تحقيقات أسبوعية

ربورتاج | هجرة “العيد الكبير”.. تحول المدن الكبرى إلى تجمعات أشباح

تتحول المدن الكبرى خلال أيام عيد الأضحى إلى مدن مهجورة من السكان ومن حركة السير، بعد سفر الآلاف إلى المدن الداخلية أو الجنوب لقضاء العيد مع عائلاتهم وأقاربهم، بينما تتوقف الحركة الاقتصادية في المدن الكبيرة مثل الدار البيضاء، الرباط، طنجة، وفاس، بعد سفر معظم التجار والحرفيين والعمال إلى مسقط رأسهم لقضاء أيام العيد بعيدا عن ضوضاء وضجيج المدن، وهروبا من ضغوطات العمل.

إعداد: خالد الغازي

    في عطلة عيد الأضحى تصبح شوارع المدن الكبرى، خاصة الدار البيضاء والرباط وطنجة وفاس، خالية من الناس، ويسود الصمت والهدوء في جميع الأحياء والإقامات السكنية بعد رحيل أكثر من نصف السكان إلى البوادي والأقاليم الأخرى لقضاء عطلة العيد مع ذويهم، مما يدفع الآخرين للمكوث في بيوتهم وعدم الخروج للشوارع ووسط المدينة بعد إغلاق جميع المحلات ورحيل كل التجار عنها، في مشهد يعيد إلى الأذهان فترة الطوارئ الصحية زمن “كورونا”، حيث كانت السلطات تفرض إغلاق المحلات وفرض حظر التجوال على الناس، لكن في فترة عيد الأضحى السكان هم من يفرضون حظر التجول على أنفسهم.

تتمة المقال تحت الإعلان

من بين المظاهر التي تعرفها المدن الكبرى بعد أيام عيد الأضحى، توقف الحركة الاقتصادية والتجارية، وانخفاض رقم المعاملات التجارية بين التجار والمستهلكين وتراجع نشاط الكثير من القطاعات الحيوية، مثل البناء والمطاعم ومحلات بيع المواد الغذائية، إذ غالبا ما تكون جل المحلات التجارية، خاصة محلات البقالة، مغلقة بعد سفر أصحابها إلى جهة سوس بالخصوص، ومناطق الجنوب، مما يدفع الأسر إلى تخزين المواد الأساسية أو اللجوء إلى الأسواق الممتازة لشراء حاجياتها، حيث أن أكثر من نصف المغاربة أصحاب الأعمال الحرة والتجار وعمال البناء، يفضلون أخذ العطلة السنوية بعد العيد والتي قد تدوم إلى عشرين يوما أو شهر، قصد زيارة الأهل، أو القيام بإصلاحات في محلاتهم أو منازلهم، إذ تشكل هذه العطلة فرصة لترتيب الأمور والسفر خارج المدن.

أميمة شراض

في هذا الإطار، ترى أميمة شراض، أستاذة وباحثة في علم الاجتماع، أن ظاهرة هجرة المواطنين من المدن الكبرى نحو البوادي والمناطق الجبلية ترجع لظاهرة الانتماء الاجتماعي، حيث ترتفع بنسبة كبيرة في الأعياد الدينية وخصوصا عيد الأضحى، لدى شريحة اجتماعية كبيرة التي تغادر المدن الكبرى نحو البوادي والمناطق الجبلية للعودة إلى مسقط رأسها، منهم عمال وحرفيون وتجار أو عمال بناء ومستخدمون، حيث أن هذه النوعية من الناس هم في الأصل هاجروا من البوادي نحو المدن لأسباب متعددة، منها مستوى الدخل الشهري المنخفض، ضعف أجور العاملين في الزراعة، عدم وجود فرص عمل كافية ومناسبة، والرغبة في الانتقال لمستوى معيشي أفضل، ووجود فرص وآفاق تعليمية للأبناء، مضيفة أنه بالرغم من الظروف الإيجابية والاجتماعية الجيدة في المدينة، إلا أن العديد من الأسر والأشخاص خلال بعض المناسبات يفضلون العودة لمسقط الرأس، وذلك راجع للانتماء الاجتماعي الذي يشكل حيزا مهما لهذه الشريحة من المواطنين المنتمين للبادية والمناطق الجبلية.

وقالت الباحثة الاجتماعية، أن “هذه الهجرة نوعية لأنها ظرفية، لا تكون على طول السنة، وإنما خلال المناسبات أو فترات معينة، خصوصا عيد الأضحى الذي يعد فترة الراحة السنوية عند الحرفيين وعمال البناء بصفة عامة، حيث يحدث ركود مهني عند هؤلاء الناس، وتكون هذه العطلة بالنسبة لهم فرصة مناسبة للالتحاق بالأهل والرجوع إلى مسقط الرأس، لكن من جهة ثانية، لها أبعاد اقتصادية سلبية لأن معظم الحرفيين والمهنيين ومساعدي التجار والمطاعم وعمال البناء، عندما يأخذون الإجازة ويتوقفون عن العمل لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع مع حلول الصيف، الذي يعتبر فترة انتعاش سياحي، تتوقف الحركة والإنتاج، مما يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الوطني، أما اجتماعيا، فبالنسبة لهؤلاء الناس، تكون فترة العيد عطلة سنوية لإعادة إحياء الانتماء الاجتماعي للقاء العائلة وصلة الرحم، لكن اقتصاديا هنالك أبعاد غير إيجابية، خاصة بالنسبة لمدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط وأكادير ومراكش وطنجة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بوعزة الخراطي

من جانبه، قال بوعزة الخراطي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المستهلك، أنه “خلال عيد الأضحى الكثير من المهن يتوقف نشاطها وتدخل في عطلة سنوية، مثل الجزارين والمستخدمين في المطاعم وبعض البقالة وعمال البناء، وعدد من المجالات الأخرى ينخفض نشاطها خلال هذه الفترة”، مضيفا أن الكثير من الأشخاص الذين يشتغلون في هذه المهن بالمدن الكبرى (الدار البيضاء والرباط وطنجة وأكادير)، ينحدرون من مدن الجنوب مثل زاكورة، ورزازات، طاطا، الراشيدية، فجيج، وبعض المدن الداخلية، مثل وادي زم والفقيه بن صالح وبني ملال، وغيرها، لذلك يفضلون مغادرة المدن والعودة إلى مسقط رأسهم لقضاء العطلة السنوية بعد عيد الأضحى.

وأوضح الخراطي أنه خلال هذه الفترة، يحصل ركود اقتصادي بعد العيد يتراوح ما بين 10 إلى 20 يوما، ويكون القطاع الأول المتضرر هو قطاع البناء، بسبب غياب عمال البناء الذين يفضلون الراحة السنوية، ثم البقالة الذين يغلق الكثير منهم محلاتهم، وبصفة عامة، الحرفيون الذين لا نجدهم بعد انتهاء عطلة العيد، وهذا يؤكد مكانة وأهمية عيد الأضحى لدى المغاربة، حيث يعتبر بالنسبة لهذه الشريحة مناسبة للراحة ومغادرة المدينة والعودة للمدينة أو البادية الأم، حيث يحدث تراجع اقتصادي وفترة جمود، ثم بعدها تعود الحركة في الصعود تدريجيا، حتى المساحات التجارية الكبرى ينخفض رقم معاملاتها خلال هذه الفترة، ثم بعد مرور أسبوعين، يتم الرجوع بشكل تدريجي للنشاط المهني والتجاري.

وقال نفس المتحدث، أن جميع المدن الكبرى عرفت خلال السنوات الماضية هجرة قروية إليها، ثم مع تطور النشاط الاقتصادي والمناطق الصناعية استقطبت اليد العاملة من مدن الجنوب وغيرها، لهذا شكلت المدن ملجأ لساكنة العالم القروي التي أخذت في تراجع وانخفاض بسبب الهجرة إلى المدن، مثل الدار البيضاء، التي تعتبر المركز الاقتصادي للبلاد، وتجلب اليد العاملة بنسبة تصل إلى 40 في المائة من العمال والمستخدمين والناشطين في مختلف المهن والقطاعات، لهذا فخلال عطلة عيد الأضحى يغتنم الجميع الفرصة للسفر إلى المدينة الأصل وربط صلة الرحم مع العائلة، خاصة خلال فترة العيد التي تتزامن مع نهاية الموسم الدراسي والعطلة السنوية، لهذا قد تصل مدة الركود التجاري إلى عشرين يوما على صعيد المدن الكبرى والمتوسطة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالدار البيضاء من المدن الأولى التي تتحول إلى مدينة أشباح خلال عطلة عيد الأضحى، بعد سفر عدد كبير من ساكنتها إلى مدنهم الأصلية لقضاء العيد مع أهلهم، وتصبح الشوارع خالية من المارة وسهلة العبور عكس الأيام الأخرى، التي يعمها الاكتظاظ والضجيج والأشغال في الطرقات وأوراش البناء، حيث تتحول شوارع الروداني، والزرقطوني، وعبد المومن، والحسن الثاني، ومولاي سليمان، إلى شوارع شبه مهجورة باستثناء سيارات قليلة تجوب المدينة، وهذه فرصة للراغبين في الفسحة والتجول واكتشاف شوارع ومناطق المدينة بدون ازدحام وضجيج، ويسود صمت رهيب أبرز المناطق الاقتصادية في الدار البيضاء، خاصة الأحياء التجارية الشهيرة، مثل درب عمر، كراج علال، القريعة، بن جدية، بعد سفر مساعدي التجار وإغلاق محلات تجارة الجملة، إلى جانب توقف بعض المعامل والورشات الصناعية لمدة أسبوع وأكثر بعد رحيل العمال لقضاء عطلة العيد.

بدورها، العاصمة الرباط من المدن التي تعيش فراغا كبيرا في الشوارع والأحياء السكنية، بعد مرور عيد الأضحى، حيث تفضل الكثير من الأسر السفر إلى مدن الأصل لقضاء عطلة العيد التي تمتد إلى أسبوع أو أسبوعين عند البعض، لإحياء صلة الرحم ولقاء الأقارب، حيث تعتبر أيام العيد مناسبة للتجمع العائلي والتواصل المباشر بعيدا عن مواقع التواصل الاجتماعي، فالكثير من المقاطعات في العاصمة الرباط وسلا والقنيطرة وتمارة تصبح شبه فارغة، حتى المقاهي ينخفض عدد زبنائها، خاصة المقاهي المتواجدة وسط المدينة وفي الشوارع الرئيسية، بعد سفر الكثير من الموظفين والعمال والأجراء والحرفيين، الذين يفضلون تغيير الجو والمدينة هروبا من الضغوطات ونسيان مشاكل الحياة اليومية، مما يجعل الحركة التجارية شبه منعدمة خلال هذه الفترة بعد إغلاق جل محلات المدينة القديمة ومتاجر الملابس ومحلات بيع المواد الغذائية الأساسية و”المحلبات” ومتاجر الأجهزة الإلكترونية والهواتف النقالة.

مدينة طنجة ومدن أخرى مثل فاس ومراكش وأكادير، تعرف سفر أعداد كبيرة من المستخدمين والعمال نحو مدنهم الأصلية، فتتحول إلى مدن مهجورة، مما يؤدي إلى فراغ كبير وصمت يعم الأحياء والعمارات السكنية، وتتحول عدة أحياء إلى أشباح، لكون نصف اليد العاملة والفئة التي تشتغل في هذه المدن جاءت بهم الشركات الصناعية والمحلات التجارية والمطاعم والورشات الحرفية.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى