الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | خطة الاستعمار لإحراق المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 82"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    كان الرأي العام الدولي – وكان وزنه أخف مما هو عليه الآن – معارضا لكل غزو بالقوة لإمبراطورية المغرب، ونفس المعارضة كانت متواجدة في البرلمان الفرنسي، لكن القوة العسكرية الفرنسية المتواجدة في الجزائر لم تكن لتقبل فكرة الخضوع للضغط الدولي ولا معارضة البرلمان الفرنسي دون الاهتمام مطلقا بالرأي العام المغربي، لكنهم كانوا يجدون أنفسهم ملزمين بأن يضعوا في حسبانهم قوة المقاومة المغربية وضراوتها، وحاجتهم إلى الدعم المادي والعسكري المستمر من طرف الحكومة الفرنسية في باريس.

وكانت الخرائط العسكرية المتراصة على مكاتب المخططين لاحتلال المغرب مليئة بالمعطيات مشحونة بالثغرات، ولا شك أن ليال طويلة قضاها ضباط الجيش الفرنسي في التفكير في حل إيجابي لكل ما يطرحه عليهم من مشاكل هذا التركيب المعقد الذي يسمى المغرب، لكن أنانيتهم وغطرستهم كانت مصدر كل إلهام ومنبع كل وحي، ولم يكن لهم أي خيار غير الانتصار وكسب الرهان.

ومن خلال تسلسل الأحداث التي تعاقبت منذ صدور قرار احتلال المغرب، بمقتضى الضوء الأخضر الذي أعطي لهم في أعقاب مؤتمر برلين، يظهر جليا أنهم وضعوا لمخططهم الذكي، المتشبع بأفكار ليوطي، عنوانا كبيرا مسطرا عليه بالأحمر، وهو “إحراق المغرب”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وعندما يحترق أي كيان، وتلتهم النيران كل تركيباته وتتحول هياكله الصلبة إلى رماد، يصبح من السهل على أي كان أن يستحوذ على محيطه ويلم شتاته، وينفض الرماد عن جنباته ليقيم كيانا جديدا يتطابق ومخططاته وأهدافه.

وكذلك كان الأمر بالنسبة للمغرب..

ولم يكن صعبا على الفرنسيين آنذاك أن ينفذوا مخطط إحراق المغرب وهم الذين كانت لهم المعلومات متوفرة عن كل جزئية من تركيبات الكيان المغربي.. فقد كانوا عارفين بنقط الضعف، مندسين في شرايين الحياة، متربعين في النقط الحساسة للأعصاب المتحكمة. إذن، فالمخطط كان كما يلي:

تتمة المقال تحت الإعلان

– دفع المرتزقة لإعلان الحرب بين القبائل؛
– شغل السلطان بإعطاء الحرب بين القبائل هالة التمرد ضد النظام؛                                                                          – ضرب العرش في مبدأ سيادته بإعلان منافس للسلطان، حربا ضد السلطان؛
– تحطيم الكيان الاقتصادي وبث روح الفوضى والإفلاس؛
– تدخل الجيوش الفرنسية لضرب العناصر الثورية القوية باسم حماية المصالح الأجنبية؛
– دس العناصر قريبا من السلطان لتهويل الموقف ودفعه للاستسلام؛
– وطبعا الوصول إلى الهدف المنشود، وهو إمضاء عقد الحماية؛
– وصدرت الأوامر بالتنفيذ، وبدأت عملية إحراق المغرب.

وحيث أن ليوطي كان بوهران، غير بعيد من حدود المغرب، يسجل الانتصارات باستعمال بعض القبائل ضد الأخرى، فليكن البدء بإشعال نار الفتنة بين القبائل، ولتكن السيبة..

وفعلا، اندلعت أول فتنة كما سيأتي في حدود المغرب مع وهران.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن المستشارين العسكريين عادوا للتذكير بأن الشروع في تنفيذ هذه المخططات يقتضي الحصول على ضمانات سطحية وغطاء سياسي يبرر كل دخول في أي مغامرة مهما كان نوعها.

ومن يدري؟ ربما هبت ألمانيا لنجدة المغرب، وربما هبت بريطانيا لتقديم الدعم للمغرب.

إذن، لابد من تحريك ملف الوصاية الأجنبية على المغرب لمواكبة عملية إحراق هذا البلد، الذي كتب عليه منذ هذه اللحظات أن يذهب ضحية المناورات العسكرية والسياسية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فكيف كان تحريك ملف الوصاية الدولية المبررة للتدخل السياسي والعسكري الفرنسي؟ وكيف سيتم إقحام المجتمع الدولي في مغامرة فرنسية صرفة تحتاج بالدرجة الأولى إلى تزكية الأسرة الدولية؟

الوصاية الدولية

    كان الاتفاق البريطاني الفرنسي، المؤرخ بـ 8 أبريل 1904، ينص مقابل تنازل فرنسا عن مصر لفائدة بريطانيا، أن تتنازل بريطانيا عن المغرب لفرنسا شريطة أن تلتزم فرنسا بعدم احتلال المنطقة المواجهة لجبل طارق على الشاطئ المغربي، وذلك حتى تبقى بريطانيا سيدة مضيق جبل طارق والمتحكمة الوحيدة في البوغاز، وبمقتضى هذا الاتفاق تلتزم فرنسا بأن لا يتجاوز نفوذها نهر سبو، ولا مانع من أن تعطى هذه المنطقة المواجهة لجبل طارق لدولة ضعيفة هي إسبانيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبحكم أن بريطانيا كانت هي القوة العظمى في تلك الفترة، فإنه لم يكن لدى فرنسا أي اختيار، أما إسبانيا، فإنها وجدتها فرصة سانحة لتحتل المناطق الشمالية المغربية بدعم وتأييد من بريطانيا العظمى.

بينما ينص الاتفاق نفسه على أن لا تخضع طنجة لا للنفوذ الإسباني ولا الفرنسي، وأن يلفها حزام أمني عرضه خمسة عشر كيلومتر تبقى منطقة دولية.

وسارعت فرنسا إلى الاتصال بإسبانيا رسميا وتبليغها نص الاتفاق، وبذلك تدفنان معا خصوماتهما ومنازعاتهما سنة 1902 بشأن احتلال المغرب، حينما اضطرت إسبانيا للاستنجاد بألمانيا ودعوتها لاقتسام المغرب معها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي سابع أكتوبر 1904، تم التوقيع بين بريطانيا وفرنسا وإسبانيا على بروتوكول تقبل إسبانيا بمقتضاه نص الاتفاق الممضى بين فرنسا وبريطانيا في ثامن أبريل 1904.

وإذا تفحصنا الفرق بين ثاني أبريل وسابع أكتوبر من سنة 1904، اتضح لنا الاستعجال الذي كانت تسير به الأمور..

وينص الاتفاق بين فرنسا وإسبانيا على أن تعمل إسبانيا على احتلال المنطقة الشمالية من المغرب حسب التحديدات التالية:

– أولا: كل شمال المغرب باستثناء طنجة حتى إلى وادي لوكوس عند “الضاية الزرقاء”، ويمتد خط الحدود شرقا على امتداد 80 كيلومتر لينزل عند الخط الفاصل بين سبو وورغة، وعند وادي “كرط” جنوب الريف متجها نحو نهر “الملوية” التي يحاذيها الخط حتى البحر الأبيض المتوسط.

– ثانيا: وفي الجنوب، تحتل إسبانيا المناطق المواجهة للممتلكات الإسبانية في المحيط عند جزر “سانطا كروز”، والتي تعرف بمنطقة سيدي إفني، على أن ترتبط بخط منطلق من البحر شمال تزروالت مارا بين طاطا وتزنيت ومتجها نحو درعة على طول مائة كيلومتر ليتجه جنوبا نحو الساقية الحمراء ووادي الذهب، وليتوقف عند ما كان يسمى بـ”إفريقيا الفرنسية”.

وباستثناء هذا، فإن أيادي فرنسا مطلوقة في باقي التراب المغربي، وتغني نصوص هذا الاتفاق عن أي تفسير لمدلول الوصاية الدولية كما كان يفهمها الفرنسيون والبريطانيون والإسبان، إذ لم تكن هذه الوصاية إلا اقتساما مجردا للغنيمة الضخمة.. وإلا فأي بطن هذه بمستطاعها أن تلتهم هذا الحوت الضخم المترامي الأطراف ما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر السنغال.

ولقد فطنت إحدى القوات العظمى آنذاك، وهي ألمانيا، إلى مغزى ما كان يسمى بالوصاية الدولية على المغرب، فقررت الدخول بكل ثقلها في المناورة، وذلك بمد يد العون إلى المغرب ودعمه ضد ممارسة فرنسا وإسبانيا وبريطانيا لأي غزو للمغرب.

وبذلك تستجيب ألمانيا للنداءات المتكررة التي كان يرسلها المولى عبد الحفيظ وهو يعارض أخاه المولى عبد العزيز، ويزاول الجهاد ضد الغزو الفرنسي للمغرب.

وانقض المولى عبد الحفيظ على فرصة الغضبة الألمانية على فرنسا وإسبانيا، فأوفد أحد مبعوثيه إلى ألمانيا للمفاوضة في شأن المساعدات الألمانية للثورة المغربية ضد الاحتلال، وكان مبعوث المولى عبد الحفيظ هو يهودي سوري الأصل يسمى هولتزمان، وما إن وصل هولتزمان إلى ألمانيا برسالة المولى عبد الحفيظ حتى قوبل بالترحاب الكبير.

وانبرت المجموعة البنكية الألمانية، مجموعة “مانزمان”، لتقديم كل ما يطلبه المولى عبد الحفيظ من قروض، لكن بشرط، وهذا الشرط طبعا هو العنصر الجديد من عناصر الوصاية الدولية كما تراها ألمانيا، وينص هذا الشرط على أن يسلم المولى عبد الحفيظ لألمانيا عدة آلاف من الهكتارات في الأطلس المتوسط والحوز، وأن يعطي لمجموعة “مانزمان” كل التسهيلات لإقامة منشآت اقتصادية في الدار البيضاء.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى