تحقيقات أسبوعية

مع الحدث | التراشق السياسي يعجل بنهاية الحياة الحزبية

عاد من جديد التراشق السياسي وتبادل الاتهامات بين قادة الأحزاب السياسية خلال الفترة الأخيرة، في ظل الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بخصوص تدبير العديد من المجالات والقضايا التي تشغل الرأي العام الوطني، مما يبرز أن المشهد السياسي يسير نحو الهاوية في غياب الاحترام المتبادل وقبول الرأي الآخر، إذ أصبح قادة الأحزاب يتبادلون الاتهامات ويلقون بالمسؤولية على بعضهم البعض، خاصة بين المعارضة والأغلبية، أو بين المعارضة فيما بينها، رغم أن هذه الأحزاب (التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الاشتراكي، التقدم والاشتراكية، والعدالة والتنمية) كانت متحالفة في حكومات أخرى، مما يبرز أن التراشق السياسي يجعل المتتبع للشأن السياسي يأخذ صورة سلبية عن السياسة والسياسيين، بالإضافة إلى أنه غير مفيد للنقاش السياسي الذي يجب أن يكون مبنيا على قواعد أخلاقية متفق عليها من قبل جميع الفرقاء السياسيين.

إعداد: خالد الغازي

    يبدو أن المشهد السياسي يعرف صراعا حادا منذ انتقاد المعارضة للحصيلة الحكومية، حيث اعتبرتها غير كافية ولم تستجب للمطالب والانتظارات، مما دفع بعض الأحزاب إلى توجيه انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة، من خلال رسالة مباشرة تتضمن الكثير من الملاحظات حول السياسات العمومية المتبعة من قبل حكومة عزيز أخنوش، الشيء الذي أدى إلى تبادل تراشق كلامي تعدى العمل السياسي أو المحاسبة التي تقتضيها الممارسة السياسية، بين زعماء أو قادة الأحزاب الذين من المفترض أنهم نخب سياسية مثقفة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد عرف المشهد السياسي في الفترة الأخيرة تبادل الاتهامات بين قيادة حزب التقدم والاشتراكية وحزب التجمع الوطني للأحرار، وبين قيادة حزب العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وأيضا بين قيادة الاتحاد الاشتراكي والأغلبية الحكومية، مما أعطى صورة سلبية عن الواقع السياسي المغربي الحالي في غياب ميثاق سياسي جديد يخلّق الممارسة السياسية ويبنيها على أساس المنافسة الشريفة واحترام المؤسسات.

والملاحظ أن التراشق السياسي يحصل باستمرار في البرلمان بين نواب المعارضة والأغلبية، خاصة خلال الجلسات الأسبوعية التي تعرف مشادات كلامية واتهامات متبادلة، بسبب غياب الوزراء تارة عن الجلسة، أو عدم تجاوب الحكومة مع طلبات تناول الكلمة المتعلقة بقضايا راهنة أو أزمة في قطاع ما، مثل قضية طلبة الطب، والتعليم، وغلاء الأضاحي، وقطاع الصحة، وغيرها، مما يدفع بعض نواب الأغلبية للهجوم على نواب المعارضة باستعمال العنف اللفظي والتراشق الكلامي.

حفيظ الزهري

في هذا الإطار، اعتبر المحلل السياسي حفيظ الزهري، أن التصريحات المتبادلة أو التراشق السياسي ما بين القيادات الحزبية، سواء من المعارضة أو الأغلبية، يدخل في إطار التدافع السياسي بين هؤلاء الفرقاء السياسيين، خصوصا وأننا نعيش في فترة أو مرحلة سياسية فيها أغلبية قوية عددية، ومعارضة يمكن أن نقول أنها تحاول أن تكون قوية سياسيا نظرا لضعفها العددي، مضيفا أن مثل هذه التلاسنات لها تأثير أولا على الشأن الداخلي لهذه الأحزاب، أي أنها تعد بمثابة تنفيس عن الإشكاليات المطروحة داخليا ومطالبة القواعد قياداتها باتخاذ مواقف أكثر جرأة في هذه الظرفية الاجتماعية التي تمر منها البلاد.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقال نفس المتحدث، أن المعارضة تحاول أن تظهر مدى حرصها على مصلحة المواطن والدفاع عنه في ظل الأزمة الاجتماعية الخانقة، بالمقابل، تحاول الأغلبية بدورها الدفاع عن نفسها أو رمي أسباب هذه الأزمة على عاتق أحزاب المعارضة التي كانت مشاركة في الحكومات السابقة، وهو ما تشير إليه قيادات من حزب التجمع الوطني للأحرار في مواجهتها لأحزاب المعارضة، هذه التصريحات سيكون لها تأثير على مستوى الممارسة السياسية داخل المؤسسات التشريعية، يعني البرلمان بمجلسيه، ربما ستعيد نفس الصورة التي كانت عليها خلال السنوات الماضية أيام حكومة عبد الإله بن كيران، خصوصا عندما كانت الشعبوية السياسية في أوجها، والآن تحاول العودة بصورة محتشمة شيئا ما، لكن بنفس الوجوه ونفس الزعماء السياسيين، وهو ما لا يكون له تأثير على الرأي العام، وإنما قد يكون لها تأثير داخلي حزبي ضيق فقط داخل هذه الأحزاب.

وأوضح نفس المحلل السياسي، أن الرأي العام يعلم جيدا أن هذه التصريحات تدخل في إطار مناوشات سياسية بين هذه القيادات في محاولة لتنفيس الوضع الداخلي الحزبي الذي يعيش أزمة كبيرة جدا.

رشيد لزرق

من جهته، يرى المحلل السياسي رشيد لزرق، رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، أن الصراع بين الأحزاب حاليا يظل ليس على المشاريع والكفاءات، وإنما صراع قوامه نحو الشخصيات والعنف اللفظي بدون أي مدلول سياسي، وهذا يظهر بأن هذه الأحزاب لازالت أحزابا للأفراد وليست أحزاب المشاريع أو البدائل، وبالتالي، فما يحصل من تراشق كلامي يمكن اعتباره “صراع الديكة”، وصراع الجميع من أجل الجميع الغاية منه الوصول إلى الريع الحكومي أو الغنائم الحكومية أو الدفاع عن البقاء في الحكومة بدون أي عائد تدبيري أو صراع برامج، وهو ما يظهر لنا حرب الجميع ضد الجميع.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأوضح ذات المتحدث، أنه من المفروض أن يكون “التراشق السياسي” بالأساس حول البدائل والبرامج، لأن الغاية من التداول الديمقراطي هي حول السلطة، سواء الأحزاب التي في المعارضة، بتهييئ البدائل، والأحزاب التي في الحكومة تدبر بالمشاريع، لكن الواقع يبين أنه لا أحزاب المعارضة ولا أحزاب الأغلبية تملك مشاريع واضحة، وهذا ما يؤكد أن الصراع السياسي طابعه الشخصاني أكثر من طابعه التدبيري، لأنه في الديمقراطيات العريقة يكون هناك صراع سياسي على أساس مشاريع وكيفية تدبيرها، لكن في المشهد السياسي المغربي هو تراشق فيه العنف اللفظي ويذهب للشخصنة و”الحلقة” و”البوليميك” أكثر مما هو صراع سياسي بمفهومه النبيل والديمقراطي.

وأضاف نفس المحلل السياسي، أن واقع الحال يؤكد أن قيادات الأحزاب منتهية الصلاحية، والحال أنه لو كانت لدينا أحزاب المؤسسات لما ظلت هذه القيادات لأنها كلها في الولاية الثالثة تقريبا، من جيل آخر تجاوز الستين والسبعين من عمره، في ظل مجتمع هرمه السكاني فتي، وبالتالي، هذا ما يجعل الصراع السياسي نحو الغنائم أكثر ما هو تنافس حول التدبير أو تحقيق أحزاب المؤسسات والبرامج، أي  أننا أصبحنا أمام أحزاب الشعارات بدون أي برامج بدليل الصراع الموجود حاليا، معتبرا أن الأحزاب لو كانت أحزاب مؤسسات لكان الصراع سيكون على أساس تدبير مشاريع، وإنتاج وتأطير الأجيال، ولن نحتاج إلى ميثاق، لكن واقع الحال أن الفعل السياسي بات يسير بدون أخلاقيات.

ويبقى التراشق السياسي بين السياسيين من الهوايات المفضلة لدى البعض منهم للظهور أمام وسائل الإعلام، ولأجل تداول وتبادل فيديوهاته وكلامه من قبل نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي ضد خصومه السياسيين، مما يجعل المشهد السياسي يتحول إلى “حلقة شعبية” يسعى من خلالها كل طرف إلى كسب تفاعل المواطنين ونيل رضى المناضلين للظهور بمظهر البطل السياسي القادر على توجيه ضربات لأعداء الحزب، الذي يرى أنه مستهدف من أحزاب المعارضة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد تزايد التراشق السياسي في الفترة الأخيرة بعدما قدمت أحزاب المعارضة رسائل وتقارير تكشف ضعف حصيلة الحكومة وترى اختلالات وفشل في المشاريع المعتمدة، حيث خلقت الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب التقدم والاشتراكية إلى رئاسة الحكومة صراعا وتراشقا سياسيا بين قيادات حزب التجمع الوطني للأحرار وقيادة حزب “الكتاب”، إذ هاجم رشيد الطالبي العلمي عضو المكتب السياسي لحزب الأحرار، قيادة التقدم والاشتراكية بعد الرسالة قائلا: “عقل التقدم والاشتراكية ثقيل، وتاريخ الحزب توقف سنة 1991، ومشاكل الصحة والماء التي يحاول إلصاقها بالحكومة هو المسؤول عنها”، مضيفا: “لو أنكم أنجزتم المهام التي أوكلت لكم لما صدر بشأنها بيان ملكي لا يسمح لكم بتحمل المسؤولية مستقبلا”.

ومن جهته، رد نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، في ندوة صحفية، على العلمي قائلا: “من الأحسن يعطينا التيساع، وألا يستمر في توجيه بعض الاتهامات والكلام الساقط إزاء التقدم والاشتراكية، فعندما يريد السياسي استعمال الهجوم على الأشخاص خاص ينقي باب دارو، والهجوم الشخصي سلاح الضعفاء، وهو عليه أن يحتاط من هذه الناحية”، متهما العلمي بأنه من بين “المنفذين الأساسيين بشكل طيع وخنوع لمجموعة من التعليمات التي أفسدت الفضاء السياسي وتدخلت في شؤون الأحزاب المختلفة، وأدت لما نحن عليه اليوم في الفضاء السياسي، بل كانت له اليد حتى في انقلابات داخل حزبه”.

وأشار بنعبد الله إلى أن من بين مضامين الرسالة، الدعوة إلى حماية الانتخابات من المال لأنه كارثة تضر بالمؤسسات، وتضر بصحة الأحزاب، معتبرا أن حزب رئيس الحكومة نجح في انتخابات 2021 باستخدامه لأطنان من الأموال، ويخطط لاستخدام أضعافها في انتخابات 2026.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي العديد من المرات هاجم عبد الإله بن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خصومه السياسيين، خاصة عبد اللطيف وهبي وعزيز أخنوش وإدريس لشكر، موجها إليهم اتهامات تتعلق بعرقلة تشكيل حكومته سنة 2016، والتطاول على الدين الإسلامي وعلى الشعب المغربي، من خلال الترويج للعلاقات الرضائية والقضاء على مؤسسة الزواج من خلال رفع التجريم عن العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وعدم السماح بتزويج الفتيات أقل من 18 سنة، والسماح بالإجهاض، حيث اتهم بن كيران وهبي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، في عدة خرجات، بتأجيج الرأي العام، قائلا: “إن وزيرهم (عبد اللطيف وهبي) مازال تابع الصداع ويسعى في إشاعة الفاحشة بين المؤمنين”، في إشارة إلى إصراره على الترويج لما يعتبره “علاقات رضائية”.

كما انتقد عبد الإله بن كيران إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي، ووصفه بـ”متسول المناصب” بعد طرحه لملتمس الرقابة على فرق المعارضة من أجل الدعوة إلى إسقاط الحكومة، متهما إياه بالمشاركة في “البلوكاج الحكومي” الذي حصل له خلال محاولة تشكيل حكومته، بعد تحالفه مع أخنوش لمساعدته، كما سبق أن وصفه في خرجة أخرى بـ”البلطجي السياسي”.

كما أطلق بن كيران تصريحات نارية ضد عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار في عدة لقاءات حزبية وفي ندوات، معتبرا أنه “رجل أعمال وتاجر لا يهتم إلا بتحصيل الأرباح، لكنه في السياسة فاشل وعاجز عن تدبير السياسة العمومية والقضايا المرتبطة بالمغاربة”، وقال أيضا: “سي أخنوش عندو غير الفلوس ولكن ما عندو إديولوجية ما عندو ماضي سياسي ما عندو ثقافة باش يواجه هاذ الشعب”.

تتمة المقال تحت الإعلان

بدوره، كثف إدريس لشكر في العديد من خرجاته انتقاداته لعزيز أخنوش، متهما إياه بـ”التغول السياسي والتحكم في المشهد الحزبي والنقابي، والشروع في خطة انتخابية مبكرة للانتخابات البرلمانية المقبلة”.

واعتبر لشكر أن أخنوش ينقصه التواصل السياسي والكاريزما كرجل سياسي محنك، مستدلا على ذلك بأنه أنجز اتفاق السلم الاجتماعي في التعليم، إلا أنه لم ينجح في تسويقه بما يتناسب.

كما سبق أن انتقد لشكر بن كيران أيضا، بخصوص مدونة الأسرة وغيرها من القضايا ذات الارتباط بالشأن العام وقرارات حكومته السابقة التي أضرت بالقدرة الشرائية للمواطنين، في إشارة إلى صندوق المقاصة، متهما الأمين العام لـ”البيجيدي” بأنه “لين مع الحكومة وفظ مع المعارضة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة صلاح الدين أبو الغالي، بدوره، سبق أن خرج عدة مرات يهاجم أحزاب المعارضة، خصوصا العدالة والتنمية، بخصوص النقاش الدائر حول مدونة الأسرة، مبرزا أن النقاش حول تعديل مدونة الأسرة وإن كان صحيا وإيجابيا على وجه العموم، فإنه لم ولن يخلو من الاصطياد في المياه العكرة من طرف بعض الخصوم السياسيين.

واتهم أبو الغالي قيادات حزب العدالة والتنمية بتأجيج النقاش والتحريض على العنف الرمزي والتهديد بالاحتجاجات، مشددا على أن هذا الموقف لا يستقيم مع أدبيات الحوار العمومي ومبدأ النقد البناء، والاحتكام إلى آلية المؤسسة التشريعية كتعبير عن الإرادة الشعبية.

ويظل التراشق السياسي بين قيادات الأحزاب من الأشياء السيئة التي تؤثر على المشهد السياسي، وعلى العلاقات بين الأحزاب، سواء في الأغلبية أو المعارضة، لكن في غياب ميثاق وطني يجعل العلاقات الحزبية والسياسية مبنية على الاحترام المتبادل، تستمر ظاهرة “الشعبوية” بين السياسيين من أجل الظهور أمام وسائل الإعلام والمواطنين بصورة المدافع عن حقوقهم وعن المصلحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى