المنبر الحر

المنبر الحر | شطحات جارتنا الخفية وعلاقتها مع إسرائيل

بقلم: عبده حقي

 

    مما لاشك فيه أن موضوع العلاقات السياسية السرية بين الجزائر وإسرائيل يعتبر موضوعا مثيرا للاهتمام في الآونة الأخيرة، ومحاطا بما يشبه العداء التاريخي والدبلوماسية السرية، ومع ذلك فقد انخرطت الجزائر وإسرائيل، الدولتان اللتان لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية ومباشرة ولهما تاريخ طويل من العداء الظاهر، في تفاعلات سرية تعكس ديناميكيات سياسية إقليمية وعالمية أوسع.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعلى الرغم من هذا العداء المقنع، فقد سجل المراقبون حالات من الاتصالات السرية بين المسؤولين الجزائريين والإسرائيليين في ستينات وسبعينات القرن العشرين، أدت تعقيدات الدبلوماسية الدولية إلى اتصالات عبر القنوات الخلفية بين الحين والآخر، وكثيرا ما تم تسهيل هذه التفاعلات من قبل أطراف ثالثة، بما في ذلك الدول الأوروبية والمنظمات الدولية، التي سعت إلى التوسط أو مجرد مراقبة الديناميكيات المتطورة.

لقد حدثت إحدى أبرز حلقات هذا التفاعل السري في عام 1976، أثناء عملية اختطاف طائرة عنتيبي، حيث اختطف فدائيون فلسطينيون وألمان طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية وتم نقلها إلى عنتيبي بأوغندا، وطالب الخاطفون بالإفراج عن السجناء الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل، وكان من بين الرهائن مواطنون إسرائيليون، ولعبت الجزائر دورا مفاجئا بالسماح للطائرة بالهبوط في الجزائر العاصمة قبل توجهها إلى أوغندا، وعلى الرغم من أن هذا العمل يبدو داعما لكوموندو الخاطفين، إلا أنه شكل فرصة سانحة لفتح قناة للاتصال غير المباشر بين المسؤولين الإسرائيليين والجزائريين، مما سلط الضوء على الطبيعة المعقدة والمتناقضة في كثير من الأحيان للعلاقات بينهما.

كما شهدت الثمانينيات تحولا طفيفا في طبيعة التفاعلات الجزائرية الإسرائيلية، مدفوعة بالمصالح المتبادلة في مواجهة التهديدات الإقليمية.. فقد واجه كلا البلدين تحديات مقلقة من الحركات الإسلامية المتطرفة، وكانت هناك تقارير عن تبادل المعلومات الاستخبارية، وخاصة في المجالات المتعلقة بمكافحة الإرهاب، وكانت هذه التبادلات السرية عملية، حيث ركزت على المخاوف الأمنية المتبادلة بدلا من أي تقارب سياسي أوسع.

تتمة المقال تحت الإعلان

كانت وما تزال منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا عرضة للتحديات الأمنية، من الصراعات بين الدول، إلى الإرهاب، وعدم الاستقرار السياسي، وقد وجدت كل من الجزائر وإسرائيل، على الرغم من العداء الظاهر بينهما، أرضية مشتركة في معالجة بعض هذه التحديات، فقد عكست معركة الجزائر ضد تمرد الإسلاميين خلال الحرب الأهلية في التسعينيات مخاوف إسرائيل بشأن الجماعات الإسلامية في المناطق المجاورة لها، وقد سهّل هذا التقارب في المصالح التعاون السري في المسائل الأمنية.

بالنسبة لإسرائيل، كان الحفاظ على اتصالات سرية مع الجزائر جزءً من استراتيجية أوسع لكسر عزلتها الإقليمية وبناء التحالفات، حتى ولو بشكل غير رسمي، مع بعض الدول العربية والإفريقية، وبالنسبة للجزائر، فقد سمح لها التعامل سرا مع إسرائيل بالتعامل مع تعقيدات السياسة الإقليمية، وتحقيق التوازن بين دعمها العلني لفلسطين والاعتبارات الأمنية والدبلوماسية العملية.

كما لعبت القوى الخارجية، ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، دورا في تسهيل أو التوسط في الاتصالات السرية بين الجزائر وإسرائيل، ولهذه القوى مصالحها الاستراتيجية الخاصة في المنطقة، وكثيرا ما عملت كوسطاء وشجعت الحوار والتعاون حيثما أمكن ذلك.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكان الراحل عبد العزيز بوتفليقة، الذي شغل منصب رئيس الجزائر من 1999 إلى 2019، شخصية رئيسية في التفاعلات السرية لبلاده مع إسرائيل، وقد كان دبلوماسيا محنكا يتمتع بعلاقات عميقة في العالم العربي، أبحر في السياسة الخارجية المعقدة للجزائر باللعب على الحبلين بين التضامن الظاهر مع القضية الفلسطينية والتعامل السري مع إسرائيل، وشهدت فترة ولايته حالات من التواصل غير المباشر وتبادل المعلومات الاستخبارية، لا سيما في سياق الأمن الإقليمي.

وأضاف توقيع “اتفاقات أبراهام” عام 2020، التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، بعدا جديدا للعلاقات الجزائرية الإسرائيلية، وإذا كانت الجزائر لم تنضم إلى هذه الاتفاقيات رسميا، فقد خلق المشهد الإقليمي المتغير فرصا وضغوطا جديدة للدبلوماسية السرية، حيث غيرت موجة التطبيع الحسابات الاستراتيجية للعديد من الجهات الإقليمية الفاعلة، بما في ذلك الجزائر.

أحد التحديات الرئيسية أمام أي تحسن علني في العلاقات الجزائرية الإسرائيلية هو الرأي العام.. ففي الجزائر، كما هو الحال في العديد من الدول العربية، هناك دعم شعبي كبير للقضية الفلسطينية ومعارضة قوية للتطبيع مع إسرائيل، وأي اعتراف علني بالاتصالات السرية يمكن أن يؤدي إلى ردة فعل عنيفة في الداخل وعدم الاستقرار السياسي في الجزائر.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعلى الرغم من هذه التحديات، هناك إمكانية لمواصلة المشاركة العملية بين الجزائر وإسرائيل، لا سيما في المجالات ذات الاهتمام المشترك، مثل مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون الاقتصادي.

فالديناميكيات الإقليمية المتطورة، وخاصة إعادة تنظيم العلاقات العربية الإسرائيلية، قد تخلق فرصا جديدة للرقي أكثر بالتعاون السري، ومن الممكن أيضا أن تؤثر الاتجاهات الإقليمية الأوسع، بما في ذلك الحل المحتمل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني وتحقيق الاستقرار في مناطق الصراع الرئيسية، على مستقبل العلاقات الجزائرية الإسرائيلية، ذلك أن تحقيق شرق أوسط أكثر استقرارا وسلاما من الممكن أن يخلق بيئة مواتية لمشاركة أعمق، ولو أنها لا تزال مشاركة محتشمة.

إن العلاقات السياسية السرية بين حكام الجزائر وإسرائيل هي شهادة على حتمية انفتاح الدبلوماسية الدولية ككل، وعلى الرغم من وجود تاريخ من العداء العام والمعارضة الإيديولوجية المقنعة، فقد وجد البلدان بالرغم من الظروف الحالية العصيبة في غزة، أرضية مشتركة في معالجة المخاوف الأمنية المتبادلة والتعامل مع المشهد الإقليمي المضطرب، ومع استمرار الشرق الأوسط في التطور، فمن المرجح أن يرتفع إيقاع التفاعلات السرية بين الجزائر وإسرائيل، مما يعكس توازنا دقيقا بين المواقف العامة والدبلوماسية العملية.

تتمة المقال تحت الإعلان

تعليق واحد

  1. قال آرثر شوبنهاور ما نصه:
    ” من بين كل مئة شخص يوجد بالكاد شخص واحد يستحق أن نُجادله، أما بالنسبة للآخرين، فلنتركهم يقولون ما يريدون لأن من حق الناس أن يهذوا .” انتهى الاقتباس
    وقال مخائيل نعيمة ما نصه:
    ” كَم من أناس صرفوا العمرَ في إتقانِ فنّ الكتابة..ليذيعوا جهلَهُم لا غَير!” انتهى الاقتباس
    وقال مصطفى صادق الرافعي ما نصه
    ” إن كثيراً من كلام الصحف لو مسخه الله شيئاً غير الحروف المطبعية، لطار كله ذباباً على وجوه القرّاء !” انتهى الاقتباس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى