تحقيقات أسبوعية

القانون.. القبضة الحريرية

بقلم: عبد الرفيع حمضي

    منذ فترة ولا حديث في مجالس الشاي بالعاصمة وغيرها إلا عما تقوم به مصالح الإدارة الترابية في عدد من المدن، الكبرى خاصة، من عمليات لتحرير الملك العمومي من جهة، وكذلك هدم ما تم بناؤه خارج القانون فوق ملكيات خاصة، ومنذ عدة سنوات، بعيدا عن المخططات العمرانية المعتمدة للمدن من جهة أخرى.

ولعل ما جعل هذا الموضوع يتربع على موائد الشاي، وقبله على المواقع الاجتماعية – في اعتقادي – يعود أساسا لكون الأمر هذه المرة لا يتعلق بالباعة المتجولين الذين يعرضون سلعهم بالشارع العام ويعرقلون حركة الراجلين والراكبين بالمدن، ولا بأصحاب المقاهي والمطاعم وهم يطعمون الزبناء أكلا وشربا تحت شمسيات منصوبة في كل مكان، ولا حتى من تلك “السيارة-المقهى” المنتشرة بضواحي التجمعات الحضرية وبين المدن.. وإنما العملية هذه المرة استهدفت فيلات فخمة، وإقامات شاسعة بالشواطئ وغيرها، لمواطنين يملكون في غالب الأحيان المال الوفير، والسلطة المغتصبة. 

وهكذا تعددت الحكايات عن حالات معينة بالمكان وحتى عن أسماء أصحابها بالرباط والهرهورة وسلا وتمارة والدار البيضاء والفحص أنجرة وغيرها، وإذا كان البعض يختصر الطريق في تحليله وهو ينتشي بالكأس الأول (العادي وليس الشباري) من الشاي وقبل الكوب الثاني، فيكون قد ناقش وحلل وأصدر حكمه الجاهز في ذهنه، فيصيح بمنطوقه “هذه غير مسرحية وحملة لتصفية بعض الحسابات بين أصحاب النفود فيما بينهم وانتهى الأمر”، وبالتالي “ستعود حليمة لعادتها القديمة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

كم هو معبر هذا المثل الشعبي المنتشر في كل العالم العربي والذي يجد أصله في رواية من الروايات التي وردت في كتاب “لئلا تضيع”، مفادها أن “حليمة زوجة حاتم الطائي الذي اشتهر بالكرم فيما اشتهرت هي بالبخل، فكانت إذا أرادت أن تضع سمنا في الطبخ ارتجفت الملعقة في يدها، فأراد حاتم أن يعلمها الكرم، فقال لها: إن الأقدمين كانوا يقولون أن المرأة كلما وضعت ملعقة من السمن في الطبخ زاد الله بعمرها يوما، فأخذت حليمة تزيد ملاعق السمن في الطبخ حتى صار طعامها طيبا وتعودت على الكرم والسخاء، ولكن لما مات ابنها الوحيد الذي كانت تحبه، جزعت حتى تمنت الموت، وأخذت لذلك تقلل من وضع السمن في الطبخ حتى ينقص من عمرها وتموت، فقال الناس: عادت حليمة إلى عادتها القديمة”.

لكنني أعتقد أن ما تقوم به المصالح الإدارية سيكون من العبث تقزيمه في ذلك الحكم القيمي والجاهز والمسبق، وإن كنت طبعا أتفهمه بحكم تراكم التجارب سابقا في هذا المجال وغيره.

لكني أعتقد أن الأمر أكثر تشعبا وتعقيدا، لكونه أصبح مرتبطا بالرفض المجتمعي القوي في حصر تطبيق القانون في مجمل فروعه على البسطاء فقط، وكذلك في الوعي والإرادة والعزم الظاهر منه والخفي للإدارة على فرض احترام القانون بعدما أصبح هو الوسيلة الوحيدة الكفيلة لضمان الأمن والعيش المشترك في أي مجتمع بعدما كان قد أصبح الاستهتار بالقانون سلوكا اجتماعيا يتباها به الخاصة في المجتمع، لكن بنشوء وبداية تشكل رأي عام مغربي ولو جنيني، فقد أصبح هذا الاستهتار يشكل استفزازا للعامة، والثابت أن الاستفزاز هو الطريق السريع للإهانة في كل أبعادها، والتاريخ أكد في تجارب قديمة وحديثة، أن الإهانة نار لا يخمدها إلا الشعور بالإنصاف.. إنصاف الإدارة وعدل القضاء، أو انتقام وقصاص، يفرضهما الشارع، وبذلك تشرع الأبواب للفوضى.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن هنا تكمن أهمية العمل على تملك ثقافة احترام القانون وممارستها كنظام مجتمعي، لكونها الأساس الذي تشيد عليه المواطنة، التي تعمق قيمة الإحساس بالانتماء للوطن ما دام لك في بلدك أقران تناظرهم في الحقوق والواجبات.

منذ ربع قرن تقريبا، وبالضبط في أواخر التسعينيات، شاركت في برنامج تلفزي كانت تنشطه نجمة القناة الثانية، الإعلامية نسيمة الحر، وكان الموضوع هو الحملة التي أطلقتها اللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير تحت شعار: “القبضة الحديدية” وشارك في البرنامج كذلك كريم غلاب، وكان حينها مدير الطرق بوزارة التجهيز والأشغال العمومية، ولصفر الكاتب الدائم للجنة صاحبة الحملة، ودار النقاش حول “القبضة الحديدية” والمقصود طبعا هو أن المكلفين بإنفاذ القانون سيتصدون بحزم لكل مخالف لقانون السير، وأجملت رأيي حينها في أن منظومة احترام القانون منظومة متكاملة ومنسجمة وغير قابلة للتجزيء، وبالتالي لا يمكن أن نتعامل بالقبضة الحديدية مع مخالفي قانون السير، في حين نتعامل بالقبضة الحريرية مع منتهكي القوانين الأخرى (الضرائب، التعمير، الجنائي، مدونة الأسرة…)، فعقب علي من عقب..

أعتقد أن الخطوات الأولى في مسافة الألف ميل قد قطعتها بلادنا ويبقى من الضروري الزيادة في السرعة، فالعالم لم يعد يسير بنفس الوتيرة، وكل إنجاز لا بد من تأطيره بالنقاش العمومي، فهو وحده الكفيل بتملك المجتمع لثقافة احترام القانون.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى