المنبر الحر

المنبر الحر | لماذا الاستهجان المتكرر للأعمال الدرامية المعروضة في شهر رمضان ؟

بقلم: عثمان محمود

    بات من المألوف أن تتعالى الأصوات المنتقدة للأعمال الدرامية المعروضة على قنواتنا التلفزية في شهر رمضان، فتنعت أحيانا مع بداية تقديم أولى الحلقات، بالتفاهة والرداءة والاجترار، ويواكب ذلك ذكر لأرقام الأموال التي صرفت على إنتاجها، فيتحول النقد إلى حنق وغضب لا يقلل من حدتهما توالي تقديم تلك الأعمال الفنية، حتى إذا انصرم شهر رمضان طوى النسيان ما تم عرضه من مسلسلات قصيرة وطويلة، جادة وهزلية، ومعها الانتقادات وصيحات الاستنكار، في انتظار قدوم شهر الصيام في العام الموالي، ليعاد تشغيل الأسطوانة المشروخة مرة أخرى، حيث يلمس المشاهد مجددا للوهلة الأولى علامات التسرع والارتجال أثناء إعداد وإخراج وتشخيص وإنتاج ما تبثه قنواتنا التلفزية من أعمال درامية طيلة الشهر الفضيل، الأمر الذي يستحق بلا شك وقفة حازمة وجادة لتجاوز هذه المعضلة، بغية الرقي بهذا النوع من الإبداع الذي تحرص تلك القنوات على عرضه بكل تفان وإصرار على مدار ليالي شهر الصيام.

إن هذه الوقفة المأمولة لا يمكن أن تفي بالغرض، في نظري الشخصي، إلا من خلال التشديد على عنصر الجودة إبان إنتاج ما يصرف عليه بسخاء من أموال دافعي الضرائب، حيث ينبغي أن تعهد المسؤولية إلى لجان تقويم مختصة لاختيار الأنسب من السيناريوهات المعدة بشكل مهني راق، على أن تكون حاملة شحنة ذات قيمة مضافة، مراعية الجانب الأخلاقي، واضعة الحس الوطني في الاعتبار، ورافعة من منسوب الذوق الجمالي والفني قبل أن يفسح المجال لإخراجها أمام ذوي الكفاءة العالية من المخرجين والمخرجات، لكي يضعوا كل شيء في مكانه المحدد والمضبوط، حتى ولو كان ابتسامة هادئة أو حركة عابرة أو حوارا داخليا حائرا، أو تسليط ضوء وهاج على سلوك لائق، ليصل كل ذلك طازجا إلى غرفة المونتاج، فتوضع اللقطات في المسار الذي سطره السيناريست، فتخرج أحداث الحلقات مشوقة ومتتابعة في غياب أدنى زيادة مملة تسعى متعمدة إلى التمطيط الذي يرفع من عدد الحلقات ليغطي كذا من أيام العرض، وهنا دعوني أتساءل: لماذا لا تخصص في هذا الصدد مسابقة سنوية في كتابة السيناريو تكون رافدا قويا لعملية إنتاج أعمال درامية في أعلى المستويات؟ ولماذا لا يواكب مسابقة اختيار أحسن الأعمال الروائية سعي دؤوب لتحويل الفائز منها إلى سيناريوهات معدة للإخراج السينمائي والتلفزي حتى يلتقي الجمهور القارئ مع الجمهور المشاهد عند بوابة الإبداع الراقي كتابة وتشخيصا وإخراجا، بدل اللجوء إلى عملية النهل المكشوف من الأحداث التي جرت في واقع الناس، أو النكت المستهلكة التي تلوكها ألسنتهم في الجلسات الترفيهية، فيتلقفها معدون ومخرجون ومعهم طبعا مشخصون، أبوا إلا أن يعيدوا أنفسهم ويفرضوا حركاتهم وطريقة تمثيلهم على الجمهور بطريقة متكررة وممجوجة؟

تتمة المقال تحت الإعلان

فليضع هؤلاء في الاعتبار أن الكوميديا الهادفة تنبني على دعامات قوية ثابتة، في طليعتها الموضوع المطروح ذو الرسالة المباشرة أو المبطنة، ثم يأتي بعد ذلك التشخيص الذي يرمي إلى نيل الإعجاب الباقي لا الإعجاب الآني العابر، إذ الكثير من مسلسلاتنا الساخرة تنسى، غير مأسوف على نسيانها، مباشرة بعد عرضها، كما لو أنها معدة للاستهلاك الفوري؟

وبقي سؤال آخر: لماذا تحرص قنواتنا التلفزية كل هذا الحرص على استقطاب الجمهور المشاهد في شهر رمضان بالذات؟ فالقناة ذات الكعب الطويل هي تلك التي تحافظ على نسبة المشاهدة على مدار العام، من خلال وضع محكم لخريطة البرامج حيث التنوع والجودة والجديد الذي يرضي تطلعات واهتمام المشاهدين على اختلاف فئاتهم العمرية، فنيا ومعرفيا وسلوكيا وترفيهيا، وهذا لا شك يطمئن المستشهرين على مدار ساعات البث، ليس في مدة محددة، بل طيلة أيام العام، فتغيب حينئذ عبارة ساعة الذروة من القاموس ما دام الإبداع الفني الجيد وما إليه، يستقطب الجمهور في أي وقت من أوقات العرض المحددة والمدروسة بعناية فائقة، فلتتكاثف الجهود للحد من هذا السباق المحموم وراء إنتاج التفاهة والسخافة التي تعقب عرضها خلال شهر رمضان، موجات الاستنكار والاستهجان.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى