تقرير | هل تعود الملكية إلى ليبيا بعد ظهور الأمير السنوسي ؟
ما بعد الربيع العربي واتفاق الصخيرات
لم تستطع الأطراف الليبية المتنازعة على السلطة لملمة الأزمة والرسو بهذا البلد المغاربي في بر الأمان في أفق إرساء قواعد دستورية للدولة وانتخاب رئيس واحد للبلاد بدل التشرذم الذي تعيشه منذ مدة.. فمنذ ما يقرب العشر سنوات – إذا استثنينا المرحلة من سنة 2011 تاريخ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي إلى 2015 تاريخ بداية اجتماعات المصالحة بين الفرقاء والتي احتضنتها مدينة الصخيرات – فلم تستطع كل الأطراف الالتزام بالصيغ المقترحة للخروج من الأزمة التي عصفت بالبلاد..

خلفت أحداث الربيع العربي تمزقا وتشرذما لا نظير له في ليبيا القذافي، حيث لغة العنف هي السائدة والصراع على السلطة بين عدة أطراف، ودخول الجماعات الإرهابية، وتضارب الرؤى والاستراتيجيات المتخذة لحلحلة الوضع.. كلها أمور ساهمت في عدم إيجاد سبيل للاستقرار السياسي، فمباشرة بعد مقتل معمر القذافي سنة 2011، عاشت ليبيا حالة غير مسبوقة من الاضطراب والفوضى وسقطت الدولة سقطة سياسية جعلت منها أرضا خصبة للميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية، التي لم تجد صعوبة في تجنيد عدد كبير من الليبيين لضرب بعضهم البعض في صراع محموم حول السلطة من جهة، ومن جهة أخرى لتحقيق أهداف وأجندات بعض الجهات في المساهمة في إبقاء عدم الاستقرار بالمنطقة..
وهكذا، سيطر المجلس الوطني الانتقالي المؤقت على البلاد إلى سنة 2012، عندما تم انتخاب المؤتمر الوطني العام، ومن تم دخلت البلاد في حرب أهلية بين قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر وجماعات إسلامية، وأطراف أخرى لم تر في المجلس الوطني أهليته القانونية لقيادة البلاد.
وقد عرفت ليبيا انقساما سياسيا حادا تحول إلى صراع عسكري على السلطة، التي أصبحت موزعة بين ثلاث حكومات كل منها تدعي الشرعية، ويتعلق الأمر بحكومة الإنقاذ، وحكومة برلمان طبرق، ثم حكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليا، هذه الأخيرة كانت قد انبثقت عن مؤتمر الصخيرات سنة 2015، بعد جلوس الفرقاء السياسيين إلى طاولة الحوار برعاية المملكة المغربية والأمم المتحدة، أما حكومة الإنقاذ، فقد انبثقت عن المؤتمر الوطني العام الليبي في سنة 2014، مقرها في طرابلس، وبسطت سيطرتها على أجزاء كبيرة من غرب وجنوب ليبيا من نهاية 2014 وبداية 2016، وهي التي ظلت تدعم ما يسمى “مجلس شورى بنغازي”، وهو تحالف الكتائب الذين أطاحوا بالقذافي، وشكلوا دروعا منضوية تحت لواء الجيش الليبي في حربهم ضد خليفة حفتر.. لولا أن هذه الحكومة أعلنت في أبريل 2016 عن مغادرتها للسلطة وفسح المجال أمام حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج لتسلم الحكم بعد أقل من أسبوع من دخولها البلاد، لكن فصيلا جديدا (تشكل من حكومة الإنقاذ وأعضاء من المؤتمر الوطني العام) تمكن في أكتوبر 2016، من السيطرة على مقرات المجلس الأعلى للدولة في العاصمة طرابلس، وهكذا عادت حكومة الإنقاذ إلى الواجهة، ودخلت المعترك بعدما دعا رئيسها خليفة لغويل إلى إيقاف عمل حكومة الوفاق الوطني، كما دعا إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية مع حكومة عبد الله الثني بطبرق، في إطار حوار ليبي-ليبي دون وساطة أجنبية، وحكومة طبرق كانت قد انبثقت عن برلمان طبرق المنحل في شتنبر 2014، مقرها مدينة البيضاء شرق ليبيا، وبعد اندلاع النزاع المسلح بين عدد من الأطراف المتناحرين، اختار رئيسها الثني زيارة مصر والتقى بالرئيس عبد الفتاح السيسي، بهدف “التنسيق الأمني والعسكري بحجة حفظ الاستقرار في البلدين الجارين”، وقد حظيت هذه الحكومة بدعم خليفة حفتر، ورحبت بتدخل عسكري مصري في ليبيا.
أي تمزق سياسي هذا؟ وأي فتنة هذه التي أوصلت ليبيا إلى التشرذم بعد أن كان القذافي يحكمها بقبضة من حديد ؟
توالت الانقسامات والصراعات رغم إقرار حكومة الوفاق الوطني، ورغم أنها تحظى بدعم دولي كبير.. إلا أن الأيادي الخفية لم تكف عن تحريك الرماد من تحت أركان الدولة المتضعضة، فغياب أسس متينة لإرساء دعائم دولة القانون، حيث كان القذافي يحكم بمنطق السلطة المطلقة في غياب لأي ديمقراطية أو إشراك قوى سياسية في تسيير شؤون البلاد والعباد، هو ما ساهم في هذا التمزق الذي تعيشه ليبيا الآن، حيث لم تستطع كل المحاولات والحوارات والاجتماعات الإقليمية والدولية، ولا حتى الوساطات الأممية، في كبح جماح الفرقاء السياسيين في السيطرة على الحكم، وهنا لا بد من التذكير بالمؤتمرات التي عقدت في الشأن الليبي، أبرزها اتفاق الصخيرات 2015، الذي تم التوصل فيه إلى تشكيل مجلس رئاسي يقود حكومة وفاق وطني، ومجلس أعلى للدولة (أعضاؤه ينتمون للمؤتمر الوطني العام ودوره استشاري)، إلا أن اللواء خليفة حفتر عارضه لأنه يخول للمجلس صلاحية عزله، ومن تم بدأ في التحرك لتعطيل بنود هذا الاتفاق، ثم جاء اجتماع باريس 2017، حيث اجتمع الرئيس إيمانويل ماكرون بكل من فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار وتطبيق “اتفاق الصخيرات”، كما نصت المبادرة الفرنسية على إجراء انتخابات في سنة 2018، ثم عقد بعد ذلك مؤتمر باريس 2018، بحضور السراج وحفتر وعقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ومشاركة ممثلين من 20 دولة، من بينها تركيا والجزائر وقطر وتونس ومصر والإمارات والسعودية والكويت، حيث تم الاتفاق على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية يوم 10 دجنبر 2018، ووضع الأسس الدستورية للانتخابات، واعتماد القوانين الانتخابية الضرورية، لكن، لا شيء تغير.. ليصل الفرقاء الليبيون إلى محطة مؤتمر باليرمو الإيطالية في نونبر 2018، شارك فيه السراج وحفتر، وحضرته وفود من 38 دولة، تركيا والجزائر ومصر وروسيا والولايات المتحدة، وغيرها، وتم الاتفاق على إجراء انتخابات في ربيع 2019، وتلاه في نفس السنة اجتماع أبو ظبي برعاية الشيخ محمد بن زايد وجمع اللقاء السراج وحفتر فقط، وهو اللقاء الذي تحدثت وسائل إعلام عن مناقشة الطرفين إمكانية إنشاء “مجلس أمن قومي مصغر تتوزع فيه الصلاحيات بين حفتر والسراج”، في الوقت الذي كانت فيه قوات حفتر ماضية في السيطرة على جميع المدن والقرى الرئيسية جنوب البلاد، وفي السنة الموالية (2019)، نزلت الأمم المتحدة بكل ثقلها في مؤتمر غدامس، في شهر أبريل، الذي حضره الأمين العام أنطونيو غوتيريس من أجل دعم فرص النجاح، حيث كانت الأمم المتحدة تعول على هذ المؤتمر لإنهاء الأزمة الليبية، وإقرار خارطة طريق ترسي قواعد العملية الانتخابية.. لولا أن حفتر قام بنسف المؤتمر بعد قيامه بهجوم مباغت على العاصمة طرابلس، ليأتي مؤتمر موسكو (يناير 2020) بعدما تمكنت تركيا وروسيا من إقناع طرفي النزاع بوقف إطلاق النار يوم 12 يناير، وجرى عقد اجتماعات منفصلة في العاصمة الروسية برعاية أردوغان وبوتين، ضمت حفتر وعقيلة صالح من جهة، وفايز السراج وخالد المشري من جهة ثانية، وكان مقررا التوقيع على اتفاق دائم لوقف إطلاق النار، لولا أن حفتر غادر إلى بنغازي دون التوقيع على الاتفاق، ثم عقدت ألمانيا مؤتمر برلين في نفس السنة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، حضره حفتر والسراج دون أن يتقابلا، ولم يوقع الأول على البيان الختامي الذي كان من أبرز بنوده “التأكيد على وقف إطلاق النار”، كما قصفت قواته العاصمة الليبية طرابلس بعد يوم واحد فقط من انعقاد المؤتمر.

وفي فبراير 2020، عقدت محادثات لجنة “5+5” العسكرية بمدينة جنيف، وشارك فيها خمسة ضباط من القوات التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وخمسة عسكريين تابعين لقوات حفتر، ضمن ثلاث مسارات (عسكري، سياسي، اقتصادي) اقترحتها الأمم المتحدة وتبناها مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية، إلا أن
حكومة الوفاق علقت مشاركتها في المحادثات في اليوم التالي، بعد قصف قوات حفتر ميناء طرابلس، خارقة بذلك الهدنة المعلن عنها.
وبناء عليه، قررت حكومة الوفاق “عدم مواصلة الحوار مع حفتر أو أن يكون له أي دور في مستقبل ليبيا”.
وقد ظل المغرب يبذل الجهود تلو الجهود من أجل لم الشمل الليبي، حيث استضافت المملكة في شهر يوليوز 2020 كلا من رئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، ورئيس مجلس النواب المنعقد في طبرق، عقيلة صالح، وعقدا لقاءات مع مسؤولين مغاربة دون أن يلتقيا، وذلك بعد توالي هزائم ميليشيات حفتر..
ومن جهة أخرى، فكما فشلت الحوارات، فشلت الوساطات الأممية منذ إسقاط نظام القذافي، والتي قادها كل من الأردني عبد الإله الخطيب، البريطاني إيان مارتن، اللبناني طارق متري، الإسباني برناردينو ليون، الألماني مارتن كوبلر، اللبناني غسان سلامة، والسلوفاكي يان كوبيش، ثم السنغالي عبد الله باتيلي، الذي قدم استقالته من المهمة الأممية مؤخرا، نظرا “لعدم وجود أفق لحل الأزمة الليبية” وفق ما صرح به.
وفي خضم تشابك الخيوط السياسية لهذه الأزمة، يبدو أن عودة الملكية إلى ليبيا أصبحت تفرض نفسها كخيار لتوحيد ليبيا، وبدأت بعض الأوساط السياسية تتحدث عن رغبة الأمير محمد الرضا السنوسي، نجل ولي العهد الليبي قبل الانقلاب على الملكية من طرف معمر القذافي، في استعادة عرش العائلة الملكية، وفق ما نشره الموقع الرسمي للأمير، كما تطرقت جريدة “لاكروا” الفرنسية، قبل أسبوعين، لاحتمال عودة الملكية إلى ليبيا، وقالت: “إن الملكية في ليبيا تجد دعما على نطاق واسع وسط القوى السياسية الداخلية والخارجية، باعتبارها سبيلا لتوحيد دولة تتكون من 3 أقاليم تتمتع بحكم ذاتي واسع”، وحسب نفس الصحيفة، فإن رئيس حكومة طرابلس عبد الحميد الدبيبة، دعا ولي العهد محمد الرضا السنوسي إلى العودة إلى ليبيا – في التاسع من فبراير 2024 – من أجل إنهاء المأزق الانتخابي، ولقطع الطريق أمام اللواء المتقاعد خليفة حفتر، أو أي من أولاد العقيد الراحل معمر القذافي”، والمقصود هنا سيف الإسلام القذافي، الذي بدأ منذ مدة يتحرك من أجل حشد الدعم لصالحه في أفق استعادة رئاسة ليبيا عن طريق الانتخابات(..)، ومن المرتقب أن يقيم السنوسي في قصر “الخلد”، الذي كان مقر حكم الملك إدريس السنوسي الأول بين سنة 1951 و1969.. السنة التي أطاح فيها القذافي بالنظام الملكي.
وهذا الموضوع ليس بجديد، إذ كان عبد الحميد الدبيبة قد طالب المجلس الرئاسي منذ سنة 2017 بإخلاء القصر المذكور تحضيرا لعودة الأمير السنوسي، كما أن وسائل إعلام ليبية بدورها تطرقت لإمكانية استعادة النظام الملكي.
وقد عقد الأمير السنوسي عدة لقاءات في تركيا، بداية السنة الجارية، مع شخصيات ليبية مهمة من أعضاء مجلس النواب والشيوخ وأبناء القبائل، بهدف تعبئة الرأي العام قبل أن تطأ قدماه الأراضي الليبية، حيث قال في تدوينة له عبر منصة “إكس”: ((في استمرار للجولة الرابعة من المشاورات واللقاءات التي نجريها في سعينا نحو إنجاح المساعي نحو حوار وطني شامل تحت مظلة الشرعية الدستورية الملكية، التقيت بكل الترحاب وفدا مقدرا من النخب والفعاليات الاجتماعية من الجبل الغربي وباطن الجبل من مختلف القبائل المحترمة من المنطقة الغربية من بلادنا العزيزة .
سعدت خلال هذا اللقاء بالنقاش الذي أثراه الإخوة الأفاضل بوعيهم وحرصهم على سلامة ووحدة وطننا الذي لمسته منهم، شأنهم في ذلك شأن جميع الوطنيين من الأخوات والإخوة الذين تشرفنا باستقبالهم خلال هذه الجولات من المشاورات المجتمعية الواسعة.. عبرت لهذا الجمع الكريم عن تقديرنا لدعمهم لمساعي إنقاذ البلاد من تشتتها ووهنها وأكدنا لهم على عزمنا الاستمرار حتى يمن علينا الله عز وجل النجاح الذي نتمناه من أجل بلادنا.
حفظ الله # ليبيا وشعبها الكريم)).
فهل تكون عودة الملكية الحل الأنسب لحل الأزمة الليبية ووضع حد للتشرذم الذي تعيشه ليبيا منذ سنة 2011 ؟



