تحقيقات أسبوعية

للنقاش | برامج السكن.. الشجرة التي تخفي الغابة

أطلقت الحكومة ممثلة في وزارة الإسكان والتعمير وسياسة المدينة، ووزارة المالية، برنامجا للدعم المباشر للسكن يهم الفترة ما بين سنة 2024 و2028، يروم تجديد المقاربة المتعلقة بالمساعدة على تملك السكن ودعم القدرة الشرائية للأسر من خلال مساعدة مالية مباشرة للمقتني، ويستفيد منه المغاربة المقيمون بالمغرب وبالخارج، الذين لا يتوفرون على سكن بالمغرب ولم يسبق لهم الاستفادة من مساعدة خاصة بالسكن، وذلك بعد عدة برامج مماثلة تم اعتمادها في فترات سابقة، غير أنها فشلت في احتواء أزمة السكن التي تنذر بأزمة أخرى نتيجة جشع المنعشين العقاريين والرفع من تكلفة اقتناء السكن..

بقلم: جميلة حلبي

    لمواجهة أزمة السكن بعد تدفق الهجرة الداخلية نحو المدن في فترة ما بعد الاستقلال، وخاصة في فترة السبعينات والثمانينات وما تلاها، مما أدى إلى اكتظاظ الحواضر وما نتج عن ذلك من البناء العشوائي الذي انتظم في مدن وأحياء من الصفيح على هوامش المدن الكبرى، بعد بروز الحاجة إلى المزيد من اليد العاملة في المدن الصناعية التي تتمركز فيها الشركات والمصانع، وأغلب الإدارات العمومية.. لإيجاد حل لهذه الأزمة، تطلب الأمر إعادة النظر في سياسة إعمار المدن ووضع حد لمعضلة “البراريك” التي باتت تفرخ جميع أنواع الإجرام والمظاهر السلبية التي أثرت وتؤثر في المجتمع برمته، وفي منتصف التسعينات، وبالضبط سنة 1995، أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عن برنامج “200 ألف سكن” كسياسة تدبيرية لأزمة السكن الناتجة عن الاكتظاظ الذي عرفته المدن وارتفاع أسعار العقار مما بات معه من الصعب على الأسر المتوسطة والفقيرة اقتناء سكن، وذلك بهدف “تمكين الأسر من الفئات الاجتماعية الأقل حظا من امتلاك سكن لائق”، عن طريق دفع ثمن شرائه أقساطا تكون أقل من ثمن الكراء، إلا أن ذلك الحلم تحول إلى كابوس بفعل عدم توفق معظم الأسر المحتاجة في شراء سكن خاص بها، وبعد ذلك، انتقلت الدولة إلى إخراج برنامج سمي بـ”السكن الاقتصادي” وبعده “السكن الاجتماعي”، وهما وجهان لعملة واحدة بالنظر للشروط التعجيزية التي يضعها المنعشون العقاريون والأبناك أمام الراغبين في اقتناء بيت في عمارات تفتقد لضروريات العيش الآمن من حيث جودة البناء وغياب المرافق الضرورية بها، ناهيك عن البعد عن مراكز المدن، لأن مدن السكن الاقتصادي تم “رميها” إلى الهوامش مع عدم توفير وسائل النقل التي تربط تلك المناطق بالحواضر في غالب الحالات.

وقد جاء السكن الاقتصادي كأحد الحلول التي وضعتها الدولة من أجل توفير سكن للأسر محدودة الدخل، يجب أن تتوفر فيه العديد من المقومات الموضوعة من طرف الدولة، من بينها ألا تقل مساحة الشقق عن 50 مترا وألا تزيد عن 80 مترا، ويحدد ثمن الشقة في 250 ألف درهم دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، حيث تساعد الدولة المقتنين لتلك الشقق عن طريق دفع 40 ألف درهم للمستثمرين لكي تكون القيمة الإجمالية للشقة الواحدة هي 290 ألف درهم، لكن هناك فصل ناقص في الموضوع بوجود ثغرات في البيع من طرف أصحاب العقار، ففي حالات كثيرة بيعت شقق بأكثر من 300 ألف و400 ألف درهم، مما أثقل كاهل الأسر الفقيرة بعد أن كبلتها الأقساط والفوائد البنكية التي لا تنتهي، في أكبر جريمة ارتكبت في حق مواطنين لا ذنب لهم سوى أنهم فقراء محتاجون للاستقرار في منازل بأي ثمن ليتم استغلالهم أبشع استغلال، ويمضون بذلك سنوات أعمارهم إلى حين سن التقاعد في غالب الأحيان وهم يدفعون أقساط شقق كثرة العيوب بها تجعلها لا تصمد إلى حين إتمام ثمنها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا ساهمت لوبيات العقار في تفريخ تجمعات سكنية تشبه الصناديق، وعملت على مسخ المعمار المغربي الأصيل، حيث قادهم جشعهم إلى وأد معظم المساحات الخضراء من أجل المزيد من الأرباح، وبالتالي، أصبحت هذه المشاريع السكنية التي تناسلت كالفطر خلال السنوات الأخيرة في عدد من المدن، لا تتوفر على الشروط الدنيا للعيش الكريم ولا تحترم القواعد البسيطة في إنجاز التجزئات السكنية، كالمساحات الخضراء والمرافق الاجتماعية والرياضية والثقافية، علما أن أغلب مساحات الشقق هي بين 50 و70 مترا، تجني من ورائها الأبناك أرباحا تصل لـ 40 مليون سنتيم أو أكثر إذا ما تم احتساب الفوائد على القروض التي تبقى الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام غالبية المواطنين للحصول على هذه الشقق، التي تبقى الملاذ الأخير لعدد كبير من المواطنين محدودي الدخل.

فهذه المشاريع أصبحت بناءات عشوائية مقننة تعترف بها الدولة، حيث تشكل بالنسبة لها خطة للقضاء على دور الصفيح دون أن تدري أنها ساهمت في تفريخ قنابل سكنية موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت، ما يطرح التساؤل: ماذا يعني بناء إقامات سكنية بدون مساحات خضراء ولا مرافق للعب الأطفال ولا دور للشباب، ولا حمامات عمومية، ولا أفرنة، وغيرها من المرافق الضرورية للتجمعات السكنية؟

فقد كان بإمكان الدولة التكفل بنفسها بهذه البرامج السكنية، بالاحتفاظ بالوعاء العقاري وتقليص هامش الربح، وبالتالي، تمكين عدد كبير من الناس من تملك سكن يحفظ كرامتهم، بدل تسليم رقاب فقراء الوطن إلى لوبيات العقار وللأبناك، والتي لا تشتغل إلا وفق منطق الربح.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتشوب “السكن الاقتصادي” عدة اختلالات في عملية البناء، من خلال المواد المستعملة في التشييد، وبنية تحتية مهترئة لا تصمد أمام عوامل المناخ، حيث تضررت – ولا زالت عرضة للضرر – العديد من الإقامات، بفعل التساقطات المطرية، مما يسائل دور الدولة في مراقبة هذه المشاريع التي وضعتها من أجل دعم الطبقات المتوسطة والفقيرة، وكذا محاسبة من سلمتهم المشعل لكسب أموال طائلة من وراء مواطنين مغلوب على أمرهم كان همهم الوحيد العيش في سكن لائق.

ورغم ذلك، يبقى السكن الاقتصادي أو الاجتماعي السبيل الوحيد أمام الأسر ذات الدخل المحدود من أجل اقتناء سكن، لكن يبدو أن نسب الطلب على شقق من هذا النوع تراجعت في السنين الأخيرة بشكل كبير، بعد افتضاح أمر التلاعبات التي تقوم بها لوبيات العقار، ومن أجل استرجاع ثقة المواطنين في المنعشين العقاريين، لجأت الدولة إلى برنامج جديد، حيث أطلقت الدولة سنة 2023 برنامج “دعم السكن” بآليات جديدة تختلف عن البرامج السابقة، من أجل تشجيع المواطنين على اقتناء سكن، وسخرت لذلك تجزئات ومدن خارج المدار الحضري للمدن الكبرى، وقد بسطت الحكومة لذلك معطيات جديدة بشأن “شروط وكيفية الاستفادة من إعانة الحصول على السكن، وتوقعات الغلاف المالي وعدد الأسر المتوقع استفادتها، ومصادر التمويل”، حيث قال الوزير المكلف بالميزانية، سنة 2022، في اجتماع لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أثناء متابعة المناقشة التفصيلية لمشروع قانون المالية برسم سنة 2023، (قال): “بعد انقضاء مدة سريان مفعول الآلية السابقة لدعم السكن نهاية سنة 2020، والمتمثلة في منح إعفاءات ضريبية وتوفير أوعية عقارية للمنعشين العقاريين من أجل تشجيعهم على الانخراط في إنجاز البرامج السكنية 250.000 درهم، و140.000 درهم، قررت الحكومة تبني إجراءات جديدة لدعم السكن، تتمثل في استبدال النفقات الضريبية، التي تفوق سنويا 3 ملايير درهم والتي يصعب تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي بدعم مباشر للأسر”، وذلك داخل في النموذج التنموي الجديد – حسب تصريح فوزي لقجع – بـ”إعادة توجيه سياسة الدولة المتعلقة بالحوافز والمساعدات المالية، من سياسة قائمة على الحوافز الضريبية وتوفير الأراضي العمومية للمنعشين العقاريين، نحو سياسة قائمة على المساعدات المالية المباشرة الموجهة للأسر المؤهلة، مما يساهم في ملاءمة الطلب ودعم اقتناء السكن داخل المدن، وضمان الاستغلال الفعال والمستهدف للموارد العمومية للدولة، وسيأخذ دعم الدولة وفق المقاربة الجديدة، شكلين: يتمثل أحدهما في إعانة مالية مباشرة، والآخر في دعم تمويل اقتناء السكن”، ولهذا الغرض، صدر مرسوم رقم 2.23.350 صادر في 15 نونبر 2023، يتعلق بتحديد أشكال إعانة الدولة لدعم السكن وكيفيات منحها لفائدة مقتني مساكن مخصصة للسكن الرئيسي، دخل حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يناير 2024، ونص هذا المرسوم على أن يقوم الشخص الراغب في الاستفادة من الدعم بإيداع طلب وفق نموذج تعده وزارة الإسكان، عبر منصة إلكترونية معدة لهذا الغرض، حيث تم تحديد مبلغ المساعدة في 100 ألف درهم من أجل اقتناء مسكن يقل ثمن بيعه أو يعادل 300 ألف درهم مع احتساب الرسوم، و70 ألف درهم لاقتناء مسكن يتراوح ثمنه ما بين 300 ألف درهم و700 ألف درهم مع احتساب الرسوم، مع القيام بعدة إجراءات تتخذ من الوقت ما فوت الفرصة على أغلبية الراغبين في اقتناء سكن بمبرر انقضاء الأجل المحدد لمعالجة الملفات(…).

تتمة المقال تحت الإعلان

وهكذا فشلت برامج السكن التي أطلقتها الدولة على مدى عقود في احتواء أزمة السكن في المدن الكبرى، سواء من أجل محاربة دور الصفيح أو لتفادي الاكتظاظ، ورغم العديد من الاحتجاجات على الشركات والمنعشين العقاريين، والتي وصلت في حالات متعددة لردهات المحاكم بسبب التماطل في تسليم الشقق، أو مخالفتهم لمعايير البناء وعدة اختلالات على مستوى البنى التحتية، إلا أن هناك عدة أمور يجب على الدولة الوقوف عليها من أجل كبح طمع الشركات العقارية في كسب المزيد من الأرباح على حساب أبناء الشعب، ومن ذلك ما يسمى “النوار”، هذه الظاهرة غير القانونية التي استفحلت بشكل كبير حرم العديد من المواطنين من اقتناء سكن في ظل مطالبة الشركات المعنية للراغبين في اقتناء شقق بتقديم دفعات على شكل تسبيق غير مصرح به حتى لا يتم احتسابه في الضريبة، في ضرب صارخ لبنود الاتفاقات التي تطرحها الدولة مع المتداخلين في توفير السكن، وهذا المشكل كان ولا زال قائما إلى اليوم، حتى أن إدريس جطو سبق أن تطرق للموضوع في تقرير للمجلس الأعلى للحسابات عندما كان يترأسه، حيث وجه – آنذاك – انتقادات شديدة لاتفاقات الصلح المبرمة بين المديرية العامة للضرائب والمنعشين العقاريين، معتبرا أن “هذا النهج شجع ظاهرة عدم التصريح بالمبلغ الكلي للبيع (النوار)، وساهم في انتشار ممارسة التصريحات الضريبية الناقصة بالنسبة لقطاع يحقق هوامش ربح كبيرة”.

فهذه الاختلالات تستوجب من الدولة التدخل عبر إحداث آلية لمراقبة عملية البيع والشراء حتى تتم وفق الشروط التي وضعتها وحتى يستفيد المقتني وفق الضوابط المعمول بها، كما يستوجب الموضوع مراقبة التجزئات السكنية قبل تسلم الشقق هل تحترم شروط السكن اللائق أم لا.. ما عدا ذلك، فنحن أمام ظاهرة تجمعات سكنية عبارة عن “براريك من القرمود” وليس من القصدير، لأن التجمعات السكنية التي أطلق عليها اسم السكن الاقتصادي أو الاجتماعي بعد مرور سنوات قليلة أصبحت قنابل قابلة للانفجار في أي وقت.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى