تحقيقات أسبوعية

للنقاش | أسباب استفحال ظاهرة الفساد الإداري في المغرب

بقلم: مراد علوي

    اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية دولية لمكافحة الفساد سنة 2003، دخلت حيز التنفيذ سنة 2005، وحتى يناير 2013 صادقت عليها 165 دولة، وتعتبر الاتفاقية الأكثر شمولا وقوة في مكافحة الفساد على النطاق العالمي، حيث تلزم الدول الأطراف فيها بتنفيذ مجموعة واسعة ومفصلة من التدابير لمكافحة الفساد، وتحث الدول على التعاون القضائي الدولي وتوفير آليات قانونية فعالة لاسترداد الموجودات والمساعدة التقنية وتبادل المعلومات، وتتضمن هذه الاتفاقية 71 مادة تضم الطرق الكفيلة بتفعيل عملية محاربة الفساد وكيفية تقديم المساعدة التقنية وتبادل المعلومات وتحليلها، وكذا بناء القدرات في مجال تخطيط سياسة استراتيجية لمكافحة الفساد، بالإضافة إلى كيفية تحديد شروط المقاضاة والجزاءات، والأهم من هذا كله، أنها تحث الدول على اعتماد تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي على إثراء غير مشروع، أي زيادة موجودات زيادة كبيرة لا يستطيع تحليلها بصورة معقولة قياسا مع دخله المشروع.

دخلت اتفاقية محاربة الفساد في المغرب حيز التنفيذ سنة 2008، إلا أنه لم يترجم مقتضياتها بقوانين زجرية تجرم الفساد الإداري بقوة، مع العلم أن دستور 2011 ينص على أن الاتفاقية الدولية التي صادق عليها المغرب تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، ودعا إلى العمل على ملاءمة تشريعاته مع ما تتطلبه تلك المصادقة.. وهكذا حسم الدستور في مسألة سمو الاتفاقية الدولية التي صادق عليها أو انضم إليها لتحديد طبيعة المرجعية القانونية ذات الأولوية، وكذا الآليات الكفيلة بملاءمتها مع التشريعات الوطنية، والالتزام بما يترتب عن ذلك قانونيا وسياسيا، ذلك أن الاندماج القانوني للاتفاقيات في التشريع الوطني، يفضي إلى تقييد الاختصاص الداخلي بما يتلاءم مع القواعد القانونية الدولية، خاصة وأن المغرب قد صادق على اتفاقية فيينا سنة 1969 بتاريخ 26 شتنبر 1972، والتي لا تجيز في مادتها 27 لأحد أطراف الاتفاقية التحلل من الالتزام بها مقابل التمسك بمقتضيات القوانين الداخلية للدول المتعاقدة .

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي سياق إدماج المغرب للاتفاقيات الدولية، تمت إضافة الفرع الثاني من الباب السابع من القانون الجنائي المغربي سنة 2003، لإدماج الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد عائلاتهم في القانون الوطني، وهو ما من شأنه ضمان احترام هذه الاتفاقية ونفاذها، إلا أن المغرب لم يقم منذ مصادقته على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في شتنبر 2003، بما يفيد ملاءمة هذه المعاهدة مع القوانين الداخلية، على الرغم من أن الفساد يعد من بين أهم العوامل التي تعوق الاستثمار والتنمية فيه، لدرجة اتخذ معها طابعا منهجيا وأصبح القاعدة لا الاستثناء.

فالفساد يحول دون تحقيق مبدأ التنافسية، ويفضي إلى اتخاذ قرارات خاطئة، الأمر الذي يفضي إلى التخطيط لمشاريع خاطئة بأسعار خاطئة، وتنفيذها من طرف المقاولين الخطأ، وبالتالي، فتسليم مشاريع دون المستوى المطلوب يعوق تحقيق التنمية عوض أن تسعى إلى تحقيقها، وهذا ما أشار إليه الملك محمد السادس غير ما مرة كان آخرها خطابه بمناسبة الذكرى 18 لتربعه على العرش، حيث أكد أن محاربة الفساد ينبغي أن تكون في صميم الأولويات، طالما أنه يشكل أكبر عقبة تعيق جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من طموح الشباب، مشيرا إلى أنه لا سبيل إلى إنجاح هذا الورش إلا من خلال التزام سياسي صادق وتظافر الجهود المخلصة على مستوى العمل الحكومي، وعلى صعيد المشاركة المدنية بهدف محاربة الفساد.

أما عن أهم مظاهر هذا الوباء، فإنها كثيرة ومتعددة، وكلها تصب في منحى واحد، هو تحقيق الأهداف المادية والمعنوية والأرباح على حساب المواطن وبمخالفة القانون، إذ يعد الفساد سلوكا يقوم به المسؤولون الحكوميون باستخدام المبادئ المقبولة من الدولة من أجل خدمة مصالحهم الشخصية، وهو إساءة استخدام الوظائف العامة، ويتخذ هذا الأخير أشكالا كثيرة في المجتمع بدء من الفساد الجنائي إلى الفساد غير الجنائي، ومن مظاهر الفساد نجد: الرشوة، والعمولات، وغيرها من الجرائم الجنائية وفقا للقانون، وأما الجرائم غير الجنائية فهي التي تحدث بسبب السلطات الإدارية أو السياسية، ومن مظاهر الفساد ما يلي:

تتمة المقال تحت الإعلان

الفساد المجتمعي: يمكن أن يوجد الفساد في البلدان الغنية والفقيرة على حد سواء، لكنه يختلف من ناحية طبيعته ومدى تغلغله في المجتمع، ومعظم الحالات التي تظهر في البلدان الفقيرة تبين أن الفساد عامل أساسي في كثير من المجالات، كنقص المياه في معظم الميادين، وقطع أشجار الغابات بشكل غير قانوني، وعدم العدل بين الناس، وتقديم الخدمات الصحية دون المساواة بسبب قرارات عامة وفاسدة، والتي يمكن أن تؤدي لموت الكثير من الأشخاص، وتجاهل فرص تعليم الأفراد، وبناء طرق سيئة الجودة، وحدوث مجاعات… إلخ.

الرشوة: الفصول من 248 إلى 256 من القانون الجنائي: تعد الرشوة أحد أكثر مظاهر الفساد وأوسعها انتشارا في القطاع العام والخاص، وهي دفع المال لشخص آخر من أجل القيام بالعمل الذي يتعارض مع واجبه ويتعارض مع القانون، فهذا العمل مخالف للقانون ومخالف للمعايير التي تحكمه وتفسد دوره كموظف، وتعتبر الرشوة سلوكا غير قانوني بتاتا، لذا فالمشرع يقوم بمجهودات من أجل تصحيح الوضع عن طريق التشريعات وسن القوانين تجاه هؤلاء الأشخاص؛

التزوير: الفصل 351 إلى 356 من ق.ج: التزوير تحريف متعمد يجبر الآخرين على تحمل تكاليف أمور لم يفعلوها وعادة ما تكون خسائر مالية، والهدف من هذا السلوك حرمان الآخرين من بعض الحقوق، ويجب وجود نية الخداع من أجل حدوث مثل هذا الاحتيال، وهناك العديد من أنواع التزوير، لكن أكثر الأنواع شيوعا هو التزوير الذي تقوم به تجاه أموال الدولة؛

تتمة المقال تحت الإعلان

التمييز في العمل: يحصل التمييز في العمل في معظم الأوقات بسبب اختلاف العرق، أو اللغات أو الأصول، والتمييز يعد سلوكا غير قانوني يحدث عند معاملة شخص ما أو مجموعة من الأشخاص بطريقة أقل تفضيلا عن غيرهم بسبب عرقه، لونه، أصله أو جنسه، أو حالته الاجتماعية، أو عمره، أو دينه، أو بسبب صفات أخرى، كما أنه يمنع التمييز بين الموظفين حتى لا يؤثر ذلك على أدائهم للعمل؛

المحاباة والمحسوبية: أي تفضيل جهة على أخرى في الخدمة بغير حق للحصول والاستفادة من مصالح معينة، أو تنفيذ عمل مخالف للقانون لصالح فرد أو جهة ينتمي إليها الشخص كحزب، أو عائلة، أو منطقة دون أن يكونوا مستحقين له؛

السرقة والاختلاسات: الفصل 505 من ق.ج: اختلاس مال مملوك للغير عمدا يعد سارقا بهدف أغراض شخصية، وكثيرون دخلوا إلى الوظيفة بدون أي شيء وأصبحوا أصحاب مشاريع كبيرة، دون أن ننسى الابتزاز، وهو تهديد لإرغام الغير على دفع مبالغ أو تقديم أشياء أو تنازلات خاصة، وكثيرا ما يستعمل من العاملين في الأجهزة الأمنية والسيادية.

تتمة المقال تحت الإعلان

استغلال المنصب العام: استغلال الوظيفة في الحصول على امتيازات خاصة، أو التصرف بالأملاك العامة بطريقة غير قانونية أو الحصول على بعض الصفقات التجارية أو على إعفاءات ضريبية، أو منح تراخيص للأشخاص أو للشركات بشكل غير قانوني، وعدم احترام أوقات الحضور والانصراف أو تمضية الوقت في قراءة الصحف واستقبال الأشخاص والامتناع عن أداء العمل أو التراخي والتكاسل… وغير ذلك.

فالفساد الإداري له انعكاسات جد وخيمة على الدولة، خاصة في الجانب الاقتصادي، الذي يصيب فساده كل جوانب الحياة، إذ يساهم في تدني كفاءة الاستثمار العام ويضعف جودة البنية التحية العامة بسبب الرشاوي التي تحد من الموارد المخصصة للاستثمار، أي تسيء من توجيهها أو تزيد من كلفتها.

وقد يدفع إلى تهريب الأموال إلى الخارج، كما له أثر مباشر في حجم ونوعية الاستثمار الأجنبي الذي تقف مختلف العراقيل الإدارية في وجهه، كما يرسخ تركيز الثروة في أيدي أصحاب النفود من خلال استغلال أصحاب النفوذ لمواقعهم المميزة في المجتمع وفي النظام السياسي، ما يتيح لهم الاستئثار بالجانب الأكبر من المنافع الاقتصادية التي يقدمها النظام، بالإضافة إلى قدرتهم على تجميع الأصول بصفة مستمرة، مما يؤدي إلى توسيع الفجوة بين هذه النخبة وبقية أفراد المجتمع.

تتمة المقال تحت الإعلان

كل ذلك يؤدي إلى انتشار البطالة وتعاطي المخدرات وموت الإحساس والواجب الوطني، واستعمال العنف بكل أنواعه، الكراهية، الحقد.. أما التقليل من الظاهرة فرغم صعوبته، فإنه ممكن جدا، لكن لابد من توفر النية الصادقة لدى المسؤولين للقطع النهائي مع مفهوم الدولة المخزنية القائمة، عندها يمكن اتخاذ إجراءات عملية كفيلة بالقضاء على الفساد وأثاره على الفرد والمجتمع، إذ يمكن مثلا:

1) اتخاذ قرارات جريئة في مجال الأجور والتعويضات يطبعها تكافؤ الفرص والأهلية وضمان حد مقبول من العيش الكريم؛

2) الاختيار المناسب للعاملين من خلال المؤهلات بعيدا عن المحسوبية والزبونية والرشوة؛

تتمة المقال تحت الإعلان

3) بناء وتنمية الوعي ضد ممارسات الفساد الإداري، عن طريق خطة إعلامية وتثقيفية شاملة وهادفة لتجاوز أسباب حالات الفساد الإداري ومظاهره؛

4) تفعيل أدوار الأجهزة الرقابية للإشراف على متابعة الممارسات التي تتم من العاملين في الإدارات العمومية؛

5) ربط النضال ضد الاستبداد السياسي بالنضال ضد الفساد العام.

تتمة المقال تحت الإعلان

تداعيات ظاهرة الفساد على الفرد والمجتمع

    إن آفة الفساد على اختلاف مظاهرها تعد المعيق الأكبر لأي محاولة نحو التقدم، ولكافة دعائم التنمية، مما يجعل تداعيات الفساد ومخاطره أشد فتكا وتأثيرا من أي خلل آخر، فهو يمتد إلى شتى نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وله تداعيات خطيرة وأثر سلبي على مختلف الجوانب.

وتداعيات الفساد والأثار الناتجة عنه التي تنتهك حقوق الأفراد والمجتمع، منها:

1) الأثار الإدارية للفساد:

على الصعيد الإداري، هناك عدة نقاط تزيد من حدة وضع الفساد.. فقد يؤدي الانحراف الإداري في كثير من أجهزة الإدارة في الدول النامية إلى خلق علاقة سيئة بين طبقة الموظفين ورؤسائهم في العمل، حيث تقوم هذه العلاقة على استبداد الرؤساء للسلطة وعدم ثقتهم بنفسهم وعدم تفويض السلطة، مما يترتب عنه تركيز السلطة والقرار في أيدي قلة من الأفراد، مما ينتج عن ذلك عدم المرونة في مواجهة المواقف وحل المشكلات، الأمر الذي يؤدي إلى التعطيل والبطء في تقديم الخدمات للمجتمع.

كما يؤدي الانحراف الإداري أيضا إلى انعدام كفاءة الأجهزة الإدارية في الدول النامية، فنجاح الإدارة وكفاءتها في أي دولة يتوقف أساسا على مراعاة الموضوعية وتوفر الخصائص والمؤهلات والميزات المطلوبة عند التعيين والموضوعية عند اتخاذ القرارات، وهذا لا يتوفر في العديد من الدول النامية حيث التعيين في الأجهزة الإدارية الحكومية يعتمد على علاقات القرابة والصداقة، وهو أحد أسباب تعثر النشاط الإداري الحكومي في مجالات التنمية المختلفة وتدهور نوعية الإنتاجية وما يعنيه ذلك من انخفاض الكفاءة.

وهكذا يساعد الانحراف الإداري المتفشي بين الأجهزة الإدارية العامة في الدول النامية، إلى هجر أصحاب الخبرات العملية والفنية من الدول النامية إلى الدول المتقدمة، كما يؤدي الانحراف الإداري إلى افتقاد أسس العدالة والموضوعية في تعامل الأجهزة الإدارية مع المواطنين، وتعمد الإساءة إليهم والسخرية منهم، وإيلامهم بطريقة تزيد من غضب المواطن ونفوره من هذه الأجهزة وعدم ثقته بها وعدم احترامه للنظام الإداري وتهربه من أداء التزامه.

ونتيجة لما سبق، فإن المغرب يحتل المرتبة 9 ضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، على عكس بعض دول إفريقيا، التي تحتل المراتب الأولى: تونس المرتبة الأولى؛ موريتانيا المرتبة 3؛ الجزائر المرتبة 12؛ ليبيا المرتبة 16، فقد تبين لنا أن المغرب يحتل مرتبة لا بأس بها مقارنة مع دول إفريقيا، لكن مازلنا نرى بعض الخروقات في بعض الإدارات.

2) الأثار السياسية للفساد:

على الصعيد السياسي، يؤدي الفساد إلى تشويه الدور المطلوب من الحكومة بشأن تنفيذ السياسة العامة للدولة وتحقيق مستهدفات خطط التنمية، وكذا انهيار وضياع هيبة دولة القانون والمؤسسات بما يعدم ثقة الأفراد فيها، وإضعاف كل جهود الإصلاح المعززة للديمقراطية بما يتزعزع معه الاستقرار السياسي، إضافة إلى إقصاء أصحاب الكفاءة من الوصول إلى مناصب قيادية، مما يزيد من حالة السخط بين الأفراد ونفورهم من التعاون مع مؤسسات الدولة، وكذا تفويض كافة الجهود الرقابية على أعمال الحكومة والقطاع الخاص.

إضافة إلى التداعيات السلبية للفساد الإداري على الفرد والمجتمع، فهناك فساد يتعلق بالنواحي السياسية، أهمها:

* قد يساهم الانحراف الإداري في تعميق الفجوة بين الطبقات والجماعات الغنية، وبين الطبقات والجماعات الفقيرة في المجتمع، مما يؤدي إلى تزايد شعور الطبقات الفقيرة بالحرمان من مجموعة من الخدمات التي من المفروض أن تقدم إلى الفرد والمجتمع، وقد لا تجد أمامها سوى الالتجاء إلى إقامة مظاهرات بهدف تصحيح الوضع والنظر فيه؛

* يساهم الفساد الإداري في إضعاف المشاركة السياسية التي تقتصر فقط على الجماعات التي تملك الثروة وركائز القوة الاقتصادية، والتي تمكنها من إقامة علاقات خاصة مع أصحاب المصالح السياسية؛

* كما يساهم الفساد في تفشي الانحراف والفساد الإداري في الأجهزة الحكومية والإدارية في أن يقلل من الحق السياسي، حيث يرى المجتمع أن الموظفين الحكوميين على مستوياتهم المختلفة، مجرد عناصر متورطة في الفساد لا يعنيها سوى تحقيق مصالحها الخاصة، ونتيجة لذلك، يكون النظام السياسي محروما من الناحية الواقعية من أي مساندة شعبية، بسبب إقبال المواطنين على التعاون مع النظام القائم مع فقدان الفرد للثقة في السياسات العامة.

3) الأثار الاقتصادية للفساد:

على الصعيد الاقتصادي، يؤدي الفساد إلى إعاقة النمو الاقتصادي مما يقوض كل مستهدفات خطط التنمية طويلة وقصيرة الأجل، ويعصف أيضا بالدولة إلى إهدار مواردها وسوء استغلالها بما يعدم الفائدة المرجوة من الاستغلال الأمثل، وكذا هروب الاستثمارات، سواء الوطنية أو الأجنبية، لغياب حوافزها، وبالتالي يؤدي إلى دخول الفرد في متاهة بسبب عدم توفر فرص الشغل.

إضافة إلى ما تم ذكره، يؤدي الفساد إلى الإخلال بالعدالة التوزيعية والموارد وإضعاف الفعالية الاقتصادية وازدياد الهفوة بين الفئات الغنية والفقيرة وإضعاف الإيرادات العامة للدولة نتيجة التهرب من دفع الضرائب والرسوم باستخدام الوسائل الاحتيالية والالتفاف على القوانين النافذة والتأثير السلبي لسوء الإنفاق العام لموارد الدولة عن طريق إهدارها في المشاريع الكبرى بما يحرم قطاعات هامة، مثل الصحة والتعليم والخدمات الأخرى، من الاستفادة من هذه الموارد، وكذا تدني كفاءة الاستثمارات العامة وإضعاف مستوى الجودة في البنية التحتية العامة بفعل الرشاوي التي تدفع للتغاضي عن المواصفات المطلوبة، كما يمكن أن نضيف على هذا تعطيل النمو الاقتصادي، الذي يتمثل في التشوهات التي يحدثها على المشاريع والاستثمارات التي تقوم بإحداثها .

كما يؤثر الفساد على الاستثمارات الخارجية التي ترد على المملكة، وذلك بهروب رؤوس الأموال المحلية، والتسبب في هدر الموارد بسبب تعارض المصالح الشخصية مع المشاريع التنمية العامة، إضافة إلى هجرة الكفاءات الاقتصادية إلى الخارج بسبب غياب التقدير، وبروز المحسوبية والمحاباة في أشغال المناصب العامة، وقد لا يتم منح الامتيازات والرخص إلى المشاريع الإنتاجية التي لا تقدم الرشاوي، وهذا ما يؤدي إلى ضعف الكفاءة بالنسبة للقطاع الخاص للمساهمة في التنمية الاقتصادية.

4) الأثار الاجتماعية للفساد:

وعلى هذا الصعيد، يؤدي الفساد إلى انهيار النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية بين طبقات وفئات المجتمع، نتيجة عدم توفر العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وكذا التأثير المباشر وغير المباشر لتداعيات الفساد الاقتصادية والسياسية على استقرار الأوضاع والسلم الاجتماعي:

* فالفساد يساهم في ارتفاع معدل الجريمة، بسبب عدم تكافؤ الفرص وإضعاف العدالة وانحسارها وتفاقم الوضع إلى الفقر والبطالة وتوسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، إضافة إلى حرمان بعض الناس من الحصول على الحقوق الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم؛

* تقلص القيم الإيجابية (قيم المصلحة العامة، قيم المواطنة، قيم المشاركة، الانتماء…) واختزالها في قيمة واحدة دون الثانية، ألا وهي قيمة المال الذي يؤدي إلى انتشار النوازع الفردية، فهذا سبب كافي يؤدي إلى انتشار الرذائل والتحلل الأخلاقي وخدش الحياة والكرامة والفطرة الإنسانية؛

* التأثير على الكفاءة والفعالية، وذلك بخلقه سلوكا سلبيا حيث يؤدي إلى الحد من الحراك الاجتماعي لانتشار الشعور باليأس والإحباط، وعدم إدانة المسؤولين عن الفساد وحمايتهم وعدم محاسبتهم، كما يؤدي إلى التجرد من الأخلاق التي هي عماد الدين بانتشار طرق كسب غير مشروعة وتفشي الأساليب اللاأخلاقية والتهرب من المسؤولية وضياع موازين الرقابة والإشراف والمساس بالأمن والصحة العامة.

هذا إضافة إلى تدني مستوى القيم ورداءة المجتمع لدرجة أن بعض الأفراد يمارسونه بشكل عادي دون تعقيد، بل يعتبرونه من المسلمات للتعامل مع المؤسسات، سواء كانت حكومية أو قطاعا خاصا أو عاما، لذلك تبقى من أخطر نتائج الفساد وصول غير المؤهلين لمراكز اتخاذ القرار.

عموما، يمكن القول أن الفساد سلوك منحرف تترتب عنه خسائر مادية ومالية معنوية للمواطنين وللمؤسسات العامة والخاصة.

خلاصة القول أن محاربة الفساد ليست أمرا هينا وسهلا على اعتبار أن هذا الإشكال هو إشكال بنيوي، يتطلب إعادة النظر في البنية السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، ويتطلب أيضا معالجة العلاقة بين الرأسمال المادي والسلطة السياسية، إضافة إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة التي تجمع بين هرم السلطة ومحيطها، فهذا الموضوع يكتسي أهمية بالغة ودراسة معمقة من قبل المشرع والجهات المختصة، لذلك وجب علينا التعريف بإشكالية الموضوع وهي: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي محاربة ظاهرة الفساد ؟

تعليق واحد

  1. La corruption c’est une sorte de trahison pour une nation c’est la raison pour laquelle une fermeté avec force pour épargner un pays de la décadence

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى