المنبر الحر

المنبر الحر | عمر بن الخطاب وحق الارتفاق

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    من الحقوق التي قد تدخل في الذمة المالية للشخص، حق الملكية، وقد مر هذا الحق عبر التاريخ بأطوار ومراحل، حيث كان حقا مطلقا مسخرا لخدمة صاحبه بجميع عناصره الأساسية، وهي حق التصرف وحق الاستعمال وحق الاستغلال، ثم أصبح حق الملكية حقا يمارس مع مراعاة الصالح العام، أي مصلحة الجماعة، وقد وقع اهتمام كبير بدراسة حق الملكية وما يتفرع عنه، من طرف مختلف المذاهب الفقهية، وقبل ذلك الشريعة الإسلامية وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية، ونصت على حماية الملكية مختلف الدساتير، ومنها الدستور المغربي، فالفصل 35 من الدستور ينص على أن القانون يضمن حق الملكية، ويمكن الحد من نطاقها وممارستها بموجب القانون إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، ولا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون، كما ورد في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، عدة آيات قرآنية وردت فيها كلمة الملك، والتملك، والملكية، والفقه الإسلامي يقسم الملك باعتبار محله إلى ملك تام وملك ناقص، أما الملك التام فهو ملك ذات الشيء، أي رقبته ومنفعته معا، حيث يثبت للمالك جميع الحقوق المشروعة كالحق في التصرف فيها والحق في الانتفاع بالعين المملوكة، وأما  الملك الخاص، فهو ملك العين وحدها أو المنفعة وحدها، بعكس الملك التام الذي يرد على ملكية العين والمنفعة معا، بمعنى ذات الشيء، أي الرقبة ثابتة لشخص ولكن المنفعة ثابتة لشخص آخر.

من هذا التقسيم، برز حق الملكية والحقوق التي تتفرع عنه، أي ما يعرف الآن بالحقوق العينية الأصلية والحقوق العينية التبعية، فالقانون 14.17 من مدونة الحقوق العينية، عرف الحق العيني وذكر الحقوق العينية الأصلية، خصوصا في مجال العقارات المحفظة، وعرف الحق العيني العقاري الأصلي بأنه سلطة مباشرة يخولها القانون لشخص معين على عقار معين، ويكون الحق العيني أصليا أو تبعيا، والحقوق العينية الأصلية هي: حق الملكية؛ حق الارتفاق والتحملات العقارية؛ حق الانتفاع؛ حق العمرى؛ حق الاستعمال؛ حق السطحية؛ حق الكراء الطويل الأمد؛ حق الحبس، حق الزينة؛ حق الهواء والتعلية؛ ثم الحقوق العرفية المنشأة بوجه صحيح قبل دخول مدونة الحقوق العينية وقانونها حيز التنفيذ، أما الحق العيني فهو الحق الذي لا يقوم بذاته وإنما يستند على وجود حق شخصي ويكون ضمانا للوفاء به، والحقوق العينية التبعية هي: الامتياز؛ الرهن الحيازي؛ والرهون الرسمية، والذي يهمنا هنا هو حق الارتفاق كحق عيني أصلي، نظرا لأهمية حقوق الارتفاق، ولكونها تشكل عبئا على ملكية العقار، فقد اهتم المشرع ببيان أنواع حقوق الارتفاق التي ترد على العقارات المحفظة، وقام بتعريف الارتفاق العيني في المادة 37 من مدونة الحقوق العينية، وقال أن “الارتفاق حق عيني قوامه تحمل مقرر على عقار من أجل استعمال أو منفعة عقار يملكه شخص آخر”، أي أن الارتفاق لا يمس الرقبة وهي العنصر الأساسي في حق الملكية، وكذلك يهمنا أن المشرع ذكر في الفقرة الثانية من المادة 410 أن “الارتفاق يمكن أن يقر لمنفعة عامة أو خاصة، منفعة عامة تهم مجتمعا، أو منفعة تهم الخواص منفعة محققة، وأنواع حقوق الارتفاق هي: حق الشرب؛ حق المجرى؛ حق المسيل أو الصرف، حق المرور؛ حق المطل؛ ويعتبر حق المرور من أهم حقوق الارتفاق وحاز نصيبا واسعا في الأبحاث والدراسات الفقهية، وخاصة المذاهب الأربعة، والمشرع المغربي في المادة 64 ذكر حق المرور وقال: “لكل مالك عقار ليس له منفذ إلى الطريق العمومي أو له منفذ غير كاف لاستغلال عقاره، أن يحصل على ممر في أرض جاره نظير تعويض مناسب شرط أن يقام هذا الممر في المكان الذي لا يسبب للأرض المرتفق بها إلا أقل ضرر”، والفقه عرف العقار الذي يحمل حق الارتفاق بالمرور بـ”العقار الخادم”، والعقار الذي يستفيد من العبور بـ”العقار المخدوم”، والقضاء في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب، أصدر حكما في قضية تتعلق بحق “ارتفاق المسيل”، وهذا الحق ورد ذكره في الفصل 60 من المدونة، كما يلي: “تتلقى الأراضي المنخفضة المياه السائلة سيلا طبيعيا من الأراضي التي تعلوها دون أن تساهم يد الإنسان في إسالتها، ولا يجوز لمالك الأرض المنخفضة أن يقيم سدا لمنع هذا السيل، كما لا يجوز لملك الأرض العالية أن يقوم بما من شأنه أن يزيد في عبء الارتفاق الواقع على الأرض المنخفضة”، والقضية التي عرضت على عمر بن الخطاب تتلخص وقائعها فيما يلي: “كانت لرجل اسمه الضحاك بن حليمة الأنصاري، أرض لا يصل إليها الماء، إلا إذا مر ببستان يملكه جاره اسمه محمد بن مسلمة، وأن هذا الأخير رفض أن يمر الماء بأرضه ليصل إلى أرض الضحاك، فرفع الضحاك أمره للخليفة عمر بن الخطاب، فقال عمر بن الخطاب لمحمد بن مسلمة: عليك فيه ضرر؟ قال: لا، فقال عمر: والله لو لم أجل له ممرا إلا على بطنك لأمررته، وقضى بتمكين الضحاك من إمرار الماء في أرض محمد بن مسلمة وأمر بحفر قناة”، والقاعدة في الإسلام أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام والضرر يزال، ومن باب القياس وسيرا على نهج الصالحين، فإن ما يقال عن حق الارتفاق بالمسيل يقال في حق الارتفاق بالمرور، وما يقال عن الوصول للطريق العمومي بالنسبة لمن لا منفذ له، يقال عن الوصول للبحر لمن لا منفذ له على البحر، فالممر إلى البحر يعادل وبأوفر نصيب الممر إلى الطريق البري.

ولأن البحر مما خلقه الحق سبحانه لعباده كافة، ففي البحر متسع للرزق والثروة، وقال الله سبحانه وتعالى: ((أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة..)) وجاء في بحث فقهي أن ذكر البحر ورد في القرآن الكريم نحو أربعين مرة، وفي كل هذه الآيات تذكير بالنعمة التي وهبها الله تعالى لعباده، وما فيه من فوائد ومصالح لحياة الإنسان ليقدره قدره، ويحافظ عليه، قال تعالى: ((وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون)).

تتمة المقال تحت الإعلان

من هنا تظهر عظمة وقيمة المبادرة الملكية ذات المرجع الإسلامي، التي دعت إلى فتح ممرات فوق التراب المغربي لإخواننا الأفارقة الذين توجد أراضيهم بعيدة عن البحر ولا منفذ لهم للوصول إلى البحر، ليستفيدوا من خيراته كما أمرت الشريعة الإسلامية الغراء، وما تركه السلف الصالح بالنسبة لفوائد حقوق الارتفاق، ولا سيما الممر، والمسيل، ومياه الصرف، وكل من يعرقل هذه المبادرة الطيبة، فهو عاصي وعاق، وضد سعادة البشرية ورفاهيتها وتحسين ظروف عيشها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى