المنبر الحر

المنبر الحر | الضبابية والتعددية الحزبية في المغرب

بقلم: مراد علوي

    إن الظاهرة الحزبية في المغرب حديثة العهد مقارنة بمثيلتها في أوروبا، وذلك لأنها ارتبطت في البداية بالنضال من أجل الاستقلال في مواجهة الاستعمار الفرنسي والإسباني، ورغم أنها انتقلت بعد الاستقلال لترتبط بالسياق السياسي الحديث عبر محاولة الانضمام إلى المطالبة بالديمقراطية، فقد ظلت مرتبطة بجذورها الأولى، مما انعكس على العلاقة بين الأحزاب والمؤسسة الملكية.

ويبقى العمل الحزبي بالعالم أحد أبرز معايير الفعل الديمقراطي، وعلى أساسه تصنف الدول بين الديمقراطية القابلة للتعددية الحزبية، والديكتاتورية الرافضة لهذه التعددية القابضة كالجمر على نظام الحزب الواحد، رافضة لأي حزب مناهض له، إذ سرعان ما نجد أن نظام الحزب الواحد نظاما دكتاتوريا لا يفتح المجال للنقاش العمومي الهادف، ولا يعطي الحق في التعبير وإبداء الرأي فيما يتعلق بالسياسة، والفن، والثقافة، وغيرها من المجالات التي تشكل موضوعا للنقاش والجدل العمومي، لذا فإن الأساس الحقيقي لممارسة الديمقراطية والحق في التعبير، يكمن في التعددية الحزبية بالبلاد.. فهل التعددية الحزبية صحية دائما؟ أليس في التعددية الحزبية تقويض للنقاش العمومي؟

تتمة المقال تحت الإعلان

إنني على يقين أن النظام الذي يشهد التعددية الحزبية نظام صحي أكثر من النظام الذي يعرف الاستحواذ والاحتكار لمراكز القرار والمؤسسات، وللسلط، مقوضا بذلك الشرط الأساسي لتحقيق الديمقراطية، وهو شرط فصل السلط، لكن تبقى للتعددية سلبياتها في الممارسة السياسية، خاصة إذا ما تأسست على أعقاب حزب واحد، ما يحيل على التساؤل كيف نشأت التعددية الحزبية بالمغرب؟ وهل هي صحية، أم أنها حجر عثرة أمام التقدم والازدهار؟

الحزب السياسي كتنظيم، يبقى من بين غاياته أن يؤسس للخطاب السياسي، وعليه أن يمتلك مشروعا مجتمعيا قابلا للتنزيل الواقعي دون أن نناقش مسألة التكوين والتأطير التي تعد ورشا حقيقيا على الأحزاب السياسية أن تشتغل عليه، عندما نناقش موضوعا سياسيا شائكا من قبيل نظام الحكم بالمغرب، فصل السلط، والتعددية الحزبية، فإننا نعود إلى التاريخ لنفهم أكثر رغم ما في التاريخ من تحايل على الحقائق والوقائع، لنفهم على أقل تقدير الصورة في ارتساماتها الشمولية.

ولننتقل من نظام التعددية الحزبية بدون شروط إلى نظام التكتلات كما في أمريكا بخلق كتل اليسار، اليمين، التيار المحافظ.. فهذا الانتقال فيه إصلاحات سياسية عميقة نذكر منها: ربح رهان التعددية الحزبية لإغناء النقاش وليس تقويضه؛ وضع الأساس المتين لإيجاد قانون انتخابي ديمقراطي يقوم على أساس التكتلات القبلية وليس التحالفات البعد انتخابية، يجنبنا الفسيفساء السياسي الذي نعيش تحت سلطته منذ القدم؛ ثم تنزيل ورش ربط المسؤولية بالمحاسبة.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن التعددية الحزبية في جوهرها غاية أكبر الديمقراطيات في العالم، لكنها قد تتحول إلى مجرد قبضة تشد على جميع السلط عبر تمكين البعض من تأسيس الحزب والتمكن من ربح الانتخابات، هذا الربح الناقص الذي يحتاج اكتماله إلى تحالفات، هذه التحالفات تقوض النقاش العمومي الأساسي في نقطتين جوهريتين: فصل السلط، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يحيل إلى السؤال الجوهري: إلى أين تسير الأحزاب؟ وهل يمكن تصور حياة سياسية سليمة ومستقيمة بدون الفاعل الحزبي؟

والجواب طبعا بالنفي، فتاريخ الديمقراطية من تاريخ الأحزاب، ونجاح الأولى يقاس بالثانية، فهما صنوان غير قابلين للتفريق أو التجزئة، لذلك، تحتاج التجربة المغربية كي تتلاءم مع الفكرة الديمقراطية، التي كرسها دستور 2011 اختيارا وثابتا رابعا من ثوابت البلاد، إلى إعادة صياغة مكعبة من جانب الدولة في علاقتها بالأحزاب، ومن زاوية الأحزاب في صلتها بهويتها، وفي علاقتها البينية، وفي مستوى ثالث، من حيث علاقة الأحزاب بالدولة والسلطة.

فالمطلوب من الدولة رسم مسافة بينها وبين الأحزاب، بترك المجال الحزبي مستقلا بذاته، لأن الاستقلالية شرط عين وليس شرط كفاية، لتحويل التعددية العددية إلى تعددية سياسية حقيقية قادرة على مراكمة ثقافة المشاركة والتنافس والتعاقب على السلطة.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن المشهد السياسي المغربي يعرف ضبابية أو جمودا نظرا لغياب أدوار الفاعلين من قوى سياسية ونخب وتراجعات من الدولة عن الخيار الديمقراطي، بما يحرك اهتمام المواطنين بالسياسة ويخدم المسار الديمقراطي والتنمية أو التحديث بشكل عام، فشريحة واسعة من المجتمع بما يشكل الأغلبية الساحقة، أضحت تعتبر الانتخابات مجرد مسرحية، أو مشاركة في سيرك جماعي لا يقدّم ولا يؤخر، بل هي خدعة جماعية، بينما الأحزاب في نظرهم فاقدة للمصداقية، ولا تملك الأهلية للدفاع عن أي من خيارات الحرية والديمقراطية والتنمية.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى