المنبر الحر

المنبر الحر | تزايد الاعتراف الدولي بفلسطين وبداية تآكل التأثير الأمريكي

بقلم: بنعيسى يوسفي

                              

    يبدو أن الحرب الإسرائيلية على غزة، رغم ضراوتها وفظائعها وبشاعتها وما تخلفه من ضحايا ودمار لم يسبق له مثيل على مدار الساعة، بدأت تظهر في الأفق بعض نتائجها على الصعيد الدولي على الأقل، فاعتراف أربعة دول أوروبية وهي إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا بالدولة الفلسطينية، ويمكن أن تليها دول أخرى في المستقبل المنظور، يمكن اعتباره أولى مقدمات استقلال هذه الدولة إذا تم استثمار هذه المتغيرات على الساحة بشكل جيد، سواء من طرف “حماس” أو “فتح”، أو حتى من طرف المنتظم الدولي الذي يتحمل مسؤولية أخلاقية كبيرة أمام هذا الصمت المريب حيال ما يحدث في غزة، وذلك في إطار حل الدولتين الذي يبدو أن العالم كله تقريبا يحبذه، وهناك شبه إجماع عليه باعتباره هو الحل الأنجع الذي يمكن أن يضع نقطة نهاية لهذا الصراع المرير الذي طال أمده، هذا الاعتراف الدولي المتزايد بفلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، لم يكن بالسهولة التي يمكن أن يتصورها المرء، فأن تكون لك الجرأة والشجاعة السياسية لإعلان هذا الاعتراف في عز الحرب، وكيفما كانت خلفياته وأهدافه، يبقى موقفا تاريخيا عظيما من طرف هذه الدول، التي شكلت في حقيقة الأمر بهذا السلوك استثناء لم يكن متوقعا حتى من أشد المتفائلين، وغيرت الكثير من الأفكار والمعطيات التي ترسخت لدى الكثيرين من أن الدولة الصهيونية تحظى بدعم غير مشروط من الدول الغربية وأن العالم كله تقريبا يصطف بجانبها وما إلى ذلك من الأوهام التي لازالت هذه الدولة المتعجرفة تسبح فيها، وتروج لها لوبياتها بدون هوادة في مختلف بقاع العالم، وفي مختلف المحافل الدولية، وهي لا تدري أنها بهذه الحرب الهوجاء على غزة فقدت ما تبقى لها من “مصداقية” ومن الشعارات الديمقراطية التي ترفعها كبلد وحيد في الشرق الأوسط الذي ينعم بهذا النظام الديمقراطي على علاته، وأن تتحدى هذه الدول الضغوطات الدولية التي قد تُمارس عليها، وخاصة من طرف الحلفاء التقليديين الداعمين لإسرائيل وعلى رأسها من طبيعة الحال الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض القوى الغربية، فهذا لا يتأتى إلا للقليل من الدول الديمقراطية الحقيقية التي تؤمن بحقوق الشعوب المستضعفة والانتصار للسلام وللقضايا الإنسانية العادلة، الدول التي تتمتع باستقلالية كبيرة في اتخاذ قراراتها الاستراتيجية رغم ما يمكن أن يكلفها ذلك على مستوى علاقاتها أو اقتصادها، ولا يتأتى أيضا إلا للدول التي تبني سياساتها وعلاقاتها على قناعات ودراسات وعمق نظر، وليس وفق تصورات ومبادئ فضفاضة، ويمر كل ذلك عبر قنوات ومؤسسات الدولة وتتم المصادقة على القرار أو الموقف، ومن تم إشهاره وتعميمه.. هكذا تُدبر الدول الديمقراطية قراراتها بعيدا عن الإملاءات الخارجية والتبعية العمياء لأي جهة كانت.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن أول ما يمكن أن يستنتجه المرء بالتزامن مع هذه الاعترافات هو أن هناك بداية لتآكل التأثير الأمريكي على بعض دول العالم، هذا التأثير الذي يوثر العديد من المحللين والمراقبين إقناعنا به، وأن جل القرارات التي يمكن أن تُقدم عليها أي دولة في العالم لابد أن تمر عبر البيت الأبيض للتأشير عليها من منطلق أن أمريكا دولة أخطبوطية تربطها مصالح كبيرة بشكل غير متكافئ مع جل دول العالم ولها في ذلك أوراق ضغط يمكن أن تشهرها في وجه أي دولة متى دعت الضرورة إلى ذلك، والحقيقة أنه بعد انهيار جدار برلين وتفكيك المعسكر الشرقي وزحف هذه الدولة على دويلات الاتحاد السوفياتي سابقا، وربط علاقات متينة معها، وتوريط أوكرانيا في حرب استنزاف مع روسيا، كل هذه المعطيات والمتغيرات الجيوسياسية تعطي الانطباع بأن الولايات المتحدة تقود العالم بالطريقة التي تريد، وحتى الصين التي يراهن عليها الكثير في الوقت الراهن لإعادة التوازن للعالم ونفخ الروح في ثنائية قطبية منشودة بصيغة جديدة، إلا أن هذه المعادلة تشكو من نواقص كثيرة وللولايات المتحدة من الأوراق التي تجعل الصين تربأ بنفسها عن لعب هذا الدور بالشكل الذي يريده العالم، خاصة وأنها تعاني من شوكة في خصرها ومن معضلة اسمها “التايوان”، التي تتوق إلى الانفصال والاستقلال عنها، والتي تلقى بهذا الخصوص دعما منقطع النظير من طرف الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فهي تمسكها من اليد التي تؤلمها، فالصين لن تفرط في هذه الجزيرة الغنية بمواردها المتنوعة، بينما أمريكا تستغل هذا الملف الحارق لتطويع الصين وكبح جماحها وإخضاعها، أو لتهديدها به في أحسن الأحوال، فالصين كقوة اقتصادية كبرى يمكن أن تحقق ثنائية قطبية اقتصادية، أما من الناحية السياسية والإيديولوجية، فهي تعوزها العديد من المقومات والميكانيزمات التي تجعلها قادرة على الاضطلاع بهذا الدور.

لا يمكن الادعاء البتة أن الولايات المتحدة باعتراف تلك الدول بالدولة الفلسطينية ستفقد تأثيرها مطلقا على دول العالم، فهذا قد يعتبر ضربا من الجنون، لكن ما يقع اليوم في غزة من جرائم ضد الإنسانية، ومن حرب إبادة جماعية شاملة، والمسؤولية المباشرة لهذه الدولة على ذلك، وإعلان دول أوروبية استقلال دولة فلسطين، ناهيك عما يحدث في الخفاء من تذمر وتبرم العديد من الدول الصديقة لها، ومنها دول عربية حليفة، التي تأبى الإفصاح عن ذلك علانية، والتي ترى أن هناك مبالغة كبيرة في هذا الدعم وهذا الغطاء الذي تقدمه هذه الدولة الكبيرة لإسرائيل لقتل شعب بأكمله والإمعان في سفك دماء الأبرياء.. كل هذه الأمور ستكون من المحددات الأساسية التي يمكن أن تُبْنَى عليها علاقات مجموعة من الدول مع أمريكا، سواء في غضون هذه الحرب أو بعد أن تضع أوزارها، حيث ممكن جدا أن تُظهِر العديد منها تمردها على هذه العلاقة، وإعادة حساباتها معها، أو إعادة تأسيسها بناء على قواعد جديدة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى