للنقاش | الخلط بين السياسة والرياضة.. آخر الأوراق الخاسرة في الجزائر
إن ما تقوم به الجزائر من استفزازات تجاه المغرب لا يخرج عن الإطار العام الذي يدير به النظام الحاكم أمور الجزائريين أنفسهم فبالأحرى مع غيرهم، وبالضبط مع بلد جار تجمعهم به العديد من الروابط التاريخية (الدين، العرق، اللغة، العادات والتقاليد…)، إلا أنهم يعتبرونه “عدوا”، هذا العداء الذي طبعوا معه وأخذوا يستعملونه ورقة سياسية لخدمة أجندات معينة(…) حتى أصبح عقيدة مترسخة لدى كل الرؤساء (ومن وراءهم) الذين تعاقبوا على حكم البلاد..

لا بد من الرجوع إلى الوضعية السياسية التي عاشتها الجزائر منذ احتلالها من قبل الإمبراطورية العثمانية، حيث عاشت البلاد في كنف الحكم العثماني أكثر من ثلاثة قرون قبل أن يتم احتلالها من قبل فرنسا، وقد عرفت خلال تلك الفترة أوضاعا سياسية واجتماعية صعبة للغاية، وتطور مجرياتها كان له أثر سياسي كبير على الوضع العام للبلاد من قضايا وأحداث سياسية وثورات ضد السلطة الحاكمة، وهو ما كان سببا في اضطرابات متواصلة تجذرت في عقلية ووجدان الإنسان الجزائري إلى ما بعد الاستعمار الفرنسي وحتى بعد الاستقلال سنة 1962.
وعرفت الجزائر العثمانية فترة رخاء اقتصادي إلى درجة أن الجزائر كانت تمنح المساعدات لبعض الدول الأوروبية للخروج من أزماتها التي عاشتها في تلك الفترة، ومن بينها فرنسا، التي كانت عليها ديون للجزائر، وفي خضم مخططات مجموعة من الدول الأوروبية للبحث عن مصادر الثروات للخروج من الأزمة الاقتصادية، من خلال مستعمرات في إفريقيا بالخصوص، وفي الوقت الذي بدأ فيه الوهن يدب في جسم الإمبراطورية العثمانية بعد توالي هزائمها في أوروبا، وتقلص مساحات مستعمراتها، جاءت “حادثة المروحة” الشهيرة التي كانت سببا في إقدام فرنسا على التدخل المباشر في فرنسا سنة 1827، ومن ثم احتلالها سنة 1830، وهو الاستعمار الذي دام 132 سنة إلى غاية 1962، وللإشارة، فحادثة المروحة كانت نتيجة أزمة الديون التي نشبت بين الإيالة الجزائرية في العهد العثماني والحكومة الفرنسية، إذ دعمت الجزائر فرنسا بالحبوب، خاصة بعد العزلة التي فرضت عليها أوروبيا بسبب إعلانها لمبادئ الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان، وعندما جاء القنصل الفرنسي إلى قصر الداي، طالبه هذا الأخير بدفع الديون المقدرة بنحو 24 مليون فرنك فرنسي، فرد القنصل على الداي بطريقة غير لائقة، فرد الداي حسين بطرده ولوح بالمروحة في وجهه، مما اعتبرته فرنسا حطّا من كرامتها، فبعث الملك شارل العاشر بجيشه تحت ذريعة “استرجاع مكانة وشرف فرنسا”، وهي الحجة التي أقنعت بها فرنسا الدول الأوروبية للتدخل عسكريا في الجزائر، وهو ما تم سنة 1830، ومن تم بقيت الجزائر تحت رحمة الاستعمار الفرنسي 132 سنة.. كانت كافية لتغيير عقلية الحكام الجزائريين، وبالأخص نظام الحكم الذي أصبح متلازمة عسكرية، إذ أن كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم الجزائر يسيرون شؤون البلد بنزعة عسكرية ولديهم منطق التوسع كما طبعهم به المستعمر الفرنسي قبل أن يسدل الستار عن احتلاله لمنطقة شمال إفريقيا، إذ أن خريطة الجزائر توسعت بفعل تطعيمها بأراضي اقتطعتها فرنسا قسرا من المغرب ومن تونس، والتاريخ شاهد على هذه الحقائق.

وحسب محللين سياسيين، فإن قادة الثورة في الجزائر اجتمعوا في ليبيا قبل الاستقلال من أجل تحديد “النموذج السياسي والبناء المؤسساتي” للبلاد، وتطرقوا لكل أنماط الحكم، حتى النظام الملكي، إلا أنهم اتفقوا على تلك الصيغة الموجودة في ما أسموه “بيان نونبر 1954″، والقاضي ببناء “دولة ديمقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية”، كما نظم مؤتمر آخر في طرابلس، في سنة 1962، حول “الخيار الاشتراكي” و”المركزية الديمقراطية”، وذلك لتفادي تشتت القوى السياسية بالبلاد، وبعد مخاض سياسي تداخلت فيه مختلف القوى، مضت الجزائر بهذا النمط بإيجابياته وسلبياته إلى غاية سنة 1988، حيث تم المرور إلى مرحلة ما أطلق عليه “الديمقراطية الحديثة”، وبقي الوضع كذلك مطبوعا بعدم الاستقرار وبالانقلابات، هذا دون أن ننسى ما سمي بـ”العشرية السوداء”..
إن الفوضى السياسية التي تدار بها الجزائر حاليا لم تكن وليدة اليوم، أو وليدة سياسة رئيس دون آخر، بل إنها عقيدة متجذرة خلفها الاستعمار، فالدولة تأسست بناء على استفتاء دعت إليه فرنسا الجزائريين إلى الإدلاء بأصواتهم والجواب بـ”نعم” أو “لا” عن سؤال “هل تريد أن تصبح الجزائر دولة مستقلة متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة في تصريحات 19 مارس 1962؟” (تشمل استقلال الجزائر مع الإبقاء على مصالح فرنسا في المنطقة وفق اتفاقية إيفيان)، وأسفر الاستفتاء عن تصويت 99.72 في المائة من الجزائريين بأن “تستقل بلادهم وأن تصبح متعاونة مع فرنسا حسب الشروط المقررة…”، وهكذا، خرجت فرنسا من الجزائر وتركت نظاما فوضويا ظهرت ملامحه بعد أن قاد وزير الدفاع وقتذاك، الهواري بومدين بتاريخ 19 يونيو 1965، أول انقلاب عسكري في تاريخ الجزائر الحديثة، على الرئيس أحمد بنبلة، الذي حكم البلاد لمدة سنة واحدة و9 أشهر فقط، قبل أن يمسك الجيش بمفاصل الحكم إلى يومنا هذا، خالقا بذلك حالة من اللااستقرار المزمن داخليا وإقليميا، وترسخ لدى حكام الجزائر “مبدأ” خلق الفتنة في الجوار، فهم لا يهدأ لهم بال إلا بافتعال المشاكل مع جارهم الغربي، كما أصبحت الجزائر ورقة سياسية مفضوحة في المنطقة وبإفريقيا، تخدم أجندات خارجية، وتساهم في عدم استقرار المنطقة، حيث ظهر اسم الجزائر مؤخرا في بعض التقارير، حول دور جزائري، ربما بدعم من إيران، في إطالة أمد الصراع في السودان، من خلال حجم صفقاتها العسكرية بهدف تمرير السلاح إلى أطراف بعينها، وهذا ليس موضوعنا الآن، وإنما ما يخصنا هو علاقة الجارة الشرقية للمملكة بقضية الصحراء المغربية، والتي عملت مباشرة بعد الاستقلال على إنجاب ابن غير شرعي اتخذت من أجزاء من التراب الوطني على اعتبار مشاكل الحدود التي تركها المستعمر الإسباني في جنوب المغرب، حاضنة له وتدعمه بكل ما أوتيت من قوة ومال – الشعب الجزائري في أمس الحاجة إليه – ولا زالت تدافع عنه في مختلف المحافل الدولية، وقبل ذلك العالم كله شاهد على أسباب حرب “الرمال” وتداعياتها، ولا زالت الدولة تمعن في عدائها للمغرب رغم سياسة اليد الممدودة لها من طرف الملك محمد السادس، ورحم الله الملك الحسن الثاني، الذي لطالما عبر عن امتعاضه من سياسة الجوار ومن العداء المتكرر للجزائر تجاه المغرب والمغاربة، عندما قال: “ليعرف الناس مع من حشرنا الله في الجوار”، ويعلم الجميع خطط إفشال اتحاد المغرب العربي رغم كل المجهودات التي قام بها الحسن الثاني من أجل لم شمل دول المغرب العربي في اتحاد واحد اعتبارا للروابط المشتركة التي تجمع البلدان الخمسة للاتحاد، وأيضا في مواجهة التكتلات الاقتصادية والسياسية الأخرى، وها هو الرئيس عبد المجيد تبون يرمي بورقة سياسية أخرى في سبيل عدم استقرار المنطقة، يسعى بكل ما أوتي من قوة من أجل بناء اتحاد مغاربي دون المغرب، علما أن موريتانيا رفضت التحالف معه، مهمشا مشاكل الجزائر الداخلية وتاركا شعبه غارقا في أزمة اجتماعية غير مسبوقة، تنذر بتفجير الجزائر في أي وقت.

وحسب تقارير إعلامية، فقد هددت كوبا مؤخرا بطرد مجندي البوليساريو الذين ترسلهم الجزائر للتدرب في كوبا بأموال الشعب الجزائري طبعا، وهذا هو الإنذار الثالث الذي ترسله السلطات الكوبية إلى قصر المرادية، وذلك بعد تخلف الجزائر عن دفع الاشتراكات المستحقة عليها والتي تقدر بحوالي 450 مليون دولار.. أليس هذا المبلغ بكاف لسد الخصاص في المواد الاستهلاكية التي أرغمت الشعب المقهور على الوقوف في طوابير من أجل الحليب ؟
وبعد أن لم يفلحوا في كل المناورات السياسية التي سلكوها ضد الجار / العقدة بالنسبة إليهم، أخذت السلطات الجزائرية مؤخرا تناور بمحاولة سرقة بعد المعالم التراثية والثقافية للمملكة المغربية لولا إحقاق الحق من طرف منظمة اليونيسكو، الجهة المخول لها تقييد وتوثيق المعالم التاريخية والتراثية للبلدان، أما موضوع إدخال الرياضة في السياسة من أجل وضع العصى في العجلة، فهذا الأمر ليس بحديث، فقبل حادثة الاعتداء على لاعبي المنتخب الوطني لأقل من 17 سنة في نهائي كأس العرب، فقد سجلت الأحداث حادثة اعتداءات خطيرة من طرف البوليس الجزائري على جمهور الرجاء البيضاوي سنة 2015 أثناء مقابلة ضد فريق وفاق سطيف في منافسة عصبة الأبطال الإفريقية، والاعتداء على الطاقم التقني المغربي.. وهذه المرة، أمعنت السلطات الجزائرية في معاكسة المغرب، حين فرضت على المنتخب الجزائري للشباب في كرة اليد الانسحاب من البطولة العربية التي أقيمت بالدار البيضاء، ثم عدم الترخيص للمنتخب الجزائري للجمباز للحضور إلى مراكش من أجل المشاركة في بطولة إفريقيا المؤدية لأولمبياد باريس، كما لم يتوان العسكر الجزائري في التضحية بفريق اتحاد العاصمة لكرة القدم واستعماله كبش فداء، حيث كانت حادثة قميص فريق نهضة بركان النقطة التي أفاضت كأس العسكر الجزائري بسبب خريطة المملكة، دون أن يكلف حكام الجزائر أنفسهم عناء التساؤل: ماذا لو كان الفريق الجزائري يرتدي قميصه مطبوعا بخريطة الجزائر متضمنة الصحراء الشرقية وهم يعرفون حق المعرفة أن الصحراء الشرقية اجتزتها فرنسا واحتفظت لنفسها بها لأنها لم تكن تخطط للخروج من الجزائر؟ وماذا سيكون موقف المغاربة أو أي فريق سيلعبون ضده ؟
وهكذا، فإن الزج بالجزائر للعب دور “الجوكير” في إفريقيا، وبالأخص في منطقة شمال القارة، واستعمالها كورقة سياسية، لم يكن الهدف منه إلا إطالة أمد الصراع لفائدة أجندات معينة(…)، وهو ما جعل الدولة تفقد الأهلية السياسية لإدارة سياستها الداخلية والخارجية على حد سواء، وتجنيب الشعب الجزائري التقهقر الذي يعيشونه رغم أن البلد بلد البترول والغاز، الذي تصرف عائداته فقط من أجل قضية الصحراء رغم أن حكام الجارة الشرقية يعلمون تمام العلم أن الجزائر ستبقى خاسرة فيها وستتكبد وحدها تبعات صنيعتها البوليساريو، لأن المغرب سيبقى في صحرائه والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.




Circulez il n’y a rien a voir dans l’asile psychiatrique le bluff et le vide total