الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | حقوق السلطان و”شروط الخزيرات”

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 84"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    بقي من المألوف عند المغاربة كلما أرادوا انتقاد أي اتفاق مكتوب أو غير مكتوب بين شخصين، أو استكثروا شروط طرف لآخر، أن يعلل أحدهم للآخر رفضه بأنه يتضمن “شروط الخزيرات”، والمغاربة بذلك إنما بقوا يرددون ما كان الرأي العام الوطني أيام مفاوضات عقد الجزيرة يعتبره منتهي التعقيد والصعوبة، حتى أصبح يضرب به المثل حتى بعد مرور ثمانين عاما عليه.

ذلك أن مؤتمر الجزيرة كان يستهدف إمضاء “عقد الجزيرة”، والإمضاء مقترن بقبول الشروط.. “شروط الخزيرات”، فالشروط على من ؟ ومن كان عليه أن يقبل الشروط ؟ ولفائدة من كانت هذه الشروط ؟

إن هذه التساؤلات حقا غريبة، ولكنها فعلا لها ما يبررها.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن غرابتها، أن الشروط هي أصعب شيء في العقد، ولم تكن هذه الشروط صادرة عن المغرب لأنه كان وقتها في وضع لا يسمح له بوضع الشروط، بل كل ما كان بإمكانه هو أن يطلب من بعض الأطراف التي تتعاقد معه، أن تخفف من وطأة شروطها.

فلقد انشغل الرأي العام الدولي مدة طويلة بمؤتمر الجزيرة..

وسبقته من الاتصالات والمفاوضات، والتنازلات، والتحالفات، مراحل سالت لها الأقلام، وتبارت فيها الأساليب الدبلوماسية، وعينت لها السفارات، وكادت أن تسقط من شأنها الحكومات.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولقد سارت الركبان بذكر شروط عقد الجزيرة قبل أن ينعقد، مما يظهر أن “شروط الخزيرات” كانت شكلية أكثر مما كانت جوهرية.

ورغم أن بحثي هذا لا يركز على التاريخ الدبلوماسي للقضية، بل يستهدف التعمق في جزئيات الكفاح المغربي ضد الاحتلال، وتفاصيل المناورات الاستعمارية للاحتلال، إلا أنه سيكون من الأفيد إلقاء نظرة موجزة على الفترة التي كانت تمهد لمؤتمر الجزيرة، والتي كانت هي فعلا شروط الخزيرات.

الشروط الأولى:

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد كان الصراع على أشده بين ألمانيا وفرنسا، وكانت ألمانيا على رأس الدول المؤيدة للمؤتمر، وفرنسا على رأس الدول الرافضة له، وهو صراع أصبح يكتسي حدة قربت البلدين من الحرب لولا حنكة وزير الخارجية الألماني رادولين، ووزير الخارجية الفرنسي روفييه، والتي صبت ماء الدبلوماسية على الأزمة ونزلت بها إلى مستوى اتفاق البلدين على تحديد أهداف المؤتمر والموافقة عليها قبل انعقاد المؤتمر.

بينما سجلت فرنسا انتصارا على ألمانيا، التي لم يكن يهمها إلا تأييد سلطان المغرب حتى تضمن حسن سمعتها في العالم الإسلامي، أما الانتصار الفرنسي، فيكمن في قبول الطرفين لأرضية مزدوجة الطبقات:

أولا: لا تدخل لفرنسا في السيادة المغربية في الوقت الحاضر.

تتمة المقال تحت الإعلان

ثانيا: ليس هناك ما يقيد سياسة فرنسا في المستقبل.

وسارع روفييه إلى مجلس الوزراء الفرنسي يبشره بالانتصار، وعلق وزير العدل الفرنسي شوميي، بأن ((مجلس الوزراء الفرنسي يرى أنه ينبغي كسب الوقت، وأنه ينبغي الذهاب للمؤتمر، وأنه يجب عمل كل ما يضمن السمعة والشرف وتجنب الحرب، وإلا كيف نقنع الرأي العام الفرنسي بالدخول في حرب من أجل المغرب بينما لا تجرؤ فرنسا على إعلان الحرب من أجل منطقتي اللورين والألزاس)).

وبدأ تبادل المذكرات بين باريس وبرلين، وأصبح مستقبل المغرب الشغل الشاغل للبرلمانات والحكومات الفرنسية والألمانية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأخذت تنكشف النوايا.. إن ألمانيا في الواقع لا تعارض المؤتمر تأييدا لسلطان المغرب، وإنما بحثا عن تنفيذ فعال ومفيد لمقررات “مؤتمر مدريد”، وهكذا أخذت ألمانيا تقترب من وجهة نظر فرنسا.

ولا بد هنا من التذكير بالتفسير الصحيح لرغبة المغرب في عقد المؤتمر.. ((إن المغرب طلب من الدول نصيحة تتعلق بممارسته لحقوق سيادته))..

وفي 27 يونيو 1905، وردت على الحكومة الفرنسية مذكرة من برلين تقول: ((إن الحكومة الألمانية تسجل برضى ما أعلنته الحكومة الفرنسية من أنها لا تطمح بدعوتها إلى المؤتمر في الحصول على إدارة أمور المغرب الداخلية والخارجية والجيش، وأنها لا تريد أن تنقص من استقلال السلطان وكمال سيادته، ولا حقوق الدول الأخرى التي حصلت عليها بموجب المعاهدات)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا نرى المزج بين حقوق السلطان وحقوق الدول الأخرى.

كما أن تدهور الحالة بين روسيا وألمانيا دعت هذه الأخيرة إلى تحسين علاقتها بفرنسا.

وقبلت فرنسا مبدأ المؤتمر، وربطت قبولها بالتصريح التالي: ((إن المؤتمر إذا ضمن الاستقلال الحالي للسلطان، فإنه ينبغي أن لا يتخذ أي قرار يغلق الباب لمدة طويلة أمام مطامح فرنسا في المغرب)).

منتهى الصراحة، ومنتهى الوضوح.. إن فرنسا ترغب في التهام المغرب وستلتهمه إن عاجلا أو آجلا..

وكان هذا الحد من الاتفاق بإمضاء بروتوكول بين ألمانيا وفرنسا في 8 يوليوز 1905.

وفي 28 شتنبر من نفس السنة، أمضي اتفاق آخر بين البلدين يحدد الخطوط الأساسية لبرامج المؤتمر.

الشروط الثانية: مكان المؤتمر

لقد طلب السلطان أن يعقد المؤتمر بالمغرب، ورفضت فرنسا وقبلت ألمانيا، وعللت فرنسا رفضها بأن المغرب لن يضمن وسائل الأمن بالنسبة للمؤتمرين.

منتهى المكر، وتخطيط المخابرات.

أما إسبانيا، فقد عرضت حلا وسطا وموقعا، وخيرت المتنازعين بين قادس ومالقا والجزيرة الخضراء، وتم الاتفاق أخيرا على الجزيرة، وسمي المؤتمر المزمع عقده باسم “مؤتمر الجزيرة”.

وقد حزن السلطان عبد العزيز عندما تم تبليغه بما اتفقت عليه الأطراف الأخرى في غيبته، واعتبر المؤتمر مسبقا في صالح فرنسا، وأمضى على مضض دعوة المؤتمر يوم 26 نونبر 1905، ليعقد بالجزيرة الخضراء في 31 دجنبر 1905.

ومرة أخرى، أرادت إسبانيا كسر إرادة السلطان، فطلبت نقل المؤتمر لمدريد، لأن احتفالات تقام في مدريد بمناسبة زواج إحدى الأميرات، وأن الدبلوماسيين كلهم مدعوون ولن يكون ذلك بإمكانهم إذا كان مؤتمر الجزيرة سيعقد بعيدا عن مدريد، اللهم إلا إذا كان السلطان سيؤخر دعوته إلى 16 يناير 1906.

الشروط الثالثة: وهي الشروط التي وضعتها إسبانيا لمشاركتها في المؤتمر

إن إسبانيا لها شروط لحضور المؤتمر، وإذا كانت ألمانيا توافق على أن تترك يد فرنسا مطلوقة في المغرب مستقبلا، فأين ستطلق أيادي إسبانيا؟ وذكر الإسبان باتفاق أكتوبر 1904 (الوارد في إحدى الحلقات)، والذي اقتسمت به إسبانيا وفرنسا أطراف المغرب، وهو اتفاق يظهر أن فرنسا نسيته أو تناسته.

وهدد الإسبان بأنهم سيتفقون مع ألمانيا وأن ملكهم، الذي سيزور برلين في شهر نونبر، قد يجد الفرصة مواتية للاتفاق مع ألمانيا.

وقبلت فرنسا التفاوض مع إسبانيا والرجوع إلى اتفاقية 1904 كأساس للمؤتمر.

وهكذا نرى كيف غرق المؤتمر في الشروط المسطرية قبل أن يدخل في الشروط الأساسية.

وفي 16 يناير 1906، تم افتتاح مؤتمر الجزيرة، أو “مؤتمر الشروط” إن صح هذا التعبير، بعد أزيد من ستة أشهر من الإعداد.

وقد دعيت له الدول التالية: ألمانيا، فرنسا، إنجلترا، إسبانيا، الولايات المتحدة، النمسا، بلجيكا، إيطاليا، هولندا، روسيا، البرتغال، السويد، والمغرب.

وكان حدثا هاما في تاريخ المغرب علقت عليه كبريات الصحف العالمية واتفق الدبلوماسيون في جميع أنحاء العالم على أنه أعظم مؤتمر في العصر.

ولكنه في الواقع كان مؤتمرا مصيريا بالنسبة للمغرب، مارست فيه فرنسا حصة الأسد وجعلته يسير حسبما تريده دبلوماسيتها وما يريده عسكريوها، وما يتطابق وممارسات مخابراتها وجيوشها في داخل المغرب.

ولا بد للأجيال الحديثة أن تعرف الجزئيات الدقيقة لهذا المؤتمر حتى تأخذ فكرة متكاملة عن النظرة التي كان العالم يخص بها المغرب.. نظرة الجشع والرغبة في الاحتلال.

إنه إذا كانت دورة الجمعية العامة لهيأة الأمم المتحدة تعقد سنويا خلال ثلاثة أشهر عادة لتتطرق لمشاكل العالم كلها بما فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن مؤتمر الجزيرة دام ثلاثة أشهر لدراسة أربع نقط فقط.. فقد انعقدت الجلسة الافتتاحية في سادس عشر يناير 1906 واختتمت في السابع من أبريل من نفس السنة، وهو طول لا يعني إلا شيئا واحدا، وهو أن المغرب كان محور الأزمة العالمية، وملتقى الاهتمامات الدولية.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى