تحقيقات أسبوعية

متابعات | حين تتصارع أمريكا مع الصين يتم رفس فرنسا.. فماذا عن المغرب ؟

هناك متلازمة في السياسة الخارجية الأمريكية لا تخطئ أبدا، ذلك أنه كلما واجهت الولايات المتحدة جهة ما إلا ويتم تدمير طرف ثالث بغض النظر عن كون هذا الطرف الثالث يعتبر حليفا أو عدوا لأمريكا. المهم أن يتم تدميره كي تحيا أمريكا.. فحين واجهت الاتحاد السوفياتي تم تدمير كل من فيتنام وكوريا وأفغانستان، وحين واجهت “القاعدة” تم تدمير العراق وإعادة تدمير أفغانستان، وحين واجهت روسيا تم تدمير أوكرانيا.. ويبدو في الأفق أن مواجهة الولايات المتحدة للصين ستنتهي من بين ما ستنتهي به إلى تدمير فرنسا، وتدمير فرنسا هذه المرة سيبدأ من كاليدونيا الجديدة.. وفي هذا الأمر ما يهمنا.

بقلم: المصطفى كرين

    صحيح أن المسافة بين كاليدونيا الجديدة والمغرب تتجاوز ثمانية عشر ألف كيلومتر، ولكن رغم المسافة هناك بعض من مصير وشيء من تاريخ مشترك بيننا.. التاريخ مرة أخرى، يا إلهي كم هو طويل نفس هذا التاريخ..!

هناك من يقول أن التاريخ يعيد نفسه، وهناك من يقول أن التاريخ الذي نحسبه مات وانتهى يلحق بنا دائما وفق أجندته الخاصة، وهذا الأمر يكون صحيحا أحيانا وأحيانا أخرى يخيب، ولكن يبدو أنه صحيح جدا هذه المرة فيما يتعلق بقضية كاليدونيا الجديدة، المستعمرة الفرنسية في المحيط الهادئ، وإذا كان المحيط الذي تقع فيه كاليدونيا الجديدة ليس بذلك الهدوء الذي يوحي به اسمه (على الأقل نظريا)، فإن الجزر على العكس من ذلك تغلي تماما وحرفيا هذه الأيام، فكاليدونيا الجديدة هي مجموعة جزر تم اكتشافها من طرف البريطانيين على يد البحار جيمس كوك، ذي الأصول الأسكتلندية، وهو الذي أطلق عليها اسم “كاليدونيا الجديدة”، وهو الاسم القديم لبلده اسكتلندا، قبل أن تسقط كاليدونيا الجديدة هذه تحت الاستعمار الفرنسي في سنة 1853، ومكر التاريخ يتجلى في أن التفويض الذي منحه لفرنسا على الجزر قد انتهى وآن الأوان لإخراج الفرنسيين منها و”إعادتها” للبريطانيين مرة أخرى، أو الأنجلوسكسونيين بتعبير أصح.. فكيف ذلك ؟ 

تتمة المقال تحت الإعلان

كباقي المستعمرات الفرنسية، ظلت كاليدونيا الجديدة ترزح تحت حالة من الفقر والتهميش والتخلف والاستغلال البشع لمواردها وموقعها الاستراتيجي، بينما استقلت باقي الجزر والمستعمرات المحيطة بها في المحيط الهادئ منذ بداية الستينيات، وهو ما دفع بالسكان الأصليين: الكاناك (الذين يشكلون حاليا نصف سكان الجزر)، إلى إعلان حالة العصيان في بداية الثمانينيات والمطالبة بالاستقلال، الاستقلال وليس الانفصال كما تريد فرنسا تسميته، لأن الجزر مستعمرة وليست جزء أصيلا من التراب الفرنسي، حتى أن أقصر مسافة بين فرنسا والجزر تتجاوز ستة عشر ألف كيلومتر.

انطلقت مطالبة الكاليدونيين الأصليين بالاستقلال بقيادة جبهة التحرير الوطني الكاناكية الاشتراكية، المعروفة اختصارا بـ FLNKS، ما بين سنتي 1984 و1988، ما أدى في يونيو من سنة 1988 إلى توقيع ما عرف بـ”اتفاق ماتينيون” بين باريس والاستقلاليين بقيادة جان ماري تجباو، الذي تم اغتياله لاحقا (في 4 ماي 1989)، وكان الاتفاق يقضي بتمكين الجزر من وضع مؤقت لمدة عشر سنوات، يتلوه استفتاء على الاستقلال، وبينما عاد الهدوء إلى الجزر، استغلت فرنسا تلك الفترة للسيطرة على الموارد الحيوية للجزر، مثل الشركة المعدنية لجنوب المحيط الهادئ، وغيرها، واستمر معها تهميش السكان الأصليين بشكل لا يصدق، حتى أنه يكفي للتدليل على ذلك أن نعرف أن فرنسا التي احتلت الجزر منذ سنة 1853 لم تسمح بتخرج أول طبيب من السكان المحليين الكاناك إلا في سنة 2007 (جاك لاليي)، وأول محامي (فرانكي ديهاسي) في سنة 2016   .

“اتفاق ماتينيون” لسنة 1988 كان يقضي بتجميد لوائح الناخبين إلى حين الحسم في استقلال الجزر عن طريق الاستفتاء، كما تم تعزيز اتفاق 1988 باتفاق آخر في 1998، يعطي للجزر حكما ذاتيا مع برمجة ثلاث استفتاءات..

تتمة المقال تحت الإعلان

لحد الآن، كانت القضية الكاليدونية قضية تصفية استعمار، ولكن تقاليد فرنسا في تدبير مستعمراتها وموقع كاليدونيا الجديدة، وخصوصا ارتفاع حدة الصراع بين الولايات المتحدة والصين، جعل الجزر في قلب صراع جيوسياسي بين الجبابرة لم يعد فيه لدولة متوسطة الحجم وعلى طريق الانهيار مثل فرنسا، أي مكان هذه المرة.. وطبعا ما يهم الأمريكيين في كاليدونيا ليس فقط ما تنتجه، وهي تنتج الكثير، ولكن يهمها شيئان آخران جوهريان: أولهما موقعها الاستراتيجي على مقربة من الصين بما يساعد واشنطن على الاستمرار في عملية احتواء ومحاصرة بكين، وثانيهما مجالها البحري الذي يصل مليونا ونصف المليون كيلومتر مربع تقريبا، وللتذكير والتوضيح، فالمجال البحري الفرنسي، البالغ تقريبا أحد عشر مليون كيلومتر مربع، يتوزع كالتالي: 66 % منه تقع في المحيط الهادئ بما في ذلك كاليدونيا الجديدة، و27 % في المحيط الهندي، بينما لا يشكل المجال البحري الفرنسي على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي سوى 7 %، مما يعني أن فقدان فرنسا لتواجدها الاستعماري في المحيطين الهادئ والهندي سيترتب عنه فقدانها لثلاثة وتسعين في المائة من مجالها البحري الحالي، وبالتالي، لن يتبقى لها ما يبرر صناعتها البحرية، العسكرية منها والمدنية، وقد يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في بنية الصناعات العسكرية الفرنسية.

لا أدري إلى متى سيظل هذا المجال البحري تابعا لباريس، ولكن يبدو أن الأمر لن يطول كثيرا، لأن الحرب الصينية الأمريكية المقبلة صارت وشيكة وستدور حتما وبكل تأكيد في البحر، وبالضبط في المحيطين الهندي والهادئ، وفي هذه الحرب تحتاج واشنطن إلى المجال البحري الفرنسي في المحيطين المذكورين لتدبير حربها ضد بكين، وخصوصا بعدما صارت الصين تتفوق فعليا على أمريكا من حيث التجهيزات والعتاد الحربي البحري، باستثناء حاملات الطائرات، وهو  مجال تسير فيه الصين بخطى عملاقة تنبئ بأن 2030 ستكون سنة تتغير فيها المعادلات في هذا الصدد وصارت تملك ثلاث حاملات طائرات عملاقة والباقي في الطريق..

تتمة المقال تحت الإعلان

إن عملية “طرد فرنسا” من المحيط الهادئ والهندي لم تبدأ اليوم، كما أنها ليست مجرد مصادفة، بل هي عملية مبرمجة بدقة وتفصيل من طرف واشنطن، وتندرج تماما ضمن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية لما بعد الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي وما تلاهما بعد ذلك من صعود مهول للصين اقتصاديا وعسكريا، وصعود روسي عسكري وجيوسياسي لم يكن متوقعا، فالسياسة الخارجية لأمريكا والتي ظلت منذ الحرب العالمية الثانية تتمحور حول مناطق انتشار ونفوذ دول الحلف الأطلسي، أي أوروبا والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، حيث كان التهديد الرئيسي حسب التقييم الأمريكي لتلك الفترة، شهدت (السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية) تحولا جذريا مع إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، سنة 2014 عن المشروع الأمريكي المعروف باسم “Pivot to Asia”، أي التحول نحو آسيا، والشرق بشكل عام، وهو ما ترتب عنه انطلاق عملية أمريكية معقدة للهيمنة على منطقة المحيطين الهادئ والهندي في سياق عملية استباقية تهدف إلى محاصرة الصين من جهة، وروسيا من جهة أخرى، مرورا من جهة عبر توقيع أو إحياء العديد من الاتفاقيات والتحالفات التي لأمريكا مع دول المنطقة، بدءً باليابان ثم الهند وأستراليا والفلبين والفيتنام وغيرها، ومن جهة ثانية، عبر إقصاء أي دولة من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي من شأنها التفكير في اقتسام النفوذ في المنطقة مع واشنطن أو التشويش على المخطط الأمريكي هناك، باستثناء الدول الأنجلوسكسونية ذات الارتباط العضوي بأمريكا وتحديدا المملكة المتحدة وأستراليا، وفي هذا السياق جاء الاتفاق الأمريكي-الأسترالي-البريطاني المعروف بـ”أوكوس” (AUKUS) في شهر شتنبر 2021، والذي ترتب عنه إلغاء صفقة الغواصات التي كانت أستراليا قد وقعت عليها مع فرنسا واستبدالها بصفقة غواصات أمريكية، والحقيقة أن الهدف من تلك الصفقة لم يكن استبدال غواصات فرنسية بأخرى أمريكية وإنما فقط إلغاء صفقة الغواصات الفرنسية وما ترمز إليه من وجود ونفوذ عسكري فرنسي بالمنطقة، حيث اعتبرت واشنطن أن باريس تجاوزت الهامش المسموح لها به، أما الغواصات الأمريكية فقد صار الجميع يعلم اليوم أن كانبيرا (العاصمة الأسترالية) لن تتسلمها لا في الوقت ولا بالشروط التي كانت تنتظرها إلا وفق الأجندة الأمريكية للصراع مع الصين في المحيطين الهندي والهادئ – هذا إن تسلمتها أصلا – كما أن طواقم تلك الغواصات لن تكون أبدا أسترالية لأن واشنطن لن تسمح بتسرب تكنولوجياتها النووية البحرية.

ومما زاد من اقتناع الأمريكيين بضرورة تسريع عملية طرد فرنسا من كاليدونيا الجديدة، هناك عاملين رئيسيين: أولهما التقارب الصيني الفرنسي، والتصريحات السابقة للرئيس الفرنسي حول نهاية مفترضة للحلف الأطلسي، ثم لاحقا حين زار الصين في السنة الماضية وقال أن “أوروبا يجب أن تتحرر من التبعية السياسية والاستراتيجية لأمريكا، وأنها يجب أن تفكر في علاقاتها مع الصين وفق مصالحها الحيوية الخاصة”، وهو بالطبع تصريح على درجة عالية من الخطورة لن تسمح واشنطن بمروره حتى تعطي بباريس، الدولة النووية والعضو الدائم في مجلس الأمن، المثال للدول الأخرى التي قد تفكر أو تتسبب في عرقلة سياسات واشنطن عبر العالم بشكل جدي، وبالتالي، فقد جعل الرئيس إيمانويل ماكرون واشنطن تصنف فرنسا بشكل نهائي ضمن الحلفاء غير الموثوقين، وربما غير الحلفاء بشكل ما..

عدم وثوق واشنطن في باريس دفعها كذلك إلى تعزيز القوة العسكرية لكل من بولونيا وتشجيع ألمانيا على التصريح بأنها الأجدر بقيادة أوروبا عسكريا وأمنيا، لإضعاف فرنسا.

تتمة المقال تحت الإعلان

والعامل الثاني، يتعلق بالاتفاقية العسكرية والأمنية التي وقعتها بكين مع جزر سالومون.. هذه الجزر التي توجد أيضا في المحيط الهادئ وتتوفر على مجال بحري هائل وتفتح لبكين مجالا إضافيا للمناورة البحرية، ويهدد الاتفاق بين بكين والجزر المجال البحري المتاح للأنجلوساكسونيين بشكل عام وتحالف “أوكوس” بشكل خاص، خصوصا وأن جزر سالومون – أو سليمان – أقرب بكثير إلى أستراليا من الصين، وتتيح لهذه الأخيرة أن تقف على رأس أستراليا وحلفائها بما تتوفر عليه من وسائل تواصل وتكنولوجيا تجسس متطورة جدا حتى بالنسبة للندن وواشنطن، وهو ما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تتخوف بشكل كبير من سقوط كاليدونيا الجديدة وباقي جزر المحيطين الهادئ والهندي كقطع الدومينو في تحالف مع الصين على غرار جزر سليمان، وتتسبب في خنق التحالف الأمريكي-البريطاني-الأسترالي، لأن كاليدونيا الجديدة الموجودة إلى الجنوب من جزر سليمان، تتوفر أيضا على مجال بحري هائل – كما أوردنا – وتطل على أستراليا شرقا، ومن هنا صار من المنطقي جدا أن تعمل واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر على تشجيع سكان جزر كاليدونيا الجديدة على التمرد على سلطة باريس، وفق الوصفة المعروفة للثورات الملونة، في أفق توقيع عقد تبعية لواشنطن فور استقلالها عن فرنسا.

ولذلك صرحت أستراليا على لسان العديد من دبلوماسييها، مثل دونيز فيشر في يناير الماضي بخصوص الاستفتاء الذي أجرته باريس في الجزر سنة 2021، والذي قاطعه الاستقلاليون الكاناك، بأن “المستقبل السياسي لكاليدونيا الجديدة يظل غير واضح، وأن الاستفتاء الذي أجرته فرنسا في الجزر حول الاستقلال غير ذي مصداقية”، كما أن “الكاناك يريدون استفتاء تحت رعاية دولية”، وهنا يصير الأمر واضحا تماما، فالاستفتاء تحت الرعاية الدولية يعني تحت الرعاية الأمريكية، والباقي معروف.. إنها تصريحات بالوكالة تعبر عن الرأي والمصالح الأمريكية والأنجلوساكسونية وليس عن وجهة نظر أستراليا.

وأكثر من ذلك، وبعد كل هذا، أتوقع لاحقا أن تطرد أمريكا فرنسا كذلك من كل من بولونيزيا والجزر المشتتة (حول مدغشقر)، وغيرها، لأسباب جيوستراتيجية محضة.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولهذا قلت دوما – ولا زلت أردد منذ عقدين من الزمن – أنني إذا كنت شخصيا مع الاقتداء بالنموذج الصيني، فإنني أتفهم أيضا أن يعزز المغرب علاقاته مع أمريكا، ولكن المراهنة على فرنسا مراهنة خاسرة وإلا فإننا نغرق في النوم في الوقت الذي يستيقظ فيه العالم من حولنا، ولا يغرنك كثرة المهللين والمزغردين لأنهم في كل واد يهيمون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى