تحقيقات أسبوعية

للنقاش | ماذا بعد اعتراف دول أوروبية بفلسطين ؟

كانت عملية “طوفان الأقصى” العلامة الفارقة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومن خلاله الصراع العربي-الإسرائيلي، والتي – لا محالة – ستكون لها تداعيات سياسية لم تظهر بعد، سيكون لها كبير الأثر في تحديد موازين قوى جديدة في العالم، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط، “تفاحة الجنة” على الأرض التي تتصارع كل القوى على قضمها، وقد بدأت معالم التغيير في الخارطة السياسية تلوح في الأفق بعدما أخذت مجموعة من الدول الأوروبية في الاعتراف تباعا بدولة فلسطين، وذلك بعد أن صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا، لصالح عضوية فلسطين في المنظمة الأممية، حيث حصد القرار الذي ينص على “وجوب انضمام الفلسطينيين إلى المنظمة مع منحهم حقوقا إضافية كدولة مراقب”، تأييد 143 دولة عضوا مقابل اعتراض تسعة أعضاء وامتناع 25 عن التصويت.

بقلم: جميلة حلبي

    “قبول دولة فلسطين عضوا في الأمم المتحدة” بدلا من وضعها الحالي “دولة مراقبة غير عضو”، الذي تتمتع به منذ سنة 2012، هو قرار سيكون له طبعا ما بعده في ظل ارتفاع وتيرة الاحتجاجات في المجتمع الغربي بالخصوص، وتوالي الاعترافات بدولة فلسطين على غير عادة السياسات الأوروبية والأمريكية الجنوبية، وهذا طبعا لا ينفي دور الدول العربية من خلال المشاورات والاتصالات المباشرة وغير المباشرة، لكن الخوف كل الخوف من أن تلغي مبادرة الدول الغربية دور الدول العربية في القضية الفلسطينية، ما يطرح التساؤل عن دور حركة “حماس” في مستقبل القضية على اعتبار أن كل المتدخلين في القضية يتعاملون مباشرة مع السلطة الفلسطينية المنتخبة وليس مع قادة “حماس”؟ وبالتالي، هل ما يتم حاليا من تحركات هو لتحييد “حماس” من مخرجات الصراع الدائر حاليا على الأرض ؟

لا يمكن استباق الأوضاع الجارية بمخرجات سوف تضعها قوى كبرى حسب المصلحة، ويتم اقتسام الغنيمة وفق ما يتم التخطيط له في إطار النظام العالمي الجديد، لكن الذي يبدو ظاهريا هو أن المنحى الذي تتخذه القضية الفلسطينية هو حل الدولتين، وفق “اتفاق أوسلو”، وهنا لا بد من التذكير بهذا الاتفاق الذي وقع تحت شعار “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي”، وقعته إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن يوم 13 شتنبر 1993، بين إسرائيل ممثلة بوزير الخارجية شمعون بيريز، ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات، بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وسمي الاتفاق بأوسلو اعتبارا  للمحادثات السرية التي تمت في العاصمة النرويجية في سنة 1991 والتي أفرزت هذا الاتفاق في ما عرف بـ”مؤتمر مدريد”، ووقع الطرفان على ما يلي: ((التزمت منظمة التحرير الفلسطينية على لسان رئيسها ياسر عرفات، بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن والوصول إلى حل لكل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة من خلال المفاوضات، وأن إعلان المبادئ هذا يبدأ حقبة خالية من العنف، وتبعا لذلك، فإن منظمة التحرير تدين “استخدام الإرهاب” و”أعمال العنف الأخرى”، وستقوم بتعديل بنود الميثاق الوطني للتماشي مع هذا التغيير، كما ستأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بها ومنع انتهاك هذه الحالة وضبط المنتهكين))، ومن جانبها ((تعترف حكومة إسرائيل على لسان رئيس وزرائها إسحاق رابين، بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل للشعب الفلسطيني، وبدء المفاوضات معها))، وهنا يتضح الفرق الشاسع بين التزام الجانب الفلسطيني وما التزم به الجانب الإسرائيلي..

تتمة المقال تحت الإعلان

كما وجه ياسر عرفات رسالة إلى رئيس الخارجية النرويجي آنذاك، يوهان يورغن هولست، أكد له فيها أنه ((سيضمن بياناته العلنية موقفا لمنظمة التحرير تدعو فيه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى الاشتراك في الخطوات المؤدية إلى تطبيع الحياة ورفض العنف والإرهاب والمساهمة في السلام والاستقرار والمشاركة بفاعلية في إعادة البناء والتنمية الاقتصادية والتعاون))، علما أن إعلان المبادئ يتضمن ((إقامة سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية (أصبحت تعرف فيما بعد بالسلطة الوطنية الفلسطينية)، ومجلس تشريعي منتخب للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، للوصول إلى تسوية دائمة بناء على قراري الأمم المتحدة 242 و338 بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية))..

وبالرجوع إلى القرار رقم 242، فهو القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي في 22 نونبر 1967، في أعقاب حرب يونيو 1967، التي أسفرت عن هزيمة الجيوش العربية واحتلال إسرائيل لمناطق عربية جديدة، وقد تضمن القرار “انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير”، (المقصود حرب يونيو)، غير أن أخطر ما انطوى عليه هذا القرار المشؤوم، هو أن صياغته باللغة الإنجليزية (هي التي تصاغ بها القرارات) حذفت “ال” من كلمة الأراضي لتصبح فقط “أراضي”، وذلك بهدف المحافظة على الغموض في تفسير القرار، وإضافة إلى “الانسحاب” نص القرار على “إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمنيا بإسرائيل” دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار “مشكلة لاجئين”، ومن ذلك الوقت وهذا القرار يشكل صلب كل المفاوضات والمساعي الدولية العربية لإيجاد حل للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما القرار الأممي رقم 338، فقد صدر في 22 أكتوبر 1973، من أجل “وقف إطلاق النار في حرب أكتوبر” وفقا لاقتراح مشترك من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وتضمن عبارة “الرعاية المناسبة”، ليتم فيما بعد فهمها أنها تعني رعاية أمريكية أو سوفياتية بدلا من رعاية الأمم المتحدة، اعتبارا لأن القوة الأخرى، جمهورية الصين، امتنعت عن التصويت لهذا القرار، وها هي الصين حاليا تدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف بجانب فلسطين بينما أمريكا تساعد إسرائيل بكل ما أوتيت من قوة..

ورغم هذين القرارين، وقرارات أممية أخرى، إلا أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا زال مستمرا إلى الآن.. فقط ينوع العدوان الصهيوني أشكال الاضطهاد والتقتيل لإرغام الفلسطينيين على الاستسلام للخطط التي يتم إقرارها في حقهم وترك وطنهم لكيان تم زرعه بموجب “وعد بلفور” وسط الأمة العربية والإسلامية، حتى تبقى الآلة الإمبريالية الغربية متحكمة في أزرار العالم، وفي ثروات المستعمرات السابقة، في مواجهة معسكر شرقي يلعب هو الآخر في ملعب غير ملعبه، خاصة بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وصعود نجم الصين من خلال “طريق الحرير” وغزو العالم عن طريق الاستثمارات في كل المجالات..

وبالعودة إلى مضامين “اتفاق أوسلو”، وخاصة “التزام” منظمة التحرير الفلسطينية بما تمت تسميته “حق إسرائيل في العيش في سلام وأمن”، وأن “إعلان المبادئ هذا يبدأ حقبة خالية من العنف”، وتبعا لذلك، فإن منظمة التحرير تدين “استخدام الإرهاب” و”أعمال العنف الأخرى”.. أليس في هذا إدانة صريحة للمقاومة الفلسطينية المسلحة ؟ حيث تم جر ياسر عرفات إلى الاعتراف بأن كل الأعمال الدفاعية للفلسطينيين عن طريق السلاح تعتبر “إرهابا”، وبناء عليه، يتم حاليا تصنيف “حماس” كجماعة إرهابية في الطريق إلى عزلها نهائيا عن المشهد السياسي، ليتم إقرار حل الدولتين على حدود 1967، وهو حل اقترح لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي على أساس قيام دولتين: إسرائيل وتقوم على أرض فلسطين المحتلة عام 1948، وفلسطين تبقى في أراضي حدود الرابع من يونيو 1967، قبل هزيمة العرب في هذه الحرب (النكسة)، وللتذكير، فأراضي 67 تضم الضفة والقدس الشرقية وغزة وما يربطها، وتشكل 22 في المائة من أراضي فلسطين، بينما تبقى إسرائيل في المناطق التي سيطرت عليها وتشكل مساحتها 78 في المائة من أراضي فلسطين التاريخية، رغم أن هذا الحل يبدو مستحيلا بالنظر إلى التعنت الإسرائيلي وضخامة الملفات العالقة، من جهة، ومن جهة ثانية، قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في 6 دجنبر 2017 ..

تتمة المقال تحت الإعلان

وها هي إسرائيل تسابق الزمن من أجل القضاء كليا على الفلسطينيين، أو هكذا يتم التخطيط له في انتظار صدور “وعد” آخر يكون أكثر شؤما من سابقه، وذلك بعد أن مرغت “كرامتها” السياسية في طوفان السابع من أكتوبر 2023، لأن ما يجري على الساحة يؤشر على تطورات أكثر خطورة بعد الإبادة الممنهجة في حق الفلسطينيين العزل، والدفع بهم نحو سيناء أو نحو المجهول والمجتمع الدولي لا زال غارقا في تجريب الخطط(..).

وفي ظل هذا التضارب في القرارات الأممية وغير الأممية.. يطرح اعتراف عدد من الدول بدولة فلسطين عدة تساؤلات.. ماذا يستفيد الفلسطينيون من هذه الاعترافات حاليا؟ هل هذا يعني أن هذه الدول ستتكتل وتقوم بالتدخل المباشر لوقف الآلة الحربية الصهيونية في حق الفلسطينيين، أم أنها تبقى اعترافات غير مؤرخة كتابيا وموثقة عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وبالتالي فهي لا تكتسب صبغة الإلزامية في أخذ قرار صارم لوقف العدوان الإسرائيلي ؟

فما يجري على الأرض لا يؤشر على قرب إيجاد حل للصراع الدائر في فلسطين، وبالتالي، فإن الاعترافات المتوالية بدولة فلسطين من طرف دول أوروبية لا يجب أن ينظر إليه بعين التفاؤل السياسي في ظل عدم اتخاذ أي قرار رسمي من طرف القوى التي بيدها الحل، يقضي بالوقف الفوري لإطلاق النار وعقد هدنة يتم خلالها وضع خطة للعمل على إيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية، أما وأن الإبادة الممنهجة في حق الفلسطينيين مستمرة لأكثر من ثمانية أشهر دون هوادة.. فهذه الاعترافات لا تنفع الفلسطينيين في شيء – على الأقل في الوقت الراهن – في ظل ثبات الرأي لدى معظم الحكومات الأوروبية أو الرؤساء، علما أن أي قرار لن يتخذ بشكل منفصل عن الاتحاد الأوروبي، وإنما هذه الاعترافات جاءت في سياق تغيير طرأ على مستوى الفكر الأوروبي، وهي مرحلة تتطلب وقتا أكثر من النضال في هذا الجانب ليتغير التفكير الغربي كليا وبشكل قاطع ليعطي بالتالي قرارات تضامنية مع العالم العربي والشعب الفلسطيني بالخصوص، وهو الذي كان لعقود طويلة يؤيد السياسات السائدة ويؤيد سياسة الاحتلال الصهيوني لفلسطين..

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى