تحقيقات أسبوعية

للنقاش | الهشاشة الفكرية.. خطر يهدد سلامة المجتمع

كل المظاهر السلبية التي تغزو المجتمع مردها إلى آفة الهشاشة الفكرية حينما لا يستطيع الفرد التمييز بين الصالح والطالح من الأمور، وينساق بالتالي وراء الأفكار المغلوطة، حيث يستبد به الجهل ويسيطر على حياته مما يقوده إلى تبني أسلوب حياة خاطئ، فالهشاشة الفكرية هي أن يكون الشخص في حالة من الضعف الفكري يجعله غير قادر على طرح رؤية متماسكة أو الانطلاق من أرضية ثابتة فاقدا المناعة أمام الأفكار المخالفة أو الأفكار التي تطرح عليه من الغير، مما يجعله سهل الانقياد، وهذا ما يجعله يضيع وتضيع معه الأسرة، وبالتالي يضيع المجتمع برمته..

بقلم: جميلة حلبي

    إن خطورة الهشاشة الفكرية تكمن في كونها تكون عند الشباب والمراهقين أكثر من الفئات العمرية المتقدمة، وبذلك فهي تفقد المرء المناعة الذاتية في مواجهة الأفكار المغلوطة والظواهر السلبية التي تعترضه، فيكون بذلك سهل الانصياع طيعا لتقبل الآخر، خصوصا خلال فترة المراهقة حيث يكون الإنسان يبحث عن ذاته بعيدا عن السلطة الأبوية وعن سلطة المدرسة، هذه الذات التي تكون في فترة من الفترات لم تلقح بما يكفي من قواعد التربية والأخلاق الحسنة لتحصينها من الفيروسات التي تتربص بكل ذات هشة..

وبالرجوع لأسباب هذه الآفة الخطيرة، فيمكن أن نستشف أن الهشاشة الفكرية سببها الرئيسي غياب التحصين الفكري وعدم الاعتماد على القناعات الذاتية الراسخة في تبني الآراء والمواقف، وخير مثال على ذلك، الانسياق وراء الموضة من طرف الشباب فقط لأنه تم الترويج لتلك الموضة بأنها تعبر عن روح العصر وعن التحضر، وغيرها من الأمور التي يلجأ إليها مصممو الموضة وتلجأ إليها شركات الدعاية، وهذا ما يسمى بالتقليد الأعمى، نأخذ عن الآخرين ونتجاهل قيمنا كأمة عربية مسلمة لها قيمها الروحية والأخلاقية، نأخذ عن الغرب متغافلين أن ذلك الغرب عمل ولا زال يعمل على ضرب المبادئ والحضارة الإسلامية..

تتمة المقال تحت الإعلان

كما أن من أسباب الهشاشة الفكرية تخلي الأسرة والمدرسة عن الدور الأساسي في خلق أجيال محصنة ضد الظواهر السلبية، فهامش الحرية الذي باتت معظم الأسر تتيحه لأبنائها في التعامل داخل الأسرة وتجاه المجتمع، خلق هوة كبيرة في عقلية المراهقين والشباب، مما جعلهم يقتنعون تمام الاقتناع بأن لهم الحق في كذا وعدم فعل كذا، ومن تم تبدأ دائرة ما يتحججون بها على أنها “حقوق” في التوسع بما يجعلهم يسقطون في المحظور من الأفعال والانسياق وراء أفكارهم غير الناضجة، وبالتالي يكونون أداة طيعة يسهل اقتيادها نحو تبني مجموعة من السلوكات السيئة التي تدمر الفرد والأسرة والمجتمع، أولها تعاطي المخدرات وشرب الخمور، ثم هناك ظاهرة عبدة الشيطان، التي تظهر بين الفينة والأخرى في أوساط الشباب، كما تقود الهشاشة الفكرية إلى تبني ظاهرة الإرهاب، فبالنظر إلى من يتورطون في الإرهاب، نجد أن الأغلبية الساحقة أعمارهم بين خمسة عشر سنة والثلاثين سنة، وحتى القاصرين، والذين تتم تعبئتهم بأفكار تمجيدية وشعارات فضفاضة تظهر لهم أنهم وصلوا من النضج ما يمكنهم من تغيير الواقع، بعدما يكونوا قد وصلوا لمرحلة رفض الواقع المعاش مع ذويهم، وغيرها من الأسباب التي يتلقفها الداعون إلى الإرهاب والبقية معروفة…

كما أن دور المدرسة لا يقل أهمية عن دور الأسرة من حيث توجيه التلاميذ التوجيه السليم، لكن يبدو أن المدرسة كمؤسسة تعليمية فقدت بريقها في السنوات الأخيرة، وتحول التعليم إلى مجرد معلومات لا أثر لها في تكوين القناعات الراسخة ولا في تثبيت السلوك القويم، مما يعمق الهشاشة الفكرية لدى فئات عريضة من التلاميذ، خاصة في ظل انشغال الآباء والأمهات مع إكراهات الحياة المعيشية، وتزايد وتيرة الغلاء وتدهور القدرة الشرائية، مما يفقد الأسرة دورها في مراقبة الأبناء ومراقبة سلوكاتهم وتوجهاتهم وتصرفاتهم، والذين غالبا ما يتبنون أفكارا دخيلة على مجتمعنا في غفلة من الأسرة وغياب دور المؤسسة التعليمية.

وبالتالي، فالمجتمع يفقد أهم ركيزة يقوم عليها ألا وهي الشباب، فالهشاشة الفكرية تفقد المجتمع هويته الذاتية، وتضربه في الصميم، وتهدد مستقبله ونهضته، فمثلما تصاب عظام الإنسان بمرض الهشاشة حيث تصبح ضعيفة وسهلة الكسر، كذلك يصاب فكر الإنسان بالهشاشة فيصبح ضعيفا وسهل الانكسار، انكسار العقل أمام كل ما يقدم له دون أدنى تفكير، وهذا ما يجعل الشخص إنسانا مستهلكا لكل ما يقدم له دون التمييز بين الإيجابي والسلبي.

تتمة المقال تحت الإعلان

فكل الفظاعات والحوادث اللاإنسانية التي أصبح مجتمعنا يعيش على وقعها يوميا مردها الهشاشة الفكرية وفقداننا للقيم الأخلاقية وللتربية القويمة التي تجنب الإنسان الوقوع في أحضان الذئاب البشرية التي تتربص بذوي العقول الضعيفة، إضافة إلى أن مجتمعنا استشرى فيه النفاق الاجتماعي والانتهازية، لهذا نلاحظ بروز حالات سلوكية خارجة عن المألوف واستفحلت الظواهر السلبية حتى أصبحت خارجة عن السيطرة، ما يستوجب طرح السؤال العريض حول ما يمكن أن نسميه الترهل الأخلاقي والانفلات التربوي، ما العمل لمواجهة ظاهرة القيم الهشة في ظل سيادة الإغراءات والفساد بكل أنواعه ؟

الأكيد أن الحل بيد أصحاب الاختصاص، حيث تتداخل فيه منظومات متعددة، دون نسيان مرجعيتنا الكبرى والأساسية، الدين الإسلامي، القرآن الكريم والسنة النبوية، والأكيد أن الرجوع إلى الارتواء بما أمرنا به الله تعالى يخرج المجتمع من هذه الهشاشة على مستوى الفكر والأخلاق، وعن هذا التمزق الذي بتنا نعيشه والذي قضى على الأساس الذي تقوم عليه كل المجتمعات.

 ومن الحالات التي تظهر فيها الهشاشة القيمية بوضوح في أمتنا هي عندما يصبح المرء وسيلة لتلميع صورة من يتملق له بأشياء لا تمت إلى الحقيقة بصلة أو يكون بوقا للتبريرات الواهية التي تصطنع بغية الدفاع باستماتة عن أولياء النعمة، فالمجامل والمداهن للفساد وأهله مخرب أخلاقيا ولا يسعى إلا إلى مصلحته لهذا فهو لا يقل سوء عمن يتزلف لهم، وكذلك أيضا عندما يتم الترويج للقدوات السيئة والنماذج التافهة والتشجيع على الانجذاب إليها وأخذ ما تنطق به وتفعله لمجرد أنها مشهورة ولها أعداد كبيرة من المتابعين، كما نجد أيضا الافتخار بالغش والخداع وخرق القانون والاعتزاز باستعمال الوساطة والزبونية لنيل غرض يستصعب نيله بالطرق الشرعية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتم بث كل ذلك في العقول على أنه نوع من الذكاء والنجاح في توهيم الآخرين.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد قادت حرية التفكير وحرية التصرف وحرية التعبير في جانب منها، في العقود الأخيرة – وهنا لا أعمم – إلى قلب المفاهيم وأصبح المجتمع مشرعا على

 التصرف بحرية، ما ساهم بشكل كبير في ترسيخ ما نراه يوميا من الانسلاخ عن العادات والقيم الأخلاقية التي تميزنا كمجتمع عربي مسلم، لذلك أصبحت فئات عريضة تحركها المصلحة الشخصية والنفع المادي دون أن يأبه الفرد إلى غيره ممن يتقاسمون معه الوطن، المهم أن يعيش هو ولو على حساب الآخرين، الشيء الذي ساهم بشكل كبير في انتشار الفساد بكل أنواعه، الفساد الأخلاقي، الفساد الإداري.. ما جعل ذوي العقول الضعيفة ينساقون وراء التفاهة وأخذوا منها أسلوب حياة يتعيشون به ويقتاتون به في ضرب سافر للمنظومة الأخلاقية، وهكذا انقلبت المبادئ إلى ابتذال والانسياق وراء الرذيلة ما جعل ذوي الهشاشة الفكرية يسقطون بسهولة في مستنقع الانحطاط والدناءة الأخلاقية، لأنهم بكل بساطة فاقدون للحصانة الفكرية التي تكسب الفرد المناعة ضد كل ما يجلبهم إلى الفساد.

ففي ظل وجود تقصير في برامج توعوية تكون موجهة للأطفال والمراهقين بالخصوص، حتى لا ينخدعون بما يقدم لهم على أطباق من ذهب، حاد مجتمعنا عن السكة القويمة وأصبحنا نعيش في مجتمع تطغى فيه كل الرذائل، وكل التناقضات، وكل السلبيات، خاصة في ظل طغيان وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهلت على ذوي العقول الضعيفة الانسياق وراء الماديات وبيع أنفسهم علانية دون الاكتراث للقيم الإنسانية، ولا للأسرة ولا حتى المجتمع، لهذا تداعت قيمنا الفكرية وتهاوت مؤسسة الأسرة..

تتمة المقال تحت الإعلان

لذلك تبقى مسؤولية إصابة المجتمع بالهشاشة الفكرية مشتركة بين جميع الفاعلين، انطلاقا من الأسرة كأول خلية تعطي أبناء صالحين أو غير صالحين، وثانيا المدرسة، ثم يأتي الدور على مؤسسات المجتمع المدني، حيث لا يمكن للفرد أن يتحمل لوحده الوضع الكارثي الذي آل إليه المجتمع، لأن المصاب بالهشاشة الفكرية غير واع بأنه يعيش في أزمة قيمية وأزمة أخلاق، وبالتالي، يجب تظافر الجهود من مختلف الفاعلين، ويجب إعادة النظر في دور المدرسة لتستعيد دورها التربوي وليس التعليمي فقط، وقبل هذا وذاك، يجب أن نتحلى بالجرأة للاعتراف بأننا مصابون بالهشاشة الفكرية ونعيش أزمة قيم، فلا يعقل إذن، أن من يجري دون توقف وراء كسب المال ولو عن طريق الحرام، ووراء المناصب ولو على حساب ذوي الحقوق، ومن يجري وراء الأهواء والمتع الشخصية في انتهازية تضرب بعرض الحائط كل القيم الإنسانية، لا يعقل أن يفهم أو يتفهم أنه مصاب بالهشاشة الفكرية إلا إذا تكاثفت الجهود للقضاء على الفساد أولا، ثم برمجة مخططات للنهوض بأوضاع الأسرة لتقوم على أسس أخلاقية متينة بما يمكن الأولاد من اكتساب مناعة أخلاقية تجنبهم من الإصابة بالهشاشة الفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى