تحقيقات أسبوعية

متابعات | مؤشرات إنهاء دور الوكالة القضائية الموروثة عن المارشال ليوطي

حسب تقارير رسمية، فإن كلفة الفساد في المغرب تبلغ حوالي 5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يعادل 50 مليار درهم سنويا، وأن الرشوة والفساد في الصفقات العمومية يكلفان حوالي 27 مليار درهم، حيث أن الفساد يفوت على المغرب بناء 150 مستشفى من الطراز العالي، وتشييد أكثر من 300 مدرسة ذات مستوى عال كل سنة، إلا أن الدولة لا تستطيع استرجاع قيمة الأموال المنهوبة والمختلسة التي تصدر فيها أحكام قضائية أو التي تصدر عن المحاكم المالية، بسبب الصعوبات القانونية وغياب المعلومات الكافية عن ممتلكات الأشخاص المتورطين في قضايا الفساد.

إعداد: خالد الغازي

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

    تعتزم وزارة العدل طرح مشروع قانون يتعلق بإحداث “وكالة وطنية لاسترجاع الأموال المختلسة”، وهي خطوة جديدة لمحاربة الفساد والتصدي لظاهرة نهب المال العام واستعادة الأموال المنهوبة، لكن يبقى السؤال المطروح حول الانتظارات والآفاق من هذه الوكالة الرسمية عند خروجها لأرض الواقع، وهل تستطيع تخليق الحياة العامة والتصدي للفساد في ظل غياب قوانين رادعة لمحاربة الآفة والقضاء عليها وحماية أموال الدولة والمؤسسات ؟

وحسب متتبعين، فإن إحداث وكالة وطنية لتحصيل الأموال المختلسة والممتلكات المحجوزة والغرامات، أمر غير كاف للتصدي للفساد واستعادة الأموال العمومية المنهوبة في ظل غياب قانون إجباري للتصريح بالممتلكات، وخروج قانون الإثراء غير المشروع وقانون تضارب المصالح إلى أرض الواقع، قصد تتبع مراكمة الثروات والأموال من قبل منتخبين كبار ومسؤولي مؤسسات، وغيرهم من موظفي الدولة الكبار.

فمشروع إحداث “وكالة وطنية لاسترجاع الأموال المختلسة” يكشف من زاوية أخرى فشل استراتيجية الحكومة في مكافحة الفساد والتصدي لنهب المال العام خلال السنوات الماضية، خاصة في ظل ارتفاع القضايا المرتبطة بالفساد وظهور ملفات جديدة معروضة على المحاكم، واستمرار وضع العديد من القوانين داخل ثلاجة وزارة العدل، إلى جانب الدور الذي تقوم به المجالس الجهوية للحسابات في مصادرة والحجز على الأموال التي تكون موضوع تقارير للمجلس، والتي تحال على المحاكم للبت فيها.

فالكثير من الأموال العمومية تضيع بسبب الفساد والاختلاسات أو التلاعبات التي تحصل في الصفقات العمومية، والتي فجرت عدة قضايا ومحاكمات تجري أطوارها حاليا في مختلف المحاكم تتعلق بتدبير مجالس منتخبة ومؤسسات عمومية، بسبب صفقات والحصول على امتيازات أو السقوط في تنازع المصالح، مما يستوجب إخراج آلية جديدة ووسائل أخرى قصد مواجهة الفساد واسترجاع أموال الدولة المهربة وحتى المهربة إلى الخارج.

محمد المسكاوي

في هذا السياق، يقول محمد المسكاوي، رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، أن شبكته كانت هي صاحبة الدعوة الأولى إلى إنشاء “وكالة لاسترجاع الأموال المختلسة” ضمن المطالب التي قدمتها في ندوة صحفية بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني لحماية المال العام، يوم 24 مارس 2010، وهو نفس المطلب الذي أعادت تقديمه وتضمينه في مذكرة مطولة حول مقترحاتها للإصلاحات الدستورية المرتبطة بحماية المال العام إلى اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور بتاريخ 13 أبريل 2011، حيث طالبوا بـ”إحداث هيئة مستقلة للحقيقة وإرجاع الأموال المنهوبة، والعمل على إيداع تلك الأموال في صندوق خاص لتمويل متطلبات القضاء على آفة الفقر والبطالة، وبناء المدارس والمستشفيات والتجهيزات الأساسية اللازمة لإعادة تأهيل البوادي والجهات التي عانت ولا زالت تعاني من كل أشكال الإقصاء والتهميش.

وأوضح نفس المتحدث، أن “الدولة أخطأت عندما قامت بالمصالحة السياسية وأغفلت المصالحة الاقتصادية طالما أن سبب ارتكاب الجرائم السياسية كان بهدف التغطية على الجرائم الاقتصادية التي شهدتها بلادنا خلال المرحلة السابقة”، حيث شددنا غير ما مرة على أن المصالحة الاقتصادية الشاملة من خلال الوقف الفوري لنهب المال العام ومحاكمة المتورطين واسترجاع الأموال والمنقولات المختلسة، سينعكس إيجابا على مجموع الشعب المغربي وعلى كامل الجهات، ومن هنا جاء مطلب إنشاء هيئة مستقلة تتولى دراسة ملفات الاختلاس بكل شفافية، وتقديم ورفع المقترحات الكفيلة بوقف هذه الظاهرة الخطيرة إلى السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية، في انسجام تام مع مقتضيات الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد التي وقع عليها المغرب سنة 2003 وصادق عليها سنة 2007، يوضح المصدر ذاته.

وقال المسكاوي، أن الشق الثاني من المقترح، كان استثمار وتدبير الأموال والمنقولات المسترجعة من ملفات الاختلاس بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، في المشاريع التنموية التي تهم المناطق والجهات التي لا زالت تعاني من المؤشرات المتدنية في الفقر، عبر مشاريع تهم فك العزلة، من تشييد المستشفيات والمدارس والطرق، والتجهيزات اللازمة والمشاريع الاقتصادية التي يمكنها تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص الشغل، وبصيغة أخرى، ألا تحول تلك الأموال إلى خزينة الدولة لأنها ستدخل في المسار العادي لقانون المالية كنوع من المتحصلات التي سيتم إعادة برمجتها على القطاعات الحكومية بالشكل الروتيني، معتبرا أن القيام بهذه التدابير سيكون العنوان الحقيقي للمصالحة مع المواطنين بتلك الجهات، وإشارة قوية من طرف أجهزة الدولة في الانخراط الحقيقي وتوفير الإرادة السياسية لمكافحة الفساد.

وبخصوص عمل الوكالة القضائية، أوضح المسكاوي أنه “في ظل غياب نظرة تشريعية شمولية لمكافحة الفساد، لا زال المغرب يشتغل بنص قانوني يعود إلى فترة الاستعمار الفرنسي المتعلق بإنشاء الوكالة القضائية، لا تتعدى بنوده الصفحة، دون أن تبادر الجهة الوصية المتمثلة في وزارة المالية، إلى تقديم مشروع قانون لتطوير وتحديث تلك الوكالة، وإعطاء صفة واضحة للموظفين التابعين لها الذين يحظرون إلى جلسات المحاكم كباقي المرتفقين، بدون ضمانات إلزامية للتعامل معهم ومع متطلباتهم المهنية، علما أن تلك المؤسسة استطاعت خلال الأربع سنوات الأخيرة، إعادة أربعة ملايير درهم لخزينة الدولة، وفي مقابل عدم تطوير أدائها بسبب القانون المنظم، صدرت أحكام ضد خزينة الدولة تصل إلى 10 ملايير درهم، أغلبها يتعلق بنزع الملكية من أجل المنفعة العامة”، وشدد على ضرورة الحفاظ على دور الوكالة القضائية للمملكة باعتبارها محامي الدولة في القضايا المرفوعة أمام المحاكم المتعلقة بالاختلاس والتدبير، والعمل على تنفيذ روح وجوهر المقترح بما يسهم في مكافحة الفساد ببلادنا واستغلال جميع الثروات والإمكانيات في التنمية الاقتصادية  بمختلف أشكالها.

الحسين كنون

من جانبه، يرى المحلل السياسي الحسين كنون، أن هذا المشروع الذي يتعلق بإخراج وكالة وطنية لاسترجاع الأموال، سبق أن طالبت به وزارة الاقتصاد والمالية، لأن الوكالة القضائية للمملكة تحت وصاية وزارة المالية، بينما المشروع الجديد يتعلق بإنشاء وكالة وطنية مستقلة تتميز باستقلال مالي وإداري ترصد لها ميزانية خاصة ضمن قانون المالية (للتسيير، والتنظيم، والموظفين، والمستخدمين، والوسائل، والتجهيز..)، من أجل استرجاع أموال الدولة والإدارات العمومية وشبه العمومية، التي تكون موضوع أحكام نهائية حائزة لقوة الشيء المقضي به، موضحا أن الأحكام عندما تصدر من قبل المحاكم المالية أو العادية، سواء تعلق الأمر بجرائم الأموال أو الاختلاس أو الغدر أو الرشوة، تصبح الوكالة هي المسؤولة عن استعادة هذه الأموال، سواء عن طريق بيع الممتلكات المحكوم عليه، أو عن طريق بيع بالمزاد العلني أو تسوية تصالحية معه، أو تسوية مقاصة بيع عقار لاسترداد المال العام.

وأكد نفس المتحدث أن وجود الوكالة سيساهم في تخليق الحياة العامة عبر استرجاع أموال الدولة، لهذا لابد من فتح نقاش هادئ ورصين حول الموضوع ويجب أن يحظى بالمصادقة بالإجماع، لاسيما وأن جميع الأحزاب خلال الحملات الانتخابية ترفع شعار محاربة الفساد والريع، والحفاظ على الممتلكات العامة للدولة، مضيفا أنه في ظل الانتظار المستمر وتعثر مشروع القانون الجنائي، خاصة في شق الإثراء غير المشروع، يعد مشروع الوكالة فرصة مناسبة للأغلبية والبرلمان لكي لا يخلف الموعد مع التاريخ ويصادق على مشروع إخراج الوكالة إلى حيز الوجود، تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي حتى يتسنى لها القيام بدورها في محاربة الفساد والريع وكل ما من شأنه أن يمس بميزانية الدولة أو أموالها، سواء في الجماعات الترابية أو شركات شبه عمومية أو أموال عمومية لدى مؤسساتها.

واعتبر كنون أن إخراج الوكالة لحيز الوجود سيعطي إضافة نوعية لتعزيز باقي مؤسسات الحكامة، لاسيما وأن المغرب منذ دستور 2011 قام بإحداث عدة مؤسسات (مجلس المنافسة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المجلس الوطني لحقوق الانسان، مؤسسة وسيط المملكة، مجلس الأعلى للحسابات…)، التي غايتها نبيلة، إذ أن هذه الوكالة ستنضاف إلى مؤسسات الحكامة والمجهود الذي يقوم به المجلس الأعلى للحسابات من أجل غاية فضلى، وهي الحفاظ على مالية الدولة، مؤكدا على ضرورة تخصيص قانون تنظيمي للوكالة يحال على المحكمة الدستورية، يحدد اختصاصاتها ونطاق اشتغالها وصلاحياتها وكيفية تحصيل الأموال حتى لا تتعارض مع الجهات القضائية والمجلس الأعلى للحسابات ولا تقع في تداخل الاختصاصات، مع إمكانية إحداث وكالات جهوية تابعة لها، من أجل تقريب الإدارة من المواطنين وتحقيق أهدافها.

وحاليا، تقوم الوكالة القضائية للمملكة، والتابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، بدور وكالة استرجاع أموال الدولة لكن صلاحياتها محدودة وغير مؤطرة، بالرغم من حضورها للمحاكم للدفاع عن مصالح الدولة أمام القضاء، إلا أن الظهير الذي ينظم عمل المؤسسة والمعمول به حاليا، يعود إلى سنة 1953، أي قبل الاستقلال، حيث يمنح للوكيل القضائي تمثيل الدولة أو مكاتبها أو مؤسساتها العمومية بالدفاع عنها أمام القضاء.

وحسب تقرير الوكالة القضائية للمملكة، فقد تمكنت من استرجاع أكثر من 82 مليون درهم من الأموال المختلسة، بناء على 13 من الأحكام والقرارات القضائية الصادرة لفائدة الدولة، كما قامت بتنفيذ أحكام قضائية صادرة لفائدة الدولة تبلغ قيمتها المالية أكثر من 3 ملايين درهم من الأموال المختلسة، حيث تم استرجاع هذه الأموال في إطار القيام بالمهام الموكولة لها لحماية المال العام ومحاربة الجرائم المالية، إذ أنها تعمل على التنصيب في الدعاوى الجنائية نيابة عن الدولة المغربية كمطالبة بالحق المدني لاسترداد الأموال المختلسة.

وسبق أن أكدت وزارة الاقتصاد والمالية، أنه بالرغم من الدور الكبير الذي تمارسه الوكالة القضائية للمملكة من أجل استرداد الأموال العمومية المختلسة والمبددة وتدبير الملفات المشار إليها، إلا أنه في إطار عملية الاسترداد تظهر مجموعة من الصعوبات والتعرضات والمنازعات ودعاوى الاستحقاق من أجل احتفاظ المحكوم عليهم بالأموال، وتطرح الإشكاليات من قبل المحكوم عليه، أو من ورثته أو من الغير، بالإضافة إلى الصعوبات القانونية التي تحد من تنفيذ الأحكام، منها اشتراط كون الأموال المنقولة والعقارية المطلوب حجزها، متحصلة من الجرائم المرتكبة، واشتراط وجود الدين الثابت للأمر بالحجز ما للمدين لدى الغير، وعدم تضمين ممتلكات الأضناء في محاضر الضابطة القضائية حتى يتحقق عنصر المباغتة والاستباقية في الحجز، وهو ما يكون سببا في تدعيم وإحداث آليات جديدة لاسترداد المال العام.

وأبرزت الوزارة أن الوكالة القضائية للمملكة تتولى مراقبة المسطرة وتنتصب في الوقت المناسب كمطالبة بالحق المدني نيابة عن الجهة المعنية، كما تقوم بمساطر احترازية موازية، من قبيل البحث عن الذمة المالية للمتابعين بالاختلاس أو التبديد، سواء كانت منقولات أو عقارات أو أسهما أو نقودا، بالاستعانة بجميع المرافق الإدارية التي بإمكانها ضبط هذه الممتلكات، بدء بالمحافظات العقارية والسلطات المحلية، وانتهاء بالأبناك والسجلات التجارية المحلية، وأيضا السجل التجاري المركزي.

واقترحت الوزارة تهييئ مشروع قانون لإعادة هيكلة وتنظيم وظيفة الوكالة القضائية للمملكة وتوسيع اختصاصاتها من أجل مسايرة التحديات الراهنة المتعلقة بحماية المال العام، وتقوية دورها في الدفاع عن الدولة وإدارتها في قضايا الاختلاس والتبديد بالنظر إلى التجربة التي راكمتها في معالجة هذا النوع من القضايا وتقديم الدعم القانوني والتنسيق مع مختلف الإدارات العمومية، وذلك من منطلق موقعها كعضو باللجنة المركزية واللجان الجهوية لاسترداد الأموال المختلسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى