربي أن الاتفاق الإطار الذي تم قبل أسابيع، كان هشا، وانتهاكه كان متوقعا، ولكنه يدخل في تجريب المجرب، لذلك يرى هاني أن من يقول أن غزة غير مشمولة في أي بند من البنود 14 من الاتفاق، يجهل جوهر الاتفاق الإطار، لأن غزة تشكل روح الاتفاق كله، باعتبار أن المعركة جاءت في سياق حرب الإسناد.
وكان هاني قد حضر جلسة المؤتمر الذي شكل مهرجانا خطابيا حضرته قوى عربية وعالمية، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية مثل “حماس” و”الجهاد” و”الجبهة الشعبية”، و”حزب الله” وحركة “أمل”، وقوى وتنظيمات من العراق وقوى وحركات وفاعلين من روسيا وإسبانيا وبريطانيا وأمريكا… إلخ، وهي الجلسة التي افتتحت بخطاب الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان.
وحضر الباحث المغربي أيضا مسيرة تشييع الجنازة في طهران، وألقى كلمة في ساحة فلسطين إلى جانب شخصيات وفاعلين من أوروبا وباكستان وتركيا… وقد شكل برنامج التشييع بعد طهران تشييعا بقم ثم بالعراق (كربلاء والنجف)، لتنتقل الجثة إلى مدينة مشهد الإيرانية حيث تقرر دفن المرشد الأعلى في ضريح الإمام الرضا.
إن الاتفاق الأخير رغم هشاشته، ليس له بديل سوى طي صفحة الحرب والذهاب إلى حل سياسي بعيدا عن سياسة الإرغام، لأن إيران – حسب الباحث هاني – لن تتراجع عن مواصلة الصمود في معركة مفتوحة وهي تعيش حالة غضب عارم؛ فالحرب باتت عاجزة عن تحقيق أهداف سياسية عبر تغيير قواعد الاشتباك، وأن ما حدث يتجاهل أطروحة “لا جدوى للقوة” للجنرال روبرت سميث، الذي خرج بخلاصة عن حرب الخليج الثانية، بأن الحرب الكلاسيكية باتت عاجزة عن تحقيق أهداف سياسية.
ويرى إدريس هاني أن الشعب الإيراني تفنن في مراسيم تشييع الجنازة، وحولها إلى حدث تاريخي، وأن مسيرات تشييع الجنازة أعادت إلى الوجدان الإيراني يوميات ثورة 1979، ويضيف نفس المفكر أن الغرب جرب الحرب على إيران أكثر من 47 عاما عبثا، ولم يجرب أن يخوض مفاوضات حقيقية ومسؤولة، فهو ضحية منظور هيغلي، كوجيفي، ستراوسي، فوكويامي.. لمفهوم الاعتراف في جدلية الحرب بين السيد والعبد.
وتفقد إدريس هاني رفقة بعض الوفود مواقع القصف التي تعرضت لها بعض المراكز العلمية والمؤسسات في مناطق مختلفة..
ويعتبر إدريس هاني من أكثر الدعاة إلى كسر الحواجز الدبلوماسية وتجاوز التعقيد في تدبير العلاقة مع إيران، ويرى أن لا بديل عن علاقات عربية-إيرانية متينة وواضحة، مبنية على احترام الجوار والمصالح الإقليمية، ويقول أن أفضل نموذج يمكن اتباعه في الحد الأدنى، هو نموذج العلاقة الإيرانية-التركية، والتي عبر عنها أوغلو في “العمق الاستراتيجي” بـ”الاحتواء المتبادل”، ويرى هاني بأن العلاقة بين العرب وإيران تعاني من الجمود والنمطية، وهي مرتهنة لأوهام أفرزتها حقبة الثمانينات، ويعتقد بضرورة وجود فطام سياسي لتجنيب المنطقة حربا شاملة، حتما ستشكل خطرا على سائر الإقليم، لأن هذه الحرب كانت متوقعة وإن خفيت سيناريوهاتها، وهي ناتجة عن الجمود في تدبير مفهوم السلم والحرب معا، فالمنطقة مرتهنة لباراديغم كلاسيكي أصبح عائقا ضد الاختيارات الواقعية في تدبير العلاقات الإقليمية.



