المنبر الحر

المنبر الحر | اللغو على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي

بقلم: عثمان محمود

 

    اللغو هو ما لا يعتد به من كلام وغيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع، وبما أنه مجرد سقط متاع كما يقال، فإن الله سبحانه وتعالى أثنى على المؤمنين المعرضين عنه، وغير المقبلين عليه بقوله عز وجل: ((والذين هم عن اللغو معرضون))، ثم قوله تعالى: ((وإذا مروا باللغو مروا كراما))، بيد أن الهواتف الذكية – للأسف البالغ – جعلت صفحات ما بات يصطلح عليه بوسائل التواصل الاجتماعي، مرتعا خصبا ومكانا مريحا للغو يقضي فيه الناس على اختلاف أعمارهم ذكورا وإناثا الساعات ذوات العدد ليلا ونهارا، فيقبلون عليه فرادى، ويتناقلونه فيما بينهم جماعات، فيسري حينها الخبر صادقا أو كاذبا فيهم سريان النيران المستعرة في اليابس من الجذوع والأغصان والفروع، فيفعل فعله المقيت، بحيث يشغل الاهتمامات عن مباشرة الجاد من الأعمال والسلوكيات، ويشوش على الآراء والقناعات.. فلا غرابة أن يصير هذا السيل من الأخبار المكتوبة والمنطوقة والمصورة المرجع الوحيد لدى فئة عريضة من أبناء المجتمع لأخذ الأخبار والمعلومات، وفي الغالب الأعم لا يخضع تلقيها من كل حدب وصوب لأدنى تمحيص أو تثبت، فيكفي أنها خضعت للتداول بين جموع المتواصلين والمتواصلات فيما بينهم لتكون لها صبغة المصداقية، أما عمرها الافتراضي فهو قصير جدا، لأن هاتيك الأخبار المصورة والمكتوبة على حد سواء، كثيرة ومتنوعة المنابع والمصادر، فكل شيء على تفاهته وسطحيته صار قابلا للتصوير والنقل المباشر والتوزيع والتعليق العجول في اللحظة والحين، مما يبرهن البرهنة القاطعة على الدور الفعلي لتلك الأخبار العابرة، والأحداث الطارئة، في حياة المستقبلين لها على الرحب والسعة، حيث باتت الأصابع لا تكل ولا تمل من تحريك أشرطة طويلة من الصور والألفاظ والعبارات على شاشات الهواتف في أي مكان وأي زمان، فالماشي يتابع خطواته في إصرار وعيناه على هاتفه، والجالس في مقهى أو قاعة انتظار أو على كرسي وسيلة نقل عمومية، هادئ صامت يستعرض ما وصله من أخبار وما سيصله، ولكل نصيبها من اشتغاله واهتمامه، ولا ضير في توزيعها بشكل عاجل وعادل بين أصدقائه، على كثرتهم، في الحال.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي ظل هذا الركون الثابت لهذا اللغو المستشري، قلت حركة المقبلين والمقبلات عليه إقبال محبة وود دون أدنى تفكير مسؤول في عواقب ذلك السكون على العضلات والمفاصل في الحاضر والمستقبل، كما غاب البحث الجدي عن الخبر والمعلومة في مضانها الموثوقة، وقلّ – إن لم نقل انعدم – التحليل العميق لفحوى وخلفية ما يتم تداوله من أخبار ووقائع، أضف إلى ما سبق أن سقط المتاع ذاك قد وحد بين المستويات المعرفية لدى أولئك المتواصلين والمتواصلات، فالكثير من الفيديوهات تجد لها مكانا على شاشات هواتف المتواصلين والمتواصلات على مختلف مشاربهم وتوجهاتهم، وهذا لا شك يسهم في تشكيل وجهات النظر بطريقة أقرب ما تكون إلى عملية النسخ الآلي، أو ما يعرف بعقلية القطيع.

فهل من سبيل لصرف هذه الجموع الغفيرة عن الإدمان المرضي على اللغو الذي هيأت له صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الظروف المناسبة استقبالا وتوزيعا، إلى ما يعتد به من كلام نافع، وصور ذات رسائل اجتماعية وتربوية وتثقيفية، أم أن الرداءة والسخافة والسطحية والعبثية قد وجدت لها مجتمعة، موطئ قدم ثابت في حياة هذه الفئة العريضة من المتواصلين والمتواصلات ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى