تحقيقات أسبوعية

رأي | تحديات استعمال الذكاء الاصطناعي في تقديم الخدمات العمومية

بقلم: عبد الحفيظ أدمينو 
باحث ومحلل سياسي

    إن الحديث عن المبادئ والقيم التي يجب أن توجه توظيف الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية، يطرح العديد من الإشكاليات المرتبطة أساسا بحقيقة الموضوع.

فإذا كان توظيف الرقمنة في الإدارة العمومية لا زال في بدايته من خلال ما أطلق عليه بالتحول/ الانتقال الرقمي، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في إنتاج الخدمات العمومية لا يزال في مراحله الأولى، وهو ما يطرح الصعوبة المعرفية والعلمية حول إشكالية هذه المداخلة.

وبالتالي سيصبح من الصعب جدا أن نتحدث عن هذا الموضوع في سياقه المغربي، خاصة وأن التفكير في قانون مؤطر لتوظيف الذكاء الاصطناعي بشكل عام لا زال في بدايته (2023) في أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ولا زالت هناك أيضا مبادئ توجيهية أنتجتها العديد من الهيئات والمنظمات الدولية، كالأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها كما هو الشأن بالنسبة لليونسكو، وكذا المنظمات الإقليمية كما هو الشأن بالنسبة للاتحاد الأوروبي، من خلال العديد من القواعد والمبادئ المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في القانون الإداري، وخاصة ما يتعلق باستخدام الخوارزميات في اتخاذ القرارات الإدارية بالدول الأعضاء في أوروبا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالنظر لهذه الحدود المنهجية والمعرفية، فإننا سنركز أساسا على التساؤل عن المبادئ التوجيهية التي تم إنتاجها حول توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الخدمات العمومية وما هي الإمكانات والفرص الكفيلة بجعل الذكاء الاصطناعي في خدمة المرتفقين في احترام لحقوقهم الارتفاقية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فإذا كان من غير المتفق عليه هو تحديد تعريف دقيق للذكاء الاصطناعي، فإنه في المقابل بدأ توظيف المفهوم منذ سنة 1956، وازداد توظيفه علاقة بالتحولات التي ارتبطت بظهور السيارات ذاتية القيادة في السبعينات، وتم إدماجه في الهواتف الذكية منذ سنة 2004، من خلال اعتماد العديد من التطبيقات والنماذج، كنموذج SIRI، ويمكن تحديده من كونه مجموع التطبيقات المعلوماتية التي تستند على العديد من التقنيات والتي تجد القدرة المشتركة مع الذكاء البشري ومجموعة من النماذج المؤسسة على مجموعة من المعطيات، والتي تستند على مقتربات إحصائية، وهو ما يجعل الحدود بين أنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الخوارزمية ليست دائما واضحة.

إن اعتماد الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية واجتياح الذكاء الاصطناعي لعالم الاقتصاد والمقاولة، يؤثر على حصة المقاولات في السوق على الرغم من وجود العديد من المعيقات التي تحول دون اعتماده على نطاق واسع.

وفي مجال الإدارة العمومية بصفة خاصة، وفي مجال الفعل العمومي بصفة عامة، حتمت تحولات كبيرة إدماج الذكاء الاصطناعي في صياغة واتخاذ القرارات الإدارية.

ولن نسقط في التفاؤل المفرط لاستعمال الذكاء الاصطناعي في الفعل العمومي أو شيطنة استعماله، فقد حتمت الاعتماد على تطوره العديد من العوامل:

1) التطور التكنولوجي المتسارع الذي طال مجال النشاط العمومي وأصبح محددا للعلاقات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع.

2) الرغبة في تجديد مشروعية العقل العمومي عبر:

– تجاوز الانتقادات ومحدودية النموذج البيروقراطي الذي يكبل الإنجازات الاقتصادية ويؤثر على العلاقات الاجتماعية، خاصة العلاقة بين الإدارة والمرفق العمومي والمتعاملين معه أو المرتفقين.

– تحسين جودة الخدمات العمومية وعقلنة استعمال الموارد العمومية، سواء المالية أو البشرية.

– خلق شروط مناسبة للثقة في الفاعل الإداري عبر تطوير الخدمات العمومية وإضفاء المزيد من المسؤولية والشفافية على عمل الموظفين وصانعي السياسات، وهو ما يفسر البحث عن قواعد ومبادئ موجهة للذكاء الاصطناعي العمومي، خاصة وأن مجالات عديدة ومرافق عمومية متنوعة أصبحت توظف الذكاء الاصطناعي، سواء كانت وطنية أو محلية، كالدفاع والأمن والعدل ومراقبة ومحاربة الفساد والغش، والشغل، والصحة، والتعليم، والحماية الرقمية، والنقل، وحماية البيئة، ومخاطر الانتقال المناخي، وغيرها.

غير أنه في المقابل، يطرح تحديات متنوعة، سواء الأثار المحتملة على المجتمع، أو التهديدات الأمنية ذات الصلة بحقوق الإنسان، كحماية الحياة الخاصة، وخاصة المعطيات الشخصية أو تحديد الولوج إلى الحقوق والحريات الأساسية، كالحق في التعليم والصحة والرأي والتعبير والتنظيم، وغيرها من الحقوق.

فضلا عن أنه يمكن رصد بعض المخاطر على الحياة الديمقراطية، عبر التحكم في الآراء وصناعتها، وتنميط وتوحيد الآراء والمساس بالتعددية.

وعلى الصعيد الدولي، عبر تركيز إنتاج النماذج الخاصة بالذكاء الاصطناعي من قبل أشخاص أو شركات محددة، إذ أن مقاولة أمريكية واحدة تهيمن على 80 % من حصة السوق العالمي في مجال les processus graphiques، وهو ما يكرس أيضا تشجيع التوزيع غير العادل للعائدات الاقتصادية للذكاء الاصطناعي.

للذكاء الاصطناعي التوليدي IA générative تطبيقات متعددة في المرافق العمومية، سواء في التعرف على الأمراض انطلاقا من الصورة الطبية، أو تحديد الاختلالات المالية، ومحاربة التهرب والغش الضريبي، إذ يمكن من توليد مضامين في شكل نصوص أو صور أو فيديوهات أو رموز وهو في تطور مستمر.

تحديات تخليق استعمال الذكاء الاصطناعي في الخدمات العمومية

    إن الحديث عن التحديات يجب أن لا يفرض طرح سؤال: هل يجب الخوف من الذكاء الاصطناعي؟ بل إن حتمية استعماله تفرض في المقابل اليقظة والوقاية من المخاطر التي يطرحها من قبيل:

1) مصداقية وصدقية المعطيات التي يقدمها، فقد يمكننا من الحصول على معلومات ومعطيات مصاغة بشكل جيد، إلا أنها خاطئة أو غير دقيقة، لذا فالحاجة إلى تأطير جيد تبدو ضرورية في مجالات الطب والتعليم والقانون وغيرها؛

2) التوظيف غير المعبد للذكاء الاصطناعي قد يغير علاقة القوة بين الجريمة المعلوماتية، والامتدادات الحقوقية والحياة الخاصة، وبين من يقومون بحمايتنا؛

3) التأشير على بعض المهام les taches في الإدارة العمومية، فإذا كانت بعض الدراسات تشير إلى أن فرضية حذف بعض الوظائف غير دقيقة، إذ أنه في مجال المقاولة، الوظائف التي يتم تعويضها عبر الذكاء الاصطناعي لا تتجاوز 5 %، ومن بين 20 وظيفة 19 وظيفة لن يتم تعويضها بالذكاء الاصطناعي، وفي المقابل، فتوسع الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خلق مناصب شغل جديدة ومهن جديدة، وكذلك في المهن القديمة، غير أنه في بعض المهن في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، فإن اعتماد Chat GPT سيؤثر على بعض العمال الأمريكيين، خاصة les free-lance، فضلا عن تزايد التفاوتات في الأجور بين الوظائف، حيث أن البروفايلات في مجالات: science, technologie STIM ingénierie والرياضيات، هي الأكثر طلبا والأكثر أجرا.

وعلاقة بالنوع، أثبتت الدراسة أن الوظائف التي تشغلها النساء مهددة بالتعويض بنسبة 3.5 %، في حين لا يتعدى 1.6 % لدى الرجال.

والمهن الأكثر تهديدا هي: المحاسب، البائع عن بعد، المترجم، الصحفي، المهندس المعماري، المهن القانونية، الطبيب، المصور، الحلاق، الطباخ، وفي الأخير، حراس العمارات والمساعدين.

أما علاقة بالمرفق العمومي، وإذا كان التحول الرقمي الذي طال الإدارة العمومية بصفة عامة لازال يعرف صعوبات، وخاصة ما يتعلق بتحسين العلاقة بين الإدارة والمرتفقين، من قبيل نزع الطابع الإنساني عن المرفق العام عبر لامادية الخدمات، فإن واقع التحول الرقمي لازال دون التطلعات.. ففي غياب دراسات تتعلق بتقسيم الانتقال الرقمي في المغرب، أثبتت بعض الدراسات في فرنسا أن 51 % من الأعوان العموميين يرون أن المناخ الرقمي متوسط، بل إن 32 % منهم يصفونه بأنه سيء، و14 % يصفونه بالبئيس.

وإذا كانت المبادئ التقليدية للمرفق العمري، والمتمثلة في مبدأ المساواة، الاستمرارية، والإنصاف في تغطية التراب الوطني، فإن هذه المبادئ تعرف العديد من التحديات من أهمها:

– مبدأ الشرعية والتطابق مع روح وأهداف القانون، فلامادية القرارات الإدارية تطرح صعوبات ترتبط بالقرارات الإدارية الصادرة عن الآلة، وكذلك عدم احترامها للمساطر والإجراءات والآجال التقليدية التي تؤطر صناعة واتخاذ القرارات الإدارية، خاصة ذات الصلة بالحقوق الارتفاقية للمواطن، وهو ما يطرح إشكالية الرقابة على إنتاج هذه القرارات.

– احترام مبدأ المساواة وعدم التميز، فالأصل أن الإدارة يجب أن تعامل المرتفقين الذين يتواجدون في نفس الأوضاع بكيفية متساوية، فاعتماد الخوارزميات قد لا يمكن من استحضار الأوضاع التي يوجد فيها المرتفق، مما يغيب العديد من المعطيات بما لا يقدم فهما كاملا للأوضاع ويخلق تمييزا بين المرتفقين.

– مبدأ التناسب، يستند عمل الإدارة على إقرار نوع من التناسب بين السلطات التي تملكها من أجل تحقيق المصلحة العامة، وكذا حماية وكفالة المصالح الخاصة، وهو ما قد لا يتماشى عبر اعتماد الذكاء الاصطناعي.

– الحق في التظلم والطعن: يطرح إنتاج قرارات غير مشروعة من قبل الذكاء الاصطناعي، إشكاليات التظلم الإداري والقضائي، خاصة وأن هناك تفسيرا كبيرا للأشكال التقليدية لمسألة اتخاذ القرارات الإدارية وفق النموذج البيروقراطي البشري، خاصة إذا ما تم التوجه نحو اعتماد العدالة القائمة على الذكاء الاصطناعي والقضاء القائم على الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن تعليل القرارات وفق النموذج الإداري التقليدي يطرح عدة إشكالات، منها ما هو مرتبط بشفافية المعطيات، وكذا الخوارزميات المعتمدة في عملية التعليل، وهو ما يطرح كذلك شفافية النماذج المعتمدة في الذكاء الاصطناعي، فضلا عن الحق في الإنصات.

ويطرح الذكاء الاصطناعي كذلك تحديات ترتبط بحقوق الإنسان بصفة عامة، وليس فقط المرتفق، منها ما يرتبط بحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، خاصة وأن الذكاء الاصطناعي التوليدي يرتبط بالمعلومات التي يتم اعتمادها في عملية إعداد هذه النماذج، لهذا تم تطوير التفكير في قواعد توجيهية أخلاقية يمكن أن تخفف من حدة أثار هذه المخاطر على المرتفقين:

– أولوية العامل الإنساني على التقني، إذ يجب أن يظل الإنسان هو الضامن لتوظيف الذكاء الاصطناعي عوض الآلة، من خلال التقليص من مخاطر خطأ الآلة، فخطئها هو خطأ غير مباشر للإنسان؛

– المساواة وعدم التميز؛

– الأمن، وخاصة ضد الجرائم السيبرانية؛

– عدم المساس بالبيئة؛

– الاستقلالية الاستراتيجية (السيادة الرقمية).

إذ أن نزع الصفة المادية عن المعاملات الإدارية لم يحدد تحولا عميقا على مستوى تداول المعلومة ومعالجة الطلبات، فضلا عن أن البنية التحتية اللازمة تبين محدودية الاستثمارات الرقمية العمومية، سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف، وهو ما يفرض في المقابل:

– اعتماد خطة استراتيجية تخص إدماج الذكاء الاصطناعي وتحدد الكلفة وتوزيع الأدوار بين المرفق العمومي والمتعهدين الخواص؛

– تقوية قدرات القيادة والتنفيذ علاقة بالذكاء الاصطناعي، عبر تعميم وتوسيع التكوين المتميز والتكوين المهني للأعوان العموميين؛

– إعداد تكوينات خاصة في التعليم الجامعي، سواء عبر إحداث تكوينات خاصة في الذكاء الاصطناعي، أو وحدات للذكاء الاصطناعي؛

– التكوين وإعداد الأشخاص المكلفين بالبنية التحتية لأنظمة المعلومات؛

– تحديد تمويلات واضحة ودقيقة لتمويل المشاريع المتعلقة بإدماج الذكاء الاصطناعي في إنتاج الخدمات العمومية؛

– جعل الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسان وليس تهديد الإنسان في إنسانيته وتعويضه بالآلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى