تحقيقات أسبوعية

متابعات | بداية الرفع التدريجي لثمن “البوطا”.. قرار يزيد من إغناء أخنوش

صدمت الحكومة المواطنين بقرارها زيادة عشرة دراهم في سعر قنينة الغاز في ظرفية اجتماعية صعبة تتسم بغلاء الأسعار، وتتزامن مع اقتراب موعد عيد الأضحى المبارك، لتؤكد مضيها نحو التحرير التدريجي للدعم المخصص لغاز البوتان ضمن عملية إصلاح صندوق المقاصة، ما يطرح التساؤل: من المستفيد من هذا القرار؟

 

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

 

    قضية غاز البوتان لها ارتباط كبير بقطاع تكرير البترول ومصفاة “لاسامير” التي كانت تقوم بإنتاج هذه المادة الأساسية قبل إقبارها، عبر تنويع منتجاتها التي تشمل البروبان، البنزين، الكيروزين، وقود الديزل، وزيت الوقود.. حيث بعدها أصبحت تجارة غاز البوتان في يد أربع أو خمس شركات فاعلة في القطاع والتي تحقق أرباحا بالملايير في السنة من سوق الغاز بالمغرب، منها شركة “أفريقيا غاز” الفاعلة الأولى في القطاع، وشركات أخرى…

وحسب خبراء ومحللين، فإن الرفع التدريجي للدعم عن غاز البوتان يهدف بالأساس تنفيذ تعليمات البنك الدولي لسحب كل أشكال الدعم المالي المقدم للمواطنين فيما يتعلق بالمواد الأساسية، وفسح المجال لحرية الأسعار أمام الشركات والتي نفسها تتحكم في سوق المحروقات وتستغل الثغرات وغياب المراقبة لرفع الأسعار والتواطؤ فيما بينها لمراكمة المزيد من الأرباح، مما ينذر بتكرار نفس السيناريو في الغاز عند تحريره في ظل الممارسات غير القانونية التي كشف عنها مجلس المنافسة عند تغريمه للشركات.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالهدف من رفع الدعم عن الغاز – حسب الحكومة – هو إنهاء استفادة القطاعات الفلاحية والصناعية والإنتاجية (الفلاحة، السياحة، الصناعة، الخدمات..) من دعم صندوق المقاصة، لكن عند رفع تكلفة الإنتاج، سوف يدفع ذلك هؤلاء الفلاحين والمنتجين إلى الزيادة بشكل مباشر على المواطن والمستهلك بالخصوص في المواد الغذائية والخضروات وغيرها، وبالتالي ستظهر موجة جديدة من الغلاء والتضخم، ومن جهة أخرى، فالدعم الاجتماعي المقدم للأسر المتكونة من 4 أو 5 أفراد والمحدد في 500 درهم شهريا، لا يكفي لاقتناء قنينات الغاز وفاتورة الكهرباء وتسديد اشتراك التغطية الصحية “تضامن أمو” بحسب المؤشر أو النشاط المهني، مما يجعل هذه الزيادة الجديدة تربك حسابات ومصاريف الأسر خلال الفترة المقبلة وتزيد من تدهور قدرتها الشرائية.

إن الشركات التي تنشط في سوق الغاز اليوم تواصل احتكارها لجميع المراحل، من الاستيراد والتخزين إلى التوزيع ثم إنتاج قنينة الغاز، عكس ما كان في الماضي، حيث كان الموزعون الكبار يلجؤون إلى شركات أخرى للقيام بالتعبئة والتخزين والسدادات أو النقل، مما يبرز أن هذا القطاع يخضع لاستغلال مثله مثل الريع لفائدة شركات كبيرة دون فسح المجال أمام شركات أجنبية أو خليجية لدخول السوق المغربية، وتشتغل في هذا القطاع حتى ينخفض ثمن الغاز ويصبح سعر “البوطا” في متناول جميع المغاربة.

ومن بين المؤاخذات المسجلة على الحكومة كما في عهد الحكومات السابقة، التعامل مع الشركات المستوردة للمواد الحيوية والأساسية مثل المحروقات والبوتان بحسن النية، حيث أن الدولة تمنح للشركات تعويضات والهوامش المالية من صندوق المقاصة على الفوترة التي تحددها والمتعلقة بكلفة الإنتاج، والتي قد تكون مرتفعة، دون القيام بمراجعة هذه الفواتير أو التدقيق في أرقامها، كما كانت تفعل شركات المحروقات من بينها شركة كبرى كانت تقوم بأساليب ملتوية من أجل الحصول على تعويضات من صندوق المقاصة من خلال تقديم فواتير ضخمة حول كميات استيراد البنزين من الخارج، وفي هذا الإطار يتدخل صندوق المقاصة من أجل دعم ثمن غاز البوطان عبر عدة مراحل من السلسلة، بدء من الاستيراد إلى الاستهلاك النهائي، وتسوية ملفات استيراد غاز البوطان، وتكلفة تخزين هذه المادة، سواء في حاويات الشركة المغربية للتخزين أو باستقبالها في الموانئ، ثم تكاليف النقل من نقط التزويد إلى مراكز التعبئة، والفارق بين التكلفة النهائية للغاز والثمن المقنن عبر حساب تسوية الأسعار.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب مصادر مطلعة، فإن “أفريقيا غاز” هي الموزع الأول للغاز في المغرب، إلى جانب شركات “طوطال” و”شال” و”زيز”، وهناك شركات متوسطة “وينكسو” و”بتروم” و”ديما غاز” و”سوماب” و”فلور غاز”، لكن شركة “أفريقيا” تحولت إلى الفاعل الأول في القطاع بعد شرائها لرأسمال شركة “تيسير غاز” التي كانت تملكها عائلة أمهال، لتصبح شركة أخنوش هي الأولى منذ سنة 2005، وتحتكر أكثر من 50 في المائة من سوق غاز البوتان على الصعيد الوطني، إلى جانب البروبان والكيروزين المخصص للطائرات، فإذا كان البقال يحصل على 2.5 درهم والموزعون يحصلون على ربح صافي 5.20 دراهم في قنينة “البوطا غاز” بعد اقتنائها بمبلغ 31 درهما من مركز التعبئة، فإن الشركات لديها 30 درهما تشتمل على المصاريف ونسبة الأرباح، وتحصل على 60 درهما من صندوق المقاصة كفارق إلى حين السحب الكلي للدعم.

في هذا السياق، يرى الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول، أن قرار الزيادة في غاز البوتان يعود إلى تطبيق قرارات المؤسسات المالية الدولية التي تمنح القروض للحكومات، والشركات الكبرى المتحكمة في العالم، والتي تعتبر أن تقنين وتنظيم الأسعار لا يجب أن يبقى، وأنه يجب فتح الأسواق على أساس السوق، فمباشرة بعد مؤتمر صندوق النقد الدولي بمراكش في نونبر سنة 2023، صرحت الحكومة بأنها سوف تزيل الدعم، وأجلت القرار، لكن بمنطق الحسابات الرقمية وضعت عينها على 2.5 مليار درهم عبر إزالة 10 دراهم من غاز البوتان دون استحضار تداعيات القرار على القدرة الشرائية ونحن على أبواب عيد الأضحى والعطلة الصيفية.

وأضاف اليماني، أنه بلغة الحسابات مادة البوتان ليس فيها لا فقراء ولا أغنياء، حيث استهلكنا 2.8 مليون طن في السنة، مقسمة بين الاستهلاك المنزلي والاستهلاك الآخر بنسبة 50 في المائة، وكل فرد مغربي، سواء كان فقيرا أو غنيا، يستعمل الغاز في الطبخ أو الحمام، لكن في الأغراض الفلاحية وإنتاج الخضروات، يقوم الفلاح بزيادة سعر المنتوج بعد ارتفاع تكلفة الإنتاج والضريبة سيؤديها المستهلك المواطن البسيط، مشيرا إلى أن هناك توجها نحو زيادة عشرة دراهم خلال السنوات المقبلة 2025 و2026 للوصول إلى تحرير أسعار البوتان مثل المحروقات، لنصل إلى قنينة الغاز بـ 120 درهما لتحقيق هدف شركات الغاز التي تطمح إلى تحقيق المزيد من الأرباح على حساب القدرة الشرائية للمواطنين، الشيء الذي سيثقل كواهل الأسر المكونة من أربعة أفراد وما فوق، وسيزيد من مصاريفها بعد زيادة 188 درهما في الغاز بشكل مباشر، وبشكل غير مباشر 564 درهما في الشهر بمجموع 752 درهما في الشهر، مقابل الدعم الذي تعطيه الحكومة لرب أسرة، والمحدد في 500 درهم، سيصرف 752 درهما بمعنى أن مصاريفه ستزيد بـ 252 درهما، إلى جانب الموظفين الذين سوف تخصم لهم 752 درهما من الزيادة، مما سيعمق الأزمة التي يتخبط فيها معظم المغاربة، والتي سببها المحروقات وأشياء أخرى..

تتمة المقال تحت الإعلان

وقال الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول: “نشتري الغاز من الخارج بـ 80 درهما بينما قنينة 12 كيلو في الميناء، ثم يضيفوا عليها المصاريف والنقل (30 درهما)، ليصل سعر البوطة إلى 110 دراهم، ويأتي صندوق المقاصة ليعطي 70 درهما من المال العام، واليوم يتدخل بـ 60 درهما ليقتني المستهلك القنينة بـ 50 درهما، ففي هذه الحالة أرباح الفاعلين لن تزداد، لكن الرفع التدريجي للدعم يمهد لتحرير الأسعار، وأكيد أن السيناريو سيقع مثل ما فعل رئيس الحكومة عبد الإله بن كيران في المحروقات في سنة 2015، حيث ترك المغاربة في مواجهة مع الشركات في السوق، وهذه الإجراءات كلها في أفق التحرير، والانعكاسات ستكون خطيرة أكثر من الغازوال، علما أن شركة رئيس الحكومة تمتلك أكثر من 50 في المائة في السوق، بشكل مباشر وغير مباشر، وعندما نصل للتحرير النهائي سوف تحصل كارثة أخرى، وستكون تداعيات ذلك صعبة بالنسبة للسلم الاجتماعي ما لم تتحمل الحكومة مسؤوليتها”.

وكشف اليماني أن الربح في سوق الغاز يبدأ من الاستيراد ثم التخزين وعملية التعبئة، التي فيها هامش من الأرباح ومراحل أخرى، ولكن الملاحظ أن المتحكمين في سوق المحروقات هم المتحكمون في سوق الغاز بالمغرب، إذ أن نفس الشركات الكبرى هي الموجودة في سوق الغاز، معتبرا أن المستفيد في المرحلة الأولى هي الميزانية العامة للدولة في انتظار اغتناء الشركات عند التحرير، والحكومة تريد من المغاربة شراء السلع والغاز بمستوى المواطن الفرنسي والإسباني مثلا، رغم الفارق الشاسع في الأجور بين الحد الأدنى للأجور بالنسبة للمواطن المغربي بـ 4 آلاف درهم والمواطن الأوروبي الذي يتقاضى 15 ألف درهم.

من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي عمر الكتاني، أن “هناك زيادات ستكون متتالية وليس زيادة واحدة، لكون صندوق النقد الدولي يضغط منذ سنين على الدولة لإلغاء صندوق المقاصة، لكي تصبح أسعار السوق غير مدعمة في المواد الأساسية، والأسلوب الذي تبنته الحكومة أنها تعطي بيد وتأخذ باليد الأخرى بحجة أن المستهدفين هم الطبقة الفقيرة، بمعنى أن الدعم سيعطى للناس المحتاجين ولكن الزيادة ستمس بالأساس جميع الفئات على رأسها الطبقة الوسطى، التي عليها الضغط وستؤدي الثمن عن الطبقة الفقيرة، لكونها هي من تستهلك المواد بشكل أكثر، بينما مساهمات الطبقة الفقيرة ضعيفة في الأسعار والضرائب، لهذا تبقى الطبقة المتوسطة هي المتضررة من الزيادات، وكمثال على ذلك: بالنسبة لزيت الزيتون، كان المغرب من المنتجين والمصدرين لهذه المادة وكان سعره 45 و50 درهما، بينما حاليا تضاعف ليصل 100 درهم أو أكثر، لكن من سيشتري الزيت من غير الطبقة المتوسطة”، وأضاف: “التعويض عن البوطا غاز في الحقيقة كان مائة في المائة، فالقنينة تكلفتها 80 درهما وتبيعها للمواطن بـ 40 درهما، حيث كان هناك دعم كبير، ولكن في هذه الظروف، فإن أي زيادة سيكون أثرها سلبيا، لأن الزيادة ستكون أيضا في كلفة المعيشة والزيادة في المواد الأساسية والثانوية، ذلك أن المنظومة الإنفاقية في المغرب مبنية على الاستهلاك وليس على الإنتاج، والملاحظ أن نفس عقلية الاحتكار هي نفسها في الإنفاق الاستهلاكي المغربي، وعلى المغاربة تغيير نمط الاستهلاك، لأن الحياة تغيرت وحتى الدولة لم تتكيف مع المتغيرات رغم أن المعطيات تقول باستمرار التضخم الذي يقتل الاقتصاد والفئات المتوسطة بشكل خاص والفئات الضعيفة بشكل ثانوي، فالمراجعة الذاتية لا بد أن تكون في أي مجتمع وفي أي سياسة اقتصادية، ويظهر أن ذلك لن يحصل، وبالتالي، فالمغاربة يؤدون ثمن تأخير ترشيدهم للإنفاق الاستهلاكي في المغرب”.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأكد الكتاني أن هناك شركات محتكرة لسوق البوتان، من بينها شركات مغربية، والدولة تساهم في غلاء الغاز على المستهلك من خلال الضريبة على التوزيع، وبالتالي، المسؤولية الأساسية هي سياسة الدولة التي لم تكن مبنية على الاكتفاء الذاتي، وانعكست على الثقافة الاستهلاكية لفئات من المواطنين، وبذلك، فالدولة تعطي مثالا سلبيا عندما تطالب الناس بسياسة التقشف في حين هناك إنفاق استهلاكي والريع في الاستثمار في ظل استمرار احتكار سوق الغاز من قبل بعض الشركات، في غياب المنافسة ومنح شركات أخرى الحق في مجال الكيروزين مثلا الذي تحتكره شركة واحدة في المطارات.

وتعتبر شركة “أفريقيا غاز”، التي تملكها عائلة أخنوش، هي الفاعل الأول في السوق المغربي من حيث توزيع غاز البترول المسال المكون أساسا من غاز البوتان وغاز البروبان، حيث تصل القدرة التخزينية للشركة ما يناهز 75 ألف طن.

وحسب التقارير السنوية للشركة، فإنها تؤمن ملء أربعة مراكز تعبئة لحسابها ولحساب شركات أخرى فاعلة في القطاع، بحوالي 800 ألف طن من الغاز سنويا، فيما تتم تعبئة هذه المراكز عبر الاستيراد والتي تحول إلى ثلاث محطات استقبال تتواجد في كل من أكادير والجرف الأصفر والمحمدية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتتوفر الشركة على شبكة توزيع تضم 180 موزعا حيث تصل القدرة التوزيعية إلى نحو مليون طن من غاز البترول المسال (غاز البروبان والبوتان) تؤمنها حظيرة شاحنات تصل إلى 1300 شاحنة، وتملك “أفريقيا غاز” وتسوق خمس علامات من منتجات الغاز وهي: “أفريقيا غاز”، “تيسير غاز”، “كامبين غاز”، “إلترا غاز”، و”ناسيونال غاز”، كما تتوفر الشركة وتشغل مراكز تعبئة الغاز في أربعة مناطق، وهي مراكش والمحمدية والجرف الأصفر وبني ملال، وبالإضافة إلى التخزين والتوزيع، تقوم الشركة بصناعة قنينات الغاز ولوازمها عبر شركة “تيكنوغاز” التي تمتلك فيها 50 في المائة وتنتج مليون قنينة سنويا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى