تحقيقات أسبوعية

رأي | الضريبة في عصر تكنولوجيا “البلوكتشين”

تشهد التكنولوجيا تطورات هائلة في العصر الحديث، ومن بين هذه التطورات تبرز تكنولوجيا “البلوكتشين” كأحد أبرز التقنيات القادرة على تحويل العديد من القطاعات، بما في ذلك مجال الضرائب.. حيث أصبحت تكنولوجيا “البلوكتشين” محط أنظار العديد من الخبراء والباحثين في مجال الضرائب، نظرا للفرص الجديدة التي تتيحها لتحسين جمع الضرائب وتعزيز الشفافية والكفاءة في النظم الضريبية.

بقلم: يونس مليح

    إن تكنولوجيا “البلوكتشين” هي تقنية تسمح بتبادل كل شيء ذي قيمة بشكل آمن وشفاف دون التعرض لخطر التزوير، إذ لديها القدرة على توفير معلومات موثوقة في الوقت الحقيقي لمجموعة واسعة من الناس وإنشاء نظام يتمتع فيه دافعو الضرائب والسلطات الضريبية بثقة متساوية في صحة البيانات التي تم جمعها، ويمكن أن يسهل ذلك على دافعي الضرائب دفع ضرائبهم وعلى الحكومات تقليص الفجوة الضريبية.

فمن الضروري فهم إمكانات تقنية “بلوكتشين” في مجال الضرائب، وبعبارات بسيطة، فسلسلة Blockchain هي نظام متصل بالشبكة يتكون من كتل مقيدة بشكل آمن تحمل دائما محتوى لها طبيعة مشابهة لبصمة الأصبع (تسمى بلغة الترميز: “التجزئة أو hash”)، وفي حالة عملة البيتكوين المشفرة، على سبيل المثال، التطبيق الأكثر شهرة لتكنولوجيا “بلوكتشين”، فإن هذا المحتوى هو معاملة مالية تكمن العبقرية هنا في حقيقة أن الكتلة اللاحقة من السلسلة ستحتوي دائما على “بصمة” الكتلة السابقة، المضافة إلى محتواها الخاص، ومع هاتين المعلومتين ستولد “بصمة” خاصة بها، بعد ذلك، على التوالي، في نوع من “السلسلة”.. هذا هو “بلوكتشين”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي هذا السياق، يطرح السؤال: كيف يمكن لهذه التقنية الابتكارية أن تسهم في تحقيق أهداف الضرائب بطرق أكثر فعالية وشفافية؟ كيف يمكن أن تؤثر تكنولوجيا “البلوكتشين” على العمليات الضريبية، وتحديد الفوائد والتحديات المحتملة لتبني هذه التقنية في مجال الضرائب؟ وكيف يمكن لتكنولوجيا “البوكتشين” تجويد الخدمات الضريبية ؟

 

أولا: في تحديد مفهوم “البلوكتشين”

تتمة المقال تحت الإعلان

    تكنولوجيا “البلوكتشين” هي نظام لتسجيل المعاملات يعتمد على شبكة من الكمبيوترات المتصلة تسمى “العقداء” (المُعدّلون)، تقوم هذه التقنية على فكرة السلسلة القابلة للتوسيع من الكتل (Block) التي تحتوي على معلومات المعاملات، والتي تتم مشاركتها والتحقق منها بشكل آمن وموزع بين جميع العقداء في الشبكة، وتعتمد على التشفير لتأمين المعاملات وضمان أمانها.

تقدم تكنولوجيا “البلوكتشين” أساسا جديدا لتبادل البيانات وتسجيل المعاملات، حيث يتم تخزين المعلومات بشكل دائم وغير قابل للتغيير في كل بلوك، مما يجعلها مثالية لتطبيقات مثل التحويلات المالية، وإدارة الأصول، والعقود الذكية.

تعتبر “البلوكتشين” أساسا لعمل العملات الرقمية المشفرة مثل البيتكوين، ولكن يمكن استخدامها في مجموعة واسعة من التطبيقات الأخرى بما في ذلك القطاعات المالية، والصناعية، واللوجستية، والطبية، وغيرها، فتكنولوجيا “البلوكتشين” تتمتع بالعديد من الميزات مثل الشفافية، والأمان، واللامركزية، والتوثيق الزمني، مما يجعلها مثيرة للاهتمام ومفيدة في مجموعة متنوعة من السيناريوهات التجارية والتطبيقات العملية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد تكون على دراية بجداول البيانات أو قواعد البيانات، “البلوكتشين” متشابهة إلى حد ما لأنها قاعدة بيانات حيث يتم إدخال المعلومات وتخزينها، ولكن الفرق الرئيسي بين قاعدة البيانات التقليدية أو جدول البيانات و”بلوكتشين”، هو كيفية هيكلة البيانات والوصول إليها.

تتكون سلسلة الكتل من برامج تسمى البرامج النصية، التي تقوم بالمهام التي تقوم بها عادة في قاعدة البيانات: إدخال المعلومات والوصول إليها وحفظها وتخزينها في مكان ما، ويتم توزيع سلسلة الكتل، ما يعني أنه يتم حفظ نسخ متعددة على العديد من الأجهزة، ويجب أن تتطابق جميعها حتى تكون صالحة.

تجمع “بلوكتشين” معلومات المعاملات وتدخلها في كتلةblock ، مثل خلية في جدول بيانات يحتوي على معلومات، وبمجرد امتلائها يتم تشغيل المعلومات من خلال خوارزمية تشفير، مما يؤدي إلى إنشاء رقم سداسي عشري يسمى التجزئةhash ، ثم يتم إدخال التجزئة في رأس الكتلة التالي وتشفيرها بالمعلومات الأخرى الموجودة في الكتلة، وهذا يؤدي إلى إنشاء سلسلة من الكتل المقيدة معا.

تتمة المقال تحت الإعلان

لذلك، فتكنولوجيا “البلوكتشين”، أو سلسلة الكتل، هي نوع جديد من التكنولوجيا الرقمية تحظى بشعبية متزايدة في العصر الحديث، لتبسيط المفهوم، يمكننا تصوّر “البلوكتشين” كدفتر حسابات عمومي عبر الأنترنيت، حيث يمكن للجميع الاطلاع على المعاملات التي تمت، ولكن لا يمكن تعديلها.

تعتمد فكرة “البلوكتشين” على إنشاء سلسلة من الكتل (البلوكات)، وفي كل كتلة يتم تخزين معلومات المعاملات التي تمت في فترة زمنية معينة، وتتم مشاركة هذه السلسلة بين شبكة من الأجهزة (العُقد) المتصلة عبر الأنترنيت، ويتم التحقق من صحة المعاملات وتسجيلها بشكل آمن باستخدام التشفير.

من خلال هذه التقنية، يمكن للأطراف المختلفة التعامل مع بعضها البعض مباشرة دون الحاجة إلى وسيط، مما يقلل من التكاليف والتأخير ويعزز الثقة في المعاملات، بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدام “البلوكتشين” لإنشاء عقود ذكية تُنفذ تلقائيا عند تحقق شروط معينة، مما يوفر مزيدا من الفعالية والشفافية في العمليات التجارية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن المهم أن نفهم أن تكنولوجيا “البلوكتشين” ليست محصورة فقط في مجال العملات الرقمية، بل يمكن تطبيقها في مختلف المجالات مثل الصناعة، والخدمات المالية، والرعاية الصحية، وغيرها، لتحسين العمليات وتوفير حلول فعالة وآمنة للتحديات الحديثة.

ثانيا: الضريبة و”البلوكتشين”

    تعتبر الضرائب من أهم مصادر تمويل الحكومات لتقديم الخدمات العامة وتمويل البرامج الاجتماعية والبنية التحتية، ومع تطور التكنولوجيا يبحث المجتمع الضريبي عن طرق جديدة بديلة لتحسين جمع الضرائب وتعزيز الشفافية في النظم الضريبية، وهنا يأتي دور تكنولوجيا “البلوكتشين”، التي تقدم إمكانيات جديدة لتحديث نظم الضرائب، حيث تسمح بتسجيل المعاملات الضريبية بشكل آمن وشفاف، وتقلل فرص التلاعب والغش، بالإضافة إلى أنها تسهل عمليات التحقق والمراجعة الضريبية، وتسمح بمشاركة البيانات بين الجهات المختلفة بطريقة آمنة وفعالة.

تتمة المقال تحت الإعلان

من خلال توفير نظام موثوق وغير قابل للتزوير لتسجيل المعاملات الضريبية، يمكن لتكنولوجيا “البلوكتشين” تحسين عمليات جمع الضرائب وتقديم الخدمات الضريبية بشكل أفضل للمواطنين، كما يمكن استخدامها لتطوير نماذج جديدة للضرائب الذكية تعتمد على الشروط المبرمجة مسبقا، مما يجعل العملية أكثر فعالية وشفافية.

كما يمكن استخدام العقود الذكية المبنية على تكنولوجيا “البلوكتشين” لتنفيذ الالتزامات الضريبية بشكل آلي، على سبيل المثال، يمكن برمجة العقود الذكية لتقديم الضرائب عند حدوث ظروف معينة مثل اكتمال عملية بيع أو تحقيق أرباح معينة.

كما يمكن استخدام “البلوكتشين” لإنشاء منصات تسمح بمشاركة البيانات بين الجهات الضريبية المختلفة بطريقة آمنة وفعالة، وهذا يمكن أن يساعد في تحسين التعاون بين البلدان في مجال مكافحة التهرب الضريبي وتقديم المساعدة في جمع الضرائب.

تتمة المقال تحت الإعلان

هناك اليوم بعض الدول تنوي إصدار عملات رقمية مرتبطة بالضرائب باستخدام تكنولوجيا “البلوكتشين”.. هذه العملات يمكن أن تُستخدم لجمع الضرائب بشكل مباشر من خلال التحويلات المالية، مما يقلل من التهرب الضريبي ويسهل عملية جمع الضرائب.

هناك العديد من الدول قد بدأت في استكشاف تكنولوجيا “البلوكتشين” لتحسين نظم الضرائب وتعزيز الشفافية والكفاءة في التحصيل الضريبي، كإستونيا التي تعتبر واحدة من الدول الرائدة في تبني تكنولوجيا “البلوكتشين” في القطاع الحكومي، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، تم تكليف وزارة الضرائب والجمارك الأمريكية بدراسة استخدام تكنولوجيا “البلوكتشين” لتحسين عمليات جمع الضرائب وتقديم الخدمات الضريبية بشكل أفضل وأكثر كفاءة، والصين أيضا تعمل على تطوير نظام ضريبي مبني على “البلوكتشين”، حيث تقوم السلطات الضريبية بتجربة هذه التقنية في عدة مدن لتسجيل المعاملات الضريبية وتحسين عمليات الإفصاح الضريبي.

ومع ذلك، تظل هناك تحديات تقنية وقانونية ومنهجية تواجه تبني تكنولوجيا “البلوكتشين” في مجال الضرائب، وتتطلب التعاون بين القطاعين العام والخاص لتحقيق الاستفادة الكاملة من إمكانياتها في تحسين نظم الضرائب وخدمة المجتمع بشكل أفضل.

ثالثا: تحديات تبني تقنية “البلوكتشين” في المجال الضريبي

    رغم الفوائد المحتملة التي يمكن أن توفرها تكنولوجيا “البلوكتشين” في المجال الضريبي، إلا أنها تواجه أيضا تحديات محتملة، من بينها التشريعات والتنظيمات، فقد تحتاج “البلوكتشين” إلى تكييف التشريعات والتنظيمات القائمة لتناسب استخدامها في مجال الضرائب، وهذا يتطلب وضوحا من السلطات التنظيمية والتشريعية حول كيفية تطبيق التكنولوجيا وتأمينها.

أيضا في مجال الخصوصية والأمان، حيث يشكل الحفاظ على سرية البيانات الضريبية تحديا كبيرا، خاصة مع توزيع المعلومات عبر شبكة متنوعة من العقد. يجب ضمان أن البيانات المالية والشخصية تبقى آمنة وخاصة، كما تواجه “البلوكتشين” تحديات فيما يتعلق بالتوافق بين الدول في استخدامها في مجال الضرائب، حيث تختلف التشريعات والمتطلبات الضريبية من دولة لأخرى.

قد تواجه تكنولوجيا “البلوكتشين” تحديات فيما يتعلق بقبول وتبني الأطراف المعنية بها، وقد يحتاج ذلك إلى توفير التدريب والتوعية حول فوائدها وكيفية استخدامها بشكل فعال، كما قد تكون مكلفة في التطبيق والصيانة، وقد يكون من الصعب تبرير هذه التكاليف بالنسبة لبعض الدول والمنظمات، خاصة في بداية التبني والتطبيق.

لا شك أن تكنولوجيا “البلوكتشين” تقدم إمكانيات كبيرة لتحسين نظم الضرائب وتعزيز الشفافية والكفاءة في تحصيل الضرائب من خلال تسجيل المعاملات بشكل آمن وشفاف، وتطبيق العقود الذكية القائمة على الشروط المبرمجة مسبقا، ومع ذلك، فهي تواجه تحديات تتعلق بالتشريعات والتنظيمات، والخصوصية والأمان، والتوافق الدولي، والتبني والتكامل، والتكاليف، ويتطلب التغلب على هذه التحديات، التعاون بين القطاعين العام والخاص، والابتكار في تطوير حلول تكنولوجية تتناسب مع احتياجات وتحديات التحصيل الضريبي في العصر الرقمي، اعتبارا لأهميتها الكبيرة في تحقيق التقدم في تحصيل الضرائب وتحسين الخدمات الضريبية للمواطنين والشركات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى