تحقيقات أسبوعية

للنقاش | حرب شاملة تهدد مستقبل العالم

الفصل الأخير من الصراع بين الشرق والغرب

بعد حادث سقوط مروحية الرئيس الإيراني ومرافقيه حيث قضوا نحبهم في تلك الظروف الغامضة(…)، وبعد المزيد من الدعم الغربي لأوكرانيا في حربها مع روسيا، والمزيد من تأجيج الحرب على غزة.. يبدو أن الحرب التجارية أو الاقتصادية التي جاءت بديلا عن الحرب الباردة، لم تعد مجدية بالنسبة لتجار الحروب أو صناع القرارات القاضية بتقسيم العالم وفق أجندات محددة قاعدتها الأساس الصفقات العسكرية التي باتت تستنزف دولا بعينها، في سباق محموم نحو التسلح من أجل تجريب أكبر عدد من الترسانات ما يطرح التساؤل: هل نحن على أبواب حرب شاملة؟ فهذا هو المعطى الأبرز والأقرب إلى الواقع في ظل اتساع رقعة النزاعات المسلحة..

بقلم: جميلة حلبي

    بعد استنفاد الصفقات الأضخم عبر التاريخ تحت مسمى “صفقات القرن”، التي كانت في ظاهرها تجارية بينما هي خطط للتدخل في الدول عن طريق القوة الناعمة التي تقود دبلوماسية الاحتلال في صيغته المنقحة وفق مصالح الدول الكبرى حتى تضمن استمراريتها في التحكم في العالم، تتضح بشكل جلي، من خلال المرور إلى الخطة الموالية، رحى الصراعات التي لا تخرج عن الشرق الأوسط والقارة الإفريقية.. المناطق التي لا تعدو كونها حقل تجارب.. تجريب الخطط العسكرية طبعا، وتركيع القوى الصاعدة(…).

إن العالم فعلا على أبواب حرب شاملة وستكون مدمرة إن لم يتم ضبط النفس.. هكذا يدق عدد من المحللين السياسيين والخبراء ناقوس الخطر بخصوص تحول القوى الفاعلة نحو السرعة القصوى في جر أكبر عدد من الدول إلى ساحة الحرب، وقد كانت الحرب الأوكرانية الروسية بمثابة مسك العصى من الوسط بين المعسكرين الشرقي والغربي، قطبا التجاذب واستقطاب أكبر عدد من الحلفاء، وهذا ما يفسر ميلاد أحلاف جديدة حسب المصلحة وحسب الظرفية التي تقام فيها تلك التحالفات والهدف منها، فبعد الحلف التقليدي القوي “الناتو”، الذي انتعش وتقوى من خلال الحرب الروسية الأوكرانية بعد أن بدأ يفقد البعض من أدواره وأخذت بعض الفعاليات السياسية في بعض الدول تطالب بالخروج منه، بعد “الناتو” نجد حلف “أوكيس” بين أستراليا وأمريكا وبريطانيا، والذي تأسس في سن 2021 تحت ذريعة “حماية مصالح هذه الدول في المحيط الهادئ والمحيط الهندي” في مواجهة النفوذ الصيني الذي أخذ يتقوى تدريجيا في العشرين سنة الأخيرة، مما أغضب السلطات الصينية وفرنسا أيضا، التي رأت في هذا التحالف ضربا صريحا لاتفاق سابق لها مع أستراليا على بناء غواصات حربية ونشرها في المنطقة، ثم هناك حلف “كواد” الذي يضم كلا من أمريكا واليابان والهند، والذي أعيد “إحياؤه” في سنة 2020 من خلال اجتماع بين البلدان الثلاثة، بعد تصعيد في المواجهات الدبلوماسية والتجارية بين أستراليا والصين، حيث تم الإعلان أن هذا “التحالف جاء لمواجهة توسع نفوذ الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ”، علما أن “كواد” بدأ فعليا في أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب أندونيسيا في شهر يناير 2004 والتسونامي الذي ضرب الساحل الشرقي للهند، هذا إضافة إلى مجموعة “البريكس” وإن كان هذا الحلف في ظاهره تجاريا لكن أقطابه يسعون إلى ضم عدد كبير من الحلفاء في مواجهة الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، والتي تنزل بكل ثقلها العسكري في ملاعب غير ملعبها وعينها على “الشرق الأوسط الكبير”، على مقربة من روسيا والصين، التي يبدو أنها ماضية في الدخول في حرب مباشرة مع أمريكا إن لم تتم معالجة ملف تايوان وما لم تتدخل قوى أخرى كعامل توازن، لأن هذه الحرب إن نشبت فسوف تكون نتائجها غير محسومة وغير محسوبة العواقب اعتبارا لكمية ونوعية الترسانات العسكرية التي يمكن أن تستخدم فيها في ظل السباق المحموم نحو التسلح من قبل كافة الدول في الألفية الأخيرة وإلى الآن.. هذا دون أن ننسى طبعا كوريا واليابان، والكل يدافع عن مصالحه وفق منظور الربح والخسارة من حرب ستكون لا محالة نووية، لأن باقي الأسلحة هي الآن قيد الاشتغال في مختلف مناطق النزاع المشتعلة..

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد أعاد حادث موت الرئيس الإيراني ووزير خارجيته المباراة إلى نقطة الصفر، حيث ينتظر العالم مرور فترة حداد الإيرانيين لترتيب البيت الإيراني، ولمعرفة الخطوات الموالية التي ستقدم عليه طهران في مواجهة المتسببين المحتملين لوفاة إبراهيم رئيسي، خاصة بعد القرارات الأخيرة في الملف النووي، وبعد التحركات الأخيرة للسلطات الإيرانية وانفتاحها على عدد من البلدان التي كانت تجمعها معها فيما قبل حرب إيديولوجية، ووضع يدها في عدد من المناطق، خاصة في شمال إفريقيا، إضافة إلى تمدد الصراع في منطقة الشرق الأوسط إلى لبنان وأخذه صبغة الاستمرارية بفعل مساندة “حزب الله” لحركة “حماس”، وعدم بروز أي بوادر انفراج في الأزمة اليمنية، وها هي فرنسا تتحرك من جديد في مستعمرتها السابقة، سوريا، بعد أن وجدت أن الأوضاع بدأت تميل نحو الهدوء ونحو الحل، وذلك بتحريك “ملفات” قضائية والبدء في محاكمة عدد من المسؤولين السوريين، حيث تم إصدار حكم بالسجن الغيابي مدى الحياة على ثلاثة مسؤولين في النظام السوري، بتهمة “التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية”، مع العلم أن المحاكم الفرنسية تتمتع – بموجب الاختصاص الخارجي أو مبدأ الولاية القضائية العالمية – بالولاية القضائية على الجرائم المرتكبة ضد المواطنين الفرنسيين أو أولئك الذين يحملون جنسية مزدوجة.. وهكذا شرّعت فرنسا لنفسها التدخل في شؤون مستعمرتها السابقة متى أرادت(…).

متظاهرون في النيجر يحملون العلم الروسي

وتتقوى فكرة نشوب حرب شاملة بعد ما شهدته وتشهده المنطقة المحيطة بقناة السويس منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، والتحركات المريبة التي يعرفها البحر الأحمر، وخاصة مضيق باب المندب، والتسابق نحو تركيز أكبر عدد من البوارج الحربية وحاملات الطائرات تحت ذريعة حماية خطوط الملاحة التجارية، وهي في الواقع خطط عسكرية تقتضي التمركز جيدا في المناطق الذهبية لأي حرب محتملة، وكعادتها تحظى الدول التي خرجت من الحرب العالمية الثانية قوى عظمى، بحق السبق في ذلك، اعتبارا لأهمية المنطقة التي تأبى أن تخمد منذ أمد طويل أو هكذا رسم لها أن تكون موقع نزاعات، لأهميتها سياسيا واقتصاديا، كما من المحتمل أن يتم إحياء خط النزاع المباشر بين إسرائيل ومصر من خلال تمديد خط النار إلى رفح واحتدام القصف في المنطقة لإرغام مصر – كما يبدو – على أن تقبل بخطة بناء مكان لتوطين الغزاويين بعد اضطهادهم، والتي نادى بها الغرب المتحالف مع سلطة الاحتلال الصهيوني منذ بدء الحرب على غزة.. وفي الجانب الآخر، تبقى تركيا تحرك قطع الشطرنج وفق مصلحتها، وذلك من أجل إخراج البلاد بأقل الخسائر الممكنة من هذه الصراعات التي تتطاير شظاياها فوق رؤوس الأتراك، أضف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان وهو داخل في مناوشات مع إسرائيل، وفي العراق الجريح لا شيء يوحي بالسلام في ظل عدم حل ملف الأكراد حلا نهائيا، هذا الملف المتشعب بين العراق وسوريا وتركيا، والذي من شأنه أن يفجر العلاقات بين هذه الدول في أي وقت، في حين تم توريط الأردن في الحرب الدائرة بالمنطقة، أو بالأحرى تم تجهيز ملف لها سيتم استخدامه عندما يحين وقته، بعد القصف الانتقامي الذي شنته إيران على إسرائيل مرورا عبر الأراضي الأردنية، حيث اعترضت مقاتلات أردنية عشرات المسيرات الإيرانية وأسقطتها، مما وضع المملكة الهاشمية في موقع صعب أمام جميع الأطراف..  

وتبقى القارة الإفريقية المرتع الأكثر خصوبة للصراعات والحروب الأهلية وغير الأهلية، وهي نزاعات مفتعلة في أغلبها في ظل سيادة عقلية التبعية، سواء للغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية أو للشرق بقيادة روسيا، هذه الأخيرة التي تعمل جاهدة في السنين الأخيرة على تثبيت موقعها في إفريقيا، وبالأخص في شمال القارة، وقد وجدت في الجزائر خير معين.. ففي ظل عدم استقرار المنطقة بعد ثورات “الربيع العربي”، وبالأخص في ليبيا، وجنوح تونس من جديد إلى عدم الاستقرار، يطرح التساؤل: من له المصلحة في الدفع بحالة اللااستقرار في شمال إفريقيا ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الملاحظ – وبقوة – اللعب الذي تلعبه الجزائر منذ مدة في عدم استقرار إفريقيا وخاصة شمال القارة، بتشجيعها على الفتنة، فبالإضافة إلى الدور الذي لعبته وتلعبه في قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية، فقد اتهمتها عدة تقارير بوضع اليد في الأزمة المالية-الموريتانية، كما أن لها أدوارا في تسليح الجماعات الإرهابية التي تنشط في المنطقة، وحاليا تعمل جاهدة على عرقلة أي خطوة نحو إرساء المبادرة الأطلسية التي وضعها الملك محمد السادس من أجل تمكين البلدان الإفريقية من الساحل الأطلسي، كما سبق أن مهدت لدور مساند لجبهة البوليساريو من قبل “حزب الله” اللبناني، ومن ورائه إيران، انطلاقا من أراضيها، فلولا السياسة المتعقلة للملك لدخل المغرب منذ سنين في حرب مع الجزائر ستفجر حوض البحر الأبيض المتوسط وجزء كبير من القارة، ومؤخرا حامت الشكوك حول اقتناء الجزائر أسلحة كثيرة قيل أنها موجهة إلى الأطراف المتناحرة في السودان، مما يساهم في إطالة أمد الحرب الأهلية في هذا البلد الذي لا تخمد ثوراته، دون أن ننسى العمليات الإرهابية التي تعبث باستقرار القارة السمراء، في النيجر، ونيجيريا، والصومال، وإريتريا، وغيرها من مناطق النزاعات التي تظل قابلة للانفجار في أي لحظة، هذا إضافة إلى عدد من الصراعات الجانبية في أمريكا الجنوبية، وفي أوروبا..

هذه بعض المعطيات التي تحيل إلى اقتراب دخول العالم في حرب شاملة ستحصد الأخضر واليابس إن لم تتم إعادة ترتيب الأوراق وإعادة كتابة سيناريو جديد من أجل تجنيب البشرية كارثة لا أحد بإمكانه تنبؤ مخرجاتها، خاصة وأن أوروبا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بأقل الخسائر، هي التي تقوم بعض دولها برمي الحطب في مواقد كثيرة، مما يؤشر على إفلاس المنظومة الفكرية لدى الأوروبيين وهم المتعودون على القوة في كسب الحلفاء ضمانا لاستمرارية القارة العجوز، التي بدأ الوهن منذ مدة يدب في جسدها، وكانت البداية منذ سنة 2016، بإعلان بريطانيا عن خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهي القوة العظمى التي لا زالت تضم عدة مستعمرات، ومؤخرا طالبت أصوات من داخل فرنسا بالخروج من حلف شمال الأطلسي، وأزمات ألمانيا المتكررة، واحتجاجات قوى سياسية في إسبانيا وفي إيطاليا، مما يعيد إلى الأذهان سيناريو الدخول في الحرب العالمية الأولى والثانية تحت ذريعة البحث عن مستعمرات لضمان الاستقرار الاقتصادي والخروج من الأزمة التي ضربت أوروبا في ذلك التاريخ.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى