المنبر الحر

المنبر الحر | بين الهوية الثقافية والاتصالات الرقمية

بقلم: عائشة بوزرار

    أفرزت التقنيات الرقمية الحديثة مجموعة من الوسائط مثل وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، مما أتاح لهذه الوسائل الوصول المباشر إلى أعداد هائلة من الجمهور حول العالم، وقد أدى ذلك إلى توسيع قاعدة المتلقين بشكل كبير، مما أتاح لهم فرصة المشاركة والتفاعل مع محتوى الرسالة الإعلامية، كما تغيرت طبيعة العلاقة بين وسائل الإعلام والجمهور، فأصبحت أكثر تفاعلية وفعالية من خلال إمكانية تلقي الردود والتعليقات وإضافة المحتوى الجديد من قبل المتتبعين.

يتناول كتاب “إشكالية التلقي في الاتصال الرقمي”، دراسة مجموعة من الإشكالات الخاصة بحقل الإعلام في إنتاج المعلومات الإعلامية على مختلف أنواعها، ما أدى إلى فتح المجال للاهتمام بدراسة العملية سعيا إلى فهم العلاقة الرقمية التي أفرزتها التكنولوجيا المعلوماتية والاتصال، وقد تمت مناقشة هذه الفكرة في المؤتمر الدولي المنعقد بجامعة دهوك (العراق)، وركز المؤتمر على دراسة المتلقي أو الجمهور للرسائل والمنتجات، وكذلك العوامل المؤثرة في عملية الاستقبال وتأثيرها، كما ناقش أيضا العلاقة بين الرسالة والمتلقي وقضايا هذه العلاقة، وتم تنظيمه بفضل جهود الباحثين والأكاديميين من أربع وثلاثين مؤسسة من جامعات ومعاهد ومراكز بحثية من مختلف الدول، حيث سعت الدراسة إلى التعرف على سمات ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال، وفهم كيفية تغيير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وطريقة توليد ونشر واستهلاك المحتوى ودراسة التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لهذه التغيرات التكنولوجية، وكذا فهم دور الشبكات الاجتماعية الجديدة ووسائل الإعلام المختلفة في نشر المعلومات والتفاعل، وتحليل كيفية تغيير وسائل الاتصال الحديثة لعمليات التواصل والتعاون، وأيضا استكشاف الفرص والتحديات المتعلقة بتطور التكنولوجيا، مثل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي ودراسة دور الحكومات والشركات في تشكيل وتوجيه تطور تكنولوجيا الاتصالات.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والتعايش مع الآخرين والتفاعل الثقافي بين المجتمعات من أهم مقومات بناء مجتمعات متسامحة ومتكاملة، وقد أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة فرصا غير مسبوقة للتواصل وتبادل الأفكار والمعارف بين شعوب العالم، ويمكن استغلال تقنيات الاتصال لبث برامج ومحتوى إعلامي يعرف بتنوع الثقافات ويحفز على احترام الهويات الثقافية للشعوب، كما يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون بوابة للحوار بين حاملي ثقافات مختلفة، فقد أصبحت بمثابة ساحة عامة عالمية يلتقي فيها أفراد من مختلف ثقافات وبلدان العالم للتفاعل والتعرف على تراث وتقاليد بعضهم البعض، مما ساهم في تعزيز التسامح وإغناء المعارف الثقافية لدى الأفراد والمجتمعات.

مفهوم الثقافة يعد أحد أهم المفاهيم التي ساعدت البشرية على تحقيق التقدم والازدهار، فالثقافة هي التراث الاجتماعي الذي تنقله الأجيال من جيل لآخر، وهي مجموعة المعارف والقيم والمعتقدات والتقاليد والعادات التي يكتسبها الفرد من بيئته الاجتماعية منذ الصغر، نظرا لتميزها بطبيعتها التراكمية والمستمرة، حيث تضاف إليها المكتسبات الجديدة من كل جيل، وهي تشكل الهوية الوطنية والمجتمعية وتعبر عن شخصية كل مجتمع، كما أن الثقافة تضم كافة منجزات البشرية من اكتشافات واختراعات وفنون وآداب وعلوم.

تتضمن الثقافة في المجتمعات الأفكار والمواقف واتجاهاته تجاه المشكلات والقضايا المختلفة، وهي التي تساعد في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، كما أن للثقافة دورا هاما في تنمية المجتمع ودفع عجلة التقدم الحضاري، فهي تمثل الروح والشخصية الحقيقية لأي أمة أو شعب.

تتمة المقال تحت الإعلان

يمكن للهوية الافتراضية أن تتوافق مع الشخص الحقيقي مع المحافظة على خصوصيته، باستخدام صورة رمزية أو تجريدية بدلا من الصورة الحقيقية للوجه أو استخدام صور مناظر طبيعية مثل الأشجار والورود كتمثيل للهوية، مثلما يمكن اختيار اسم مستعار يعكس الشخصية دون الكشف عن الاسم الحقيقي، وتقديم وصف عام للاهتمامات بدلا من تفاصيل شخصية قد تؤدي للتعرف على الهوية.. وهذه الطرق تتيح للشخص التعبير عن شخصيته مع المحافظة على خصوصيته في العالم الافتراضي.

إن مفهوم الهوية يتحدد من خلال مدى التقارب والتفاعل مع الآخرين في المحيط الاجتماعي والثقافي، فقد أصبحت عملية بناء الهوية لا تقتصر على البعد المادي فحسب، بل تتسع لتشمل البعد الافتراضي عبر مواقع التواصل كما تتعدد محددات الانتماء الهوياتية لتشمل الانتماءات الرقمية الافتراضية كالمجموعات على مواقع التواصل، حيث أصبح بناء الذات يتأثر بشكل مباشر بالتفاعلات عبر الشبكة مع مجموعات جديدة قد تكون خارج السياق الجغرافي والثقافي التقليدي بعد أن ظهرت أشكال جديدة من الانتماءات الهوياتية الافتراضية تعزز من تعقيد مفهوم الهوية في عصرنا الحالي.

يمكن القول أن المواقع والمنتديات على الشبكة العالمية توفر محتوى متنوعا يخاطب الأذواق الفكرية المتباينة، وبعض هذا المحتوى قد يركز على النقاشات العلمية والثقافية والسياسية بمستوى أعلى، مخاطبا الفئات المثقفة والمهتمة بهذه القضايا، وهذا يتيح فرصة لتبادل أفكار وآراء متعمقة بعيدا عن الطابع الجماهيري والسطحي لوسائل الإعلام التقليدية، كما أن التنوع في المحتوى يتيح للأشخاص حرية الاختيار والوصول إلى المعلومات والنقاشات التي تتلاءم مع اهتماماتهم وميولاتهم الفكرية، وبالتالي، فإن مثل هذه المواقع تسهم في تعزيز التفكير النقدي والحوار الهادف خارج إطار الاعتبارات الجماهيرية، مما يثري الحراك الفكري على شبكة الأنترنيت.

تتمة المقال تحت الإعلان

كان لاندماج ثورتي المعلومات والاتصالات أثر كبير في تطور تقنيات الاتصال ونقل البيانات، فقد شهدنا ظهور الحواسيب الرقمية القادرة على تخزين ضخم من المعلومات والوصول إليها بسرعة فائقة، كما ساهم تطور تقنيات الأقمار الاصطناعية في نقل البيانات والصور بين القارات بشكل فوري، وجاءت الأنترنيت لتمثل قفزة نوعية في عصر المعلومات من خلال الشبكة العنكبوتية العالمية، وأنتج التقارب بين ثورتي المعلومات والاتصالات “ثروة الاتصال الخامسة”، وهي الانفجار الهائل في حجم البيانات المتداولة وسرعة انتقالها، وقد مهدت هذه الثورة لظهور عصر العولمة تحت واقع الشركات متعددة الجنسيات.

تعددت وتنوعت أشكال المحتوى الإعلامي لتشمل النصوص والصور والفيديوهات والبودكاستات، ما أتاح تلبية اهتمامات فئات مختلفة من الجمهور، واتسع مفهوم النص الإعلامي ليشمل أشكالا جديدة متعددة الوسائط.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى