الرأي | منتخبون بلا شهادات ولا تكوين..


هل يُمكن لشخص ما أن يعمل في مجال من مجالات الحياة العامة بدون تكوين؟ بدون دراسة أو شهادة؟ بدون تكوين معترف به في مجال عمله؟ هل يمكن للمدرس أن يدرّس بدون ديبلوم يُثبت حصوله على قدر مُعيّن من المعرفة في المجال التربوي والتدريسي؟ هل يمكن لشخص يدعي مهنة التمريض أن يعمل في مستشفى أو مصحة بدون شهادة تمريض وتكوينات مختلفة؟ وقس على ذلك في كل المهن والحرف. نعم، لا يمكن للمرء أن يعمل في قطاع ما بلا دراية في ذلك القطاع، فما بالك بالمجال السياسي، وخصوصا منه مجال تدبير المنتخب للشأن العام؛ فهو المجال الوحيد الذي يستثنى من هذه القاعدة؟ كيف يعقل أن تسمح الدولة لبشر لا يتوفرون على أبسط شهادة (لا أقصد شهادة الدروس الابتدائية) أو تكوين أو معارف بالترشح في الانتخابات البرلمانية والجماعية، ليصبحوا مسؤولين يقررون في مصائر الناس؟ فالجماعات الترابية والبلاد بشكل أشمل تسير بترسانة من القوانين والنظم التي ليس من السهل الاطلاع عليها، قراءتها، استيعابها وتدبيرها وتطبيقها في الحياة الفعلية واليومية للمواطن، ومع ذلك تسمح الحكومة بالترشح لأناس ليست لهم أي معارف أو تكوين في مجال تدبير الشأن العام.
هذه واحدة من الكوارث التي تسببت في فساد مجال التمثيلية في المؤسسات المنتخبة وكرست التخلف والعشوائية في بلادنا؛ فالبرلمان والجماعات الترابية هي مؤسسات على قدر لا بأس به من التنظيم والتعقيد، فهي تقترح، تدرس، تعالج وتصادق على عدد كبير من القرارات الهامة وعلى رأسها القرارات المالية والتدبيرية المتعلقة بالمواطن، والجماعات الترابية تقرر في مصير ميزانيات ضخمة، ومع ذلك لا يتوفر عدد كبير جدا من منتخبي البرلمان والجماعات الترابية على شهادات هامة أو تكوين في المجال السياسي أو المالي أو التمثيلي أو الحزبي أو الجمعوي… إلخ (من الزنقة إلى التمثيلية)، فكيف يعقل لبشر من هذا النوع أن يتحملوا مسؤولية خطيرة كتدبير الشأن العام والمصادقة على المشاريع والاتفاقيات والقرارات وصرف الميزانيات، خصوصا مع ما نعرفه، مثلا، من طرق تدبير اجتماعات الدورات بالمجالس الجماعية المحلية، الإقليمية والجهوية، حيث أن أغلب المنتخبين لا يعرفون ماذا يناقشون، ينتظرون على أحر من الجمر نهاية الدورة ولا يفعلون شيئا آخر غير رفع أيديهم للتصويت لصالح أغلبية هذا الشخص أو ذاك.
ما السّر في كون المجال التمثيلي في بلادنا ظل على هذه الثغرة الكبيرة والخطيرة في المؤسسات المنتخبة لعدة عقود ؟
لا بد من استدراك هذا النقص الفادح بتشريع إجبارية حصول المترشح للانتخابات على مستوى لا بأس به من التكوين المعترف به، والكفايات واللغات من أجل دخول غمار الانتخابات، سواء البرلمانية أو الجماعية، كما لا بد من قطع الطريق على الأميين والانتهازيين والوصوليين والفراقشية، وإلا سنعمل فقط على تكريس وضعية فساد ينخر البلاد داخل المؤسسات المنتخبة، سواء في البرلمان أو الجماعات الترابية.. فهل من آذان صاغية ؟



