تحقيقات أسبوعية

للنقاش | الدور الخفي لشركات “الاستشارة” الأمنية والعسكرية العالمية

بعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم كما هو معلوم إلى المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي بالإضافة إلى دول عدم الانحياز، واستمرت الحرب الباردة إلى أن استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض سيطرتها على العالم وترسم معالم السياسة الدولية، وبدأت تتغير أنماط التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستضعفة، حيث ظهرت الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة منذ التسعينات بفضل الولايات المتحدة، التي لعبت دورا كبيرا في رسم معالم الخرائط السياسية الدولية لعدد من دول العالم، ولإيجاد موطئ قدم لها في مناطق الصراعات المسلحة بشكل غير مباشر، سعت القوى الدولية الكبرى إلى تكثيف عمل شركات الأمن الخاصة كأذرع أمنية لتحقيق أهدافها دون التدخل المباشر، وبالتالي، أصبحت هذه الشركات من أهم اللاعبين الدوليين في العلاقات الدولية..

بقلم: جميلة حلبي

    توسع نشاط الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة على المستوى الدولي منذ نهاية الحرب الباردة سنة 1998.. فقد أقدمت الشركات المتخصصة في الشؤون العسكرية على شن حروب بالنيابة، حيث بدأت هذه الشركات عملها بشكل أكبر في التسعينات انطلاقا من الولايات المتحدة باعتبارها أول مؤسس لشركة من هذا النوع، وهي “بلاك ووتر”، ثم تبعتها العديد من الدول الكبرى، منها بريطانيا التي أسست شركة “جي. فور. إس” وشركة “آيجيس دفاع سرفيس”

(Defense Services Aegis)، وفرنسا (شركة سيكوبكس)، وأنشأت كندا شركة “GardaWorld”، إضافة إلى مجموعة “أوميغا” الأوكرانية وشركة “دايك” الجنوب إفريقية، و”إكسليس” الألمانية، ثم مجموعة “فاغنر” الروسية، والشركة السويدية “سيكورتاس إي. بي”، وغيرها، كما برزت في السنين الأخيرة شركة “صادات” أو “سادات” التركية كأول “شركة دولية للاستشارات الدفاعية والإنشاءات والصناعة والتجارة” في دولة إسلامية، غير أن عملها عسكري استراتيجي بالدرجة الأولى…

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد أصبحت هذه الشركات حاضرة بقوة على مستوى العلاقات الدولية، وباتت عنصرا لا غنى عنه في المشاريع العسكرية للدول المؤسسة لها تتحجج بها للتدخل في شؤون الدول تحت ذريعة “حماية المصالح”، حيث ساهم في تنامي هذه الشركات تكاثر مناطق النزاعات والحروب الأهلية، ثم ظاهرة الإرهاب وازدياد نشاط الجماعات المسلحة، خاصة على الحدود بين عدد من الدول، والتي تتطلب تدخل الدول الكبرى التي أسست شركات خاصة للاستشارات العسكرية والدفاع لفض تلك النزاعات، والتي غالبا ما ينتهي بها المطاف مقيمة في الدول المعنية كشكل من أشكال الاحتلال.

وللإشارة، فقد أعطيت للشركات الأمنية والعسكرية الخاصة عدة تعريفات، منها تعريف “وثيقة مونترو” لسنة 2008، بأن “الشركات العسكرية والأمنية الخاصة هي كيانات تجارية خاصة تقدم خدمات عسكرية أو أمنية، وتشمل هذه الخدمات على وجه الخصوص: الحراسة المسلحة، وحماية الأشخاص والأشياء مثل القوافل والمباني والأماكن الأخرى، وصيانة وتشغيل أنظمة الأسلحة، وتقديم المشورة للقوات المحلية وأفراد الأمن أو تدريبهم”، كما عرفها الكونغريس الأمريكي بأنها “الشركات التي تقدم أنشطة ترتبط مباشرة بحماية الأشخاص أو الأماكن أو الأشياء”، وعرفتها مدونة السلوك الدولية لخدمات الشركات الأمنية الخاصة بأنها “كل نوع من الأعمال أو الكيانات بأي صيغة كانت، التي تقوم بحراسة وحماية الأشخاص والممتلكات، حيث يقوم الموظفون أو الأفراد بحمل أو استخدام السلاحِ لإنجاز واجباتهم”، وهكذا يتضح أن عمل هذه الشركات لا يخرج عن كونه تدخلا عسكريا محضا تحت ذريعة حماية الأشخاص والممتلكات ولو أن الدول المعنية – في غالب الأحيان – هي التي تطلب المساعدة من الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة عندما تفقد السيطرة على الأطراف المتنازعة في حالة الحروب الأهلية، أو في حالة ضعفها في مواجهة التدخلات الأجنبية، ليتبين أن نشاط هذه الشركات يشبه في مضمونه نظام الحماية الاستعمارية، لأنها توفر القوات القتالية والأسلحة والتدريب والمشورة للقوات المحلية.

وقد عرفت شركة “بلاك ووتر” الأمريكية بتدخلاتها العسكرية في عدد من الدول على غرار شركة “كاسي” الأمريكية أيضا، التي تنشط في مختلف القواعد العسكرية التابعة للقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، حيث لعبت “بلاك ووتر” دورا كبيرا في ما وصل إليه العراق من اندحار على جميع المستويات، حتى أنها اضطرت إلى تغيير تسميتها إلى “أكاديمي” بعد افتضاح أمرها في دعم الجيش الأمريكي في تدخله بمنطقة الخليج وبعدما وجهت لها انتقادات واسعة وتصفها عدد من الصحف الأمريكية بـ”المرتزقة”، حيث يتم استخدام أفرادها للتدخل عوض الجيش الرسمي، والكل يعرف الدور الذي لعبته ولا زالت تلعبه “فاغنر” الروسية في إفريقيا، وتدخلها في مختلف النزاعات الإقليمية، خاصة في مالي وإفريقيا الوسطى، حيث شهدت القارة السمراء خلال السنوات الأخيرة عودة نشاط شركات الأمن الخاصة بشكل كبير، بهدف “خدمة الزعماء والحكومات الإفريقية والمصالح الأجنبية”، وفي ظل تنامي ظاهرة الشركات الأمنية بإفريقيا، لمع نجم شركة “سادات” التركية، التي تمكنت منذ تأسيسها سنة 2012 من لعب أدوار متعددة في عدة دول، منها أذربيجان، وخاصة في إفريقيا، بعد قيامها بتدريب الميليشيات المرتبطة بحكومة الوفاق الليبية السابقة منذ شهر نونبر 2019، ومؤخرا صدرت تقارير تقول بأن نفوذ هذه الشركة وصل إلى النيجر، وأنها جندت “مرتزقة سوريين” وأرسلت عددا منهم إلى النيجر من أجل “حماية المصالحِ التركية”(…)، وتحت عنوان “فاغنر تركيا تنقل مرتزقة سوريين إلى النيجر للقتال إلى جانب الروس” نشرت “لوموند” الفرنسية (شهر يونيو 2024) تقريرا قالت فيه: ((المرتزقة التابعون لشركة “سادات” هم “فاغنر تركيا” الذين يشكلون تهديدا لأمن منطقة الساحل بعد تدخلاتهم في ليبيا وأذربيجان، وأن تركيا و”سادات” بدأوا في نقل مرتزقة سوريين من ليبيا إلى النيجر منذ بداية شهر ماي المنصرم، وأضافت الصحيفة أن هناك أكثر من ألف مرتزق سوري اتجهوا إلى النيجر تحت قيادة شركة “سادات” الأمنية المقربة من الرئيس رجب طيب أردوغان، ويبدو أن “سادات” وأردوغان يسعيان من وراء زيادة نشاط المرتزقة إلى الترويج لمدرسة الإخوان المسلمين مستفيدين من رحيل القوات الفرنسية والأمريكية لتحقيق مكاسب استراتيجية جديدة)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد وجد هؤلاء المنضمون طوعا أو قسرا إلى شركة “سادات”، أنفسهم منخرطين في القتال إلى جانب الروس في إطار “الفيلق الإفريقي”، وهو تنظيم عسكري روسي تم الكشف عنه بداية سنة 2024 ليكون بديلا عن مجموعة “فاغنر”، تم تأسيسه لتوسيع روسيا نفوذها العسكري في إفريقيا، وتم منحه شرعية الوجود الرسمي والعلني في مواجهة الحضور الأوروبي والأمريكي في القارة.

كما أن القوة الأخرى في العالم، الصين، تؤكد حضورها في آسيا وأمريكا الجنوبية، وفي إفريقيا، من خلال مجموعة من الشركات وإن كانت في ظاهرها تجارية اقتصادية تحت عنوان “طريق الحرير”، إلا أن الجانب الخفي منها هو تثبيت الوجود العسكري والأمني حماية ودعما لمصالحها الاقتصادية في القارة، وخاصة في جنوب إفريقيا، وهناك تقارير تقدر عدد الشركات الأمنية الخاصة للصين بـ 2000 شركة أبرزها “Frontier Services Group” التي يوجد مقرها بهونغ كونغ، وكانت لها أدوار بارزة في نزاعات الصومال والكونغو الديمقراطية وجنوب السودان، كما ارتبط اسمها في فترة من الفترات بالشركة العسكرية الأمريكية “بلاك ووتر”، وللصين أيضا عدة شركات أمنية في أمريكا الجنوبية، كما تعد الشركة العسكرية والأمنية “دايك” الجنوب إفريقية من شركات الأمن الخاصة التي باتت في مرمى الانتقادات مؤخرا، بعد أن قامت حكومة الموزمبيق بالاستعانة بها لمحاربة مسلحي “حركة الشباب” المتطرفة في إقليم كابو ديلجادو في شمال البلاد، وحسب تقرير في الموضوع، فإن عناصر “دايك” أقدموا على قتل مدنيين بشكل عشوائي في يونيو 2020 دون تمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن جانب آخر، أخذت شركة “سادات” تروج لعملها على أنها تعطي الأولوية للدول الإسلامية، وأن هدفها الرئيسي هو “خلق بيئة من التعاون في صناعة الدفاع بين الشركات الإسلامية من خلال التعاون بين الدول الإسلامية، وبالتالي خلق قوة عسكرية مكتفية ذاتيا للعالم الإسلامي بين دول العالم العظمى لمساعدته في الحصول على المكان الذي يستحقه”، وقد سبق أن قدم رئيس الشركة ومؤسسها عدنان تانري فردي، ما أسماه نموذج “دستور اتحاد الدول الإسلامية”، خلال “مؤتمر الاتحاد الإسلامي” الثالث الذي عقده مركز البحوث الاستراتيجية (ASSAM) بمدينة إسطنبول في شهر دجنبر 2019، قائلا أن “اسم الدولة هو آسريكا (في إشارة إلى قارتي آسيا وإفريقيا، حيث تقع البلدان الإسلامية في الغالب)، وشكلها هو جمهورية كونفدرالية إسلامية”.. ليتين أن أهداف الشركة ليست أمنية وعسكرية فقط، وإنما هدفها استراتيجي لقيادة الدول الإسلامية وفق المنظور التركي، حيث تأمل الشركة ومن ورائها الدولة التركية إلى تأسيس اتحاد يجمع الدول الإسلامية يقوم على نظام الفصل بين السلطات والنظام الرئاسي، دولة تكون عاصمتها إسطنبول ولغتها الرسمية هي العربية، وغيرها من التبريرات والمزاعم للتغطية على العمل الأصلي لهذه الشركة العسكرية، التي واجهت تهمة توزيع الأسلحة على المدنيين خلال محاولة الانقلاب على السلطة التركية في يوليوز 2016، كما كشف “مركز أبحاث الاستخبارات الفرنسية” أن “سادات حاليا تدير أنشطة استشارية عسكرية في 22 دولة إسلامية على الأقل”، كما تداولت بعض المواقع فيما سبق ((اعتراف زعيم المافيا التركي، سادات بكر، في فيديو نشره يوم 30 ماي 2021، بأن شركة “سادات” أرسلت أسلحة من خلاله إلى سوريا، وأن الأسلحة التي قيل له إنها مرسلة لمساعدة التركمان، تم إرسالها في الحقيقة إلى جبهة “النصرة”، الفرع السوري لـ”القاعدة”))..

وفي ظل الاتهامات الدولية الموجهة لشركة “سادات” بـ”تجنيد الشباب المسلمين في إفريقيا ووسط آسيا وأوروبا بهدف ضمهم إلى الجماعات الإرهابية في سوريا، وأنها قامت بتأمين غطاء أمني وسياسي لإرهابيين ليبيين شاركوا في تهريب مقاتلين ومرتزقة إلى سوريا وأوروبا لتنفيذ عمليات إرهابية”، بالإضافة إلى اتهامها بـ”تسليحِ المتمردين والجماعات المتطرفة”، وبالتالي من الممكن أن تؤثر هذه الاتهامات على مصداقية الشركة لدى الحكومات الإفريقية وتضعها تحت المراقبة الدولية، فيبقى واردا جدا احتمال عودة القوات الأمريكية مرة أخرى إلى النيجر، في مواجهة العدو أو الغريم التقليدي روسيا في شخص مجموعة “فاغنر”، ثم الشركات العسكرية الصينية، حيث إن سحب الولايات المتحدة لقواتها جزئيا من النيجر والتشاد يعتبر خطوة مؤقتة، فأمريكا ليست الدولة التي “تنحني” بهذه السهولة وتستسلم لضغوط الحكومات الإفريقية وتسحب قواتها المسلحة التي تضمن لها القوة والنفوذ في جميع مناطق العالم وليس في إفريقيا وحسب، بل إنها تسعى إلى التوصل إلى اتفاق مع حكومات البلدان المعنية من أجل أن تضمن لها الحفاظ على تواجدها العسكري في المناطق التي تعمل فيها تلك الشركات، وليس من المستبعد أن تضارب مصالح الشركات الأمنية / العسكرية في إفريقيا وآسيا هو من وراء تبادل الاتهامات حتى يتم إضعاف نفوذ تلك الشركات.. ليبقى الطرف الخاسر هو الدول الإفريقية والآسيوية والأمريكية الجنوبية، والتي خرجت من الحرب العالمية الثانية بتوقيع تنازلات لا حد لها وها هي لا زالت واقعة تحت حماية القوى الكبرى وإن بشكل مختلف لكن الهدف واحد: التدخل في الشؤون الداخلية لضمان النفوذ العالمي.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى