تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | المقاولات العمومية من المغربة إلى الخوصصة..

كان من مخرجات المجلس الوزاري الأخير، الذي ترأسه الملك محمد السادس، اعتماد “التوجهات الاستراتيجية السبع للسياسة المساهماتية للدولة”، التي تعتبر إحدى “الركائز الأساسية لمشروع إصلاح قطاع المؤسسات والمقاولات العمومية”، وهو الورش المعهود به إلى الوكالة الوطنية المكلفة بالتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة، والحال أن مسألة إصلاح المقاولات العمومية مرت عبر عدة مراحل، ويحاول هذا الملف استعراض أهم الإصلاحات التي شهدتها المقاولات العمومية منذ الاستقلال إلى الآن.

أعد الملف: سعد الحمري

 

تتمة المقال تحت الإعلان

عملية المغربة.. أول إصلاح استهدف المقاولات العمومية

    كانت أول عملية لإصلاح المقاولات والمؤسسات العمومية تلك التي وقعت سنة 1973، وهي التي تعرف بمغربة المؤسسات العمومية، واسترجاع أراضي الاستعمار الخاص من يد المعمرين الفرنسيين.. فقد بدأت العملية بالمصادقة يوم 2 مارس 1973 على ظهير يهدف إلى استعادة ما قدره 300000 هكتار من الأراضي من أيدي المعمرين، بينها 260000 هكتار كان يسيطر عليها 2000 من ملاك الأراضي الفرنسيين، مع العلم أن الدولة المغربية كانت قد استعادت 300000 هكتار من أراضي الاستعمار الرسمي سنة 1963، واشترت 350000 هكتار من أصحابها بشروط جيدة، من جملة المليون هكتار المكونة لأراضي المعمرين، وتعود أسباب رغبة الدولة في استرجاع هذه الأراضي الفلاحية التي كانت تحت سيطرة المعمرين الفرنسيين، إلى رغبتها – حسب ما ذكر المؤرخ بيير فيرمورين في كتابه “تاريخ المغرب منذ الاستقلال” – إلى رغبة البلاد في تقوية جانب الأعيان القرويين، فهم الأساس الأشد وفاء للدولة، حيث كان القرويون في ذلك العهد يشكلون نسبة 64 % من ساكنة المغرب.

وإلى جانب ذلك، خلق التزايد الديموغرافي لعدد المغاربة أزمة في مجال التشغيل، وكان الأجانب لا يزالون يشغلون 25000 منصب تأطيري بينها 20000 يشغلها أشخاص من غير الحاصلين على شهادة الباكالوريا، فجاءت الظهائر والمراسيم الصادرة في مارس وماي 1973 لتعلن عن انطلاق مغربة الأموال الأجنبية في التجارة والصناعة، ولم يكن الغرض تحويل الأموال الأجنبية إلى أملاك جماعية، بل كان الهدف تحويل الممتلكات الاقتصادية، التي كان ما يزيد عن 50 % منها بأيدي الأجانب، إلى الرأسمال المغربي الخاص، عن طريق الصفقات الحرة، وقد همت هذه العملية 30 % من الأموال الداخلة في القطاع الثالث، أي التجارة، في ما عدا الصيدليات والمكتبات والسياحة، أي ما تعداده آلاف مؤلفة من المقاولات، ولم تستثن هذه المغربة المتدرجة الرأسمال الأجنبي.. فقد صارت غالبية أعضاء المجالس الإدارية للأبناك وغالبية رؤسائها من المغاربة، لكن بعض المتعاملين المسخّرين ظلوا يمكنون للرأسمال الأجنبي أن يظل له التحكم الفعلي، وقد انتقل الرأسمال المغربي في قطاع الصناعة من 18.5 % إلى 55 %.

تتمة المقال تحت الإعلان

وزاد هذا التحرير من توسيع نطاق الرأسمال العمومي.. فقد صارت الشركات المالية الكبرى: البنك الوطني للإنماء الاقتصادي، والصندوق الوطني للاستثمارات، تكتلات تسمح بتدبير الذمة المالية للدولة، كما أنها وسعت من القاعدة المالية للبورجوازية، وقد صارت المعارضة تسخر من هذه العملية، ذلك أن كبار الملاك هم وحدهم الذين صار في إمكانهم الاستدانة لشراء المقاولات أو المشاركة فيها.. فقد تحكم الفاسيون في القطاع البنكي، فيما اتجه الأمازيغ إلى الاستثمار في الصناعة التحويلية، وإذا بعدد الأثرياء أصحاب المليارات في المغرب قد أضحى في سنة 1978 يقدر بحوالي 300 فرد، وصارت 36 أسرة تتحكم في ثلثي رؤوس الأموال التي تمت مغربتها، وثلاثون أسرة تتحكم في ربع رؤوس الأموال الموظفة في القطاع الخاص.

لقد خلقت عملية المغربة مشكلة كبيرة للدولة، حيث اتسعت الفوارق بين طبقات المجتمع، حيث أصبحت هناك فئة تعيش في ثراء فاحش وأخرى فقيرة، وبدأ الأمر يتسلل للمنابر الإعلامية الدولية في كثير من الأحيان، بل تم طرح عدة أسئلة على الملك الحسن الثاني في هذا الإطار، حيث سألته الصحافة الفرنسية سنة 1978 عندما أدلى بحديث لإذاعة “فرانس أنتير” يوم 31 أكتوبر 1978، وكان السؤال كالتالي: “إن تلك الفوارق الطبقية تصدم الزائر الأجنبي؟”، فكان جواب الملك: ((إنها تصدمنا نحن أنفسنا.. إن الشيء الذي يقلقنا هو هذه الفوارق التي ما فتئت تزداد اتساعا، إننا نأمل مشاهدة مؤسساتنا العمومية ومكاتبنا وشركاتنا التي لنا مصلحة في تحسينها وتبسيط سير أعمالها، تعمل بصورة فعالة، وأخيرا سيكون مخططا للإنجازات نظرا لوجود غلاف مالي هام، سيكون على الأخص مخططا للإصلاح الإداري يمكن الأداة التي هي الدولة المدعوة للتدخل أكثر فأكثر وبسرعة وبدون مبالغة ولكن بفعالية)).

وقد استمر الأمر وظلت الفوارق الاجتماعية تكبر يوما بعد يوم، حتى أن العديد من رجال الأعمال المغاربة دخلوا في مضاربات عقارية ومارسوا سلوكات وصل صداها إلى الصحافة العالمية، مما جعل الصحافة الفرنسية تطرح على الملك مجددا سؤالا سنة 1979 حول سلوك المضاربين والمحتكرين وبعض رجال الأعمال المغاربة، وهو ما جعله يجيب بالتالي: ((إني أعرف ما يجري في البلاد، ولست منعزلا عن شؤون شعبي، وقد تحدثت عن الفوارق الاجتماعية خلال الخطاب الذي افتتحت به البرلمان، وأعتبر الفوارق بين الأجور نوعا من التحدي، خصوصا وأن هؤلاء المحظوظين الذين يستفيدون من أجور عالية جدا، يتهربون من تحمل المسؤوليات عندما نكون في حاجة إليهم، فهم يعتبرون جاحدين للوطن لأنهم يستفيدون من جميع الامتيازات ولا يريدون تحمل المسؤوليات))، وتعهد الملك بالتصدي لهؤلاء مادام على قيد الحياة، وآخذ عليهم تقليدهم لمستوى الحياة في ألمانيا الغربية أو فرنسا وتناسيهم أنهم يعيشون في بلد متخلف، وعن سؤال آخر حول “ما إذا كان هؤلاء يساعدون على انتشار خطر يهدد الملكية ويهدد الدولة؟”، فقد أجاب الملك: ((إن موقف هؤلاء ليس وليد اليوم، بل كانوا كذلك منذ زمن بعيد، فقد طلب أحد الأصدقاء من بعضهم، عندما كانوا يتزحلقون على الثلج في الخارج، تأسيس صندوق لأداء أتعاب محامي يدافع عن محمد الخامس عندما كان في المنفى بمدغشقر، فما كان من هؤلاء إلا أن اعتذروا لعدم توفرهم على أموال في الخارج حينذاك))، وسئل الحسن الثاني خلال نفس الحوار الصحفي عما “إذا كان من بين الأفراد المحيطين به من يتسببون له في الإحراج بسبب اختلاس أموال عمومية أو خيانة؟”، وكان جوابه كالتالي: ((إن ذلك ليس واردا))، وأكد أن ((من بين مساعديه أطباء ومحامين كانوا يزاولون مهنتهم وتخلوا عنها مقابل أجرة تبلغ مليونا و200 ألف سنتيم شهريا)).

تتمة المقال تحت الإعلان

رغم تعهد الملك بالتصدي لرجال الأعمال الجدد، إلا أن خطاباته والحلول التي تم طرحها لم تؤد إلى نتيجة، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى أحداث 1981 أو ما يعرف بـ”انتفاضة الكوميرا”، التي جعلت الدولة تفكر في حل آخر، وهو برنامج التقويم الهيكلي الذي فرضه صندوق النقد الدولي على المغرب.

الخوصصة.. طور ثاني من الإصلاح استهدف المقاولات المغربية

تتمة المقال تحت الإعلان

    أظهر تطور الإصلاح الاقتصادي في المغرب أنه على امتداد سنوات ما بعد انخراط الدولة في برنامج التقويم منذ سنة 1983، أصبحت الخوصصة أحد العناصر التي تحدد رؤى المقررين لتدبير الاقتصاد، وإذا كان اختيار الخوصصة قد تطور في اتجاه توافق القوى السياسية والاقتصادية الرئيسية على عناصره الأساسية، فإنه في البداية عرف نقاشا حادا ولقي معارضة قوية، حيث أن العديد من القوى السياسية والمجتمعية كانت ترى في هذا التوجه آلية من شأنها أن تضعف الاقتصاد الوطني وتجعله رهينة للقطاع الخاص، وأن الشعب المغربي سيكون المتضرر الأساسي من هذه السياسة، ويمكن إجمال مواقف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين عند طرح الخوصصة للنقاش، في اتجاهين أساسيين: اتجاه مؤيد لبرامج الخوصصة مثلته الدولة والأحزاب المؤيدة لها والقطاع الخاص، واتجاه معارض لها تمثل أساسا في أحزاب المعارضة آنذاك والمنظمات النقابية.

وقد انبنت أطروحة الاتجاه المؤيد للخوصصة، على أن القطاع العمومي استنفذ الأدوار المنوطة به، وأنه أضحى يتعين على الدولة مراجعة علاقتها به، حيث ينظر أصحاب هذا الاتجاه إلى أن تفويت بعض المقاولات العمومية لفائدة القطاع الخاص يشكل ترسيخا للاختيار الاقتصادي الليبرالي الذي انخرط فيه المغرب منذ السنوات الأولى للاستقلال، وأن من شأن تطبيقه أن يدفع باتجاه تحقيق مرونة أكثر في تدبير الاقتصاد، ويوسع قطاعات الأنشطة الصناعية والتجارية، التي يمكن أن يضطلع بها القطاع الخاص بطريقة أكثر فعالية من القطاع العمومي.

واعتبر دعاة هذا الاتجاه أن استمرار الدولة في تدبير القطاع العمومي، وفق النمط الذي اتبع على مدى عقدي الستينات والسبعينات، يشكل حاجزا بالنسبة لتنمية المبادرة الخاصة، ومن شأن الاستمرار في تدعيم القطاع العمومي أن يعيق إمكانية المبادرة أمام جيل جديد من المقاولين في طريق التشكل، ويحبط قدراتهم في تنمية تطور اقتصادي حديث في وقت يبدو فيه أن الاقتصاد المغربي في حاجة لكل طاقاته للخروج من هذا الفتور الذي خلفته التوجهات التدخلية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي هذا السياق، تبدو الخوصصة بالنسبة لمناصريها ليس فقط تحويلا للملكية من القطاع العمومي إلى القطاع الخاص، لكنها تدعم آليات السوق، وذلك بفرض أحسن تخصيص للموارد وتنمية دور المبادرة الخاصة، وفي هذا الصدد، يرى الاتحاد العام لمقاولات المغرب، المخاطب الرئيسي للقطاع الخاص، أن الخوصصة يعول عليها كقوة دفع لبروز مجموعات وطنية مهنية منسجمة تحفز المستثمرين، وتمثل فرصة للدولة لإعادة هيكلة النسيج الاقتصادي، وتنمية رؤوس الأموال المغربية والخبرة الوطنية، إذ تنطلق أطروحة هذه الهيئة من أنه في ظل اقتصاد يباشر الخوصصة ويشجع دور المقاولة الخاصة، ترتفع إنتاجية العمل ويتنامى الاستثمار.

فضلا عن هذه الجوانب، ارتكز خطاب الدولة في دفاعه عن الخوصصة، على أهمية هذه السياسة في جلب الاستثمارات الأجنبية وكآلية تمكن من الاستفادة من الإمكانات التي يقدمها هذا الأخير، ذلك أنه من الأهداف الرئيسية التي قدمت من طرف الدولة للدفع بهذه السياسة، توسيع إمكانية الاقتصاد المغربي على الانفتاح على الاقتصاد الأجنبي، حيث نظر إلى أن عملية التفويت لمستثمرين أجانب تعتبر عملية مربحة بفضل ما يتمتع به المقاولون الأجانب من قدرة على حسن تسيير المقاولات النابع من تجاربهم الغنية.. فقد برز منذ اعتماد برنامج الخوصصة اتجاه الدولة نحو توظيف هذه السياسة لجلب الاستثمارات الأجنبية واستمالتها للاستثمار في المغرب.

وهكذا، ذهب الملك الراحل الحسن الثاني في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة الربيعية لمجلس النواب بتاريخ 8 أبريل 1988، إلى أن إشراك رؤوس الأموال الخارجية في عمليات التفويت يعتبر أحد أهداف سياسة الخوصصة.. فمما ورد في هذا الخطاب: ((وإذا كان الحذر يقتضي منا أن نجنب بلادنا مخاطر التدخل الأجنبي في الميدان الاقتصادي، فإن المغرب لا يسعه أن يتهاون بالمكاسب التي يمكن أن يحصل عليها في الأسواق الدولية في الوقت الذي تسعى فيه النظم الاقتصادية المنغلقة على نفسها إلى اجتذاب رؤوس الأموال الخارجية.. إن شعارنا في هذه المرحلة من مراحل تطورنا الاقتصادي، يجب أن يكون نحن مستقلون ولكننا متفتحون)).

تتمة المقال تحت الإعلان

في مقابل طروحات الاتجاه المؤيد لسياسة الخوصصة، برزت معارضة قوية لعدة قوى اقتصادية واجتماعية وسياسية تجاه سياسة الخوصصة.. لقد ارتكزت دفوعات أصحاب هذه المواقف بالأساس على ما ينتظر أن يفرزه تنفيذ عمليات التفويت من أثار سلبية اقتصادية واجتماعية، فرأوا في مسلسل تفويت القطاع العام حلقة جديدة في مسلسل تنمية الفوارق الطبقية لصالح الأقلية، وتوسيع سيطرتها على الاقتصاد، وأنه في إطار هذه السياسة تصبح الخوصصة آلية تقود إلى تمركز رؤوس الأموال والملكية لفائدة أقلية المحليين والأجانب التي استفادت من الامتيازات التي خولتها لها الدولة منذ الاستقلال، كما اعتبرت العديد من الكتابات أن اختيار هذه السياسة صيغ وفق تصور غير واضح المعالم والأهداف أملته ضغوط المؤسسات المالية الدولية تحت ظروف الضائقة المالية التي عرفها المغرب بين نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وبما يعنيه ذلك من ترجيح الهاجس المالي الآني الضيق على الاهتمامات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى مكانة وأدوار القطاع العام في البناء الوطني والتنمية الشاملة بكل أبعادها، وقد كان للمخاوف الاجتماعية حضور في طروحات الاتجاه المعارض، إذ لم يتوان أنصار هذا الاتجاه في التأكيد على أن تفويت المؤسسات العمومية سيترتب عنه تقليص الخدمات المقدمة من طرف الدولة مع ما يعنيه ذلك من تقليص القدرة الشرائية للمواطنين وازدياد معدلات البطالة نتيجة لإمكانية تسريح العديد من المأجورين.

إضافة إلى هذه التصورات، هيمن على خطاب معارضي الخوصصة هاجس التخوف من أن تقود إلى تدويل القطاعات الهامة للاقتصاد الوطني، وفرض تبعيتها للخارج، والذي بموجبه تصبح الشركات متعددة الجنسية والدول القوية تلعب الدور الفاعل في تحديد قواعد اللعبة الاقتصادية، وتتحكم في حركية رؤوس الأموال في الاقتصاد العالمي الجديد، كما رأوا أن من شأن الخوصصة أن تجعل الاقتصادات الوطنية مرتبطة بالصدمات الخارجية وتجعلها عرضة لأزمات اقتصادية واجتماعية حادة.

رغم تعدد جوانب معارضة سياسة الخوصصة، وكثافة الضغط الذي باشرته القوى السياسية والاقتصادية المناوئة لتوجهاتها والذي تعددت آلياته وتنوعت مجالاته، سواء داخل البرلمان أو على أعمدة صحف المعارضة، أو في تحليلات الباحثين، فإن الخوصصة أخذت المنحى الذي رسمته لها السلطة السياسية، ابتداء من سنة 1989، وفرضت نفسها مكونا أساسيا للسياسة الاقتصادية للبلاد.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى