
بالتأكيد أن مهمة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية ليست بالهينة، فبالإضافة إلى تعقد النزاع المفتعل وطول مدته، هناك أيضا خصوصية مسطرة التعيين، فبخلاف العديد من المناصب العليا بالأمم المتحدة أو المهمات الخاصة التي تعود صلاحية التعيين فيها حصريا للأمين العام أو باعتماد التصويت ببعض أجهزة المنظمة أو هيئاتها المتخصصة، إلا أنه بالنسبة للمبعوث الخاص فدور الأمين العام يقتصر على اقتراح مرشحين على أطراف النزاع، الذين تبقى موافقتهم شرط وجود، وليخضع بعد ذلك لمسطرة المصادقة النهائية لمجلس الأمن .
وعند شروع المبعوث في مهامه بناء على تكليف واضح من مجلس الأمن، يكون عليه استعمال كل مهاراته لابتكار صيغ جديدة من شأنها أن تحظى بموافقة الأطراف، وبالتالي، فمنذ وقف إطلاق النار سنة 1991، بلغ عدد المبعوثين الخاصين للأمين العام للأمم المتحدة بالصحراء المغربية ثمانية وهم: السويسري جوهانس مانس (1990-1991)؛ الباكستاني صحاب زادة يعقوب خان (1992-1994)؛ إيريك جينسن (1994-1997)؛ الأمريكي جيمس بيكر (1997-2004)؛ الهولندي بيتر فان فالسوم (2005-2008)؛ كريستوفر روس (2009-2012)؛ والألماني هورست كوهلر (2017-2019)؛ ثم الإيطالي السويدي ستيفان دي مستورا (2021..)، وفي ظل وتحت قيادة خمس أمناء عامين تعاقبوا على الأمم المتحدة وهم: بيريز خافيير دي كويلار (البيرو)؛ بطرس غالي (مصر)؛ كوفي عنان (غانا)؛ بان كيمون (كوريا)؛ وأنطونيو غوتيريس (البرتغال).
والمغرب الذي دأب على التعاون المستمر مع المبعوثين الخاصين تسهيلا لمهامهم، كان دائما يدبر خلافه مع بعضهم بالدبلوماسية التي لا تنفي الحزم عند الضرورة كما حصل مع جيمس بيكر وكريستوفر روس الأمريكيين على سبيل المثال.
في حضن هذه الخلفية التاريخية، وعلى ضوء هذه المعطيات، استقبل وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والجالية المغربية المقيمة بالخارج، ناصر بوريطة، يوم 4 أبريل 2024 ستيفان دي مستورا، الذي يقوم بجولة إقليمية لدى الأطراف الواردة في قرار مجلس الأمن 2703 من أجل إعادة إطلاق العملية السياسية للموائد المستديرة بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، باعتبارها الإطار الوحيد الذي حددته قرارات مجلس الأمن للوصول إلى حل سياسي وواقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق.
ورغم أن بلاغ وزارة الخارجية لطف مناخ اللقاء إعلاميا، لكن يبدو أن الجو كان مكهربا وشبه ودي، خاصة وأن المبعوث الخاص عائد لتوه من زيارة لجنوب إفريقيا، وهي الزيارة التي أخرجت العفريت من قمقمه، وبالتالي كان من الضروري مخاطبة المسؤول الأممي الإيطالي الجنسية، بالطريقة التي تنسجم مع خصوصية العقلية الإيطالية المتميزة بالوضوح في الخطاب وعدم الإطناب في (الصّْواب واللف والدوران) على عادة أهل السويد، ولهذا فرسالة الوزير المغربي كان لها من الوضوح ما يجعل المسؤول الأممي يعيد النظر في منهجية عمله ومقاربته للملف في حدود تفويضه، حيث قال بوريطة باسم المملكة المغربية: “لا، فلا، ثم لا”، والمقصود بـ”لا” هنا ليست عنوان المجموعة الشعرية للكبير نزار القباني في بكائيته لجمال عبد الناصر، وبعيدة أيضا عن فيلم الرعب الأمريكي لمخرجه جوردان بيل “لا”، ولا حتى الفيلم الفرنسي الذي دارت أحداثه في الشيلي سنة 1988 والذي اختار له مخرجه عنوانا مثيرا “لا”، وأيضا “لا” لا علاقة لها بصرخة الممثل المصري القدير يحيى الفخراني في المسلسل الدرامي الشيق “لا”.
بل إن ما كان يقصده الوزير هو “لا” النافية كما وردت في كل معاجم لغة الضاد الغنية:
1) لا عملية سياسية خارج إطار الموائد المستديرة التي حددتها الأمم المتحدة بمشاركة من الجزائر.
2) لا حل خارج المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
3) لا عملية سياسية جدية في وقت ينتهك فيه وقف إطلاق النار يوميا من قبل ميليشيات البوليساريو.
هذا الوضوح والحسم في الموقف المغربي، لا يمكن فهمه إلا في سياق المقاربة الجديدة للمغرب، فكلنا نتذكر الخطاب الملكي المخلد للذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء والذي ألقاه الملك من مدينة العيون سنة 2015، والذي كان محددا للداخل وموجها للدبلوماسية المغربية على المستوى السياسي والاقتصادي، حيث حسم الخطاب على مستوى الداخل وخاصة بالنسبة للعدد القليل من انفصاليي الداخل الذين لا زالوا ينساقون وراء أطروحات الأعداء ويروجون لها، فقال الملك بصريح العبارة: “ليس لهم مكان بيننا”.
وبالنسبة للدول التي تربطها علاقات التعاون الاقتصادي ببلدنا أو الشركات الدولية، والتي دأبت على اختيار مكان استثمارها بالمملكة دون الأقاليم الجنوبية، فالأمر انتهى والمغرب بلد واحد من طنجة إلى الكويرة لمن يريد الاستثمار.
أما على المستوى الدبلوماسي والسياسي، فالمغرب أصبح يرفض لغة الخشب في هذا الموضوع مع الأصدقاء والحلفاء قبل غيرهم، وعلى ضوء ذلك، يمكن قراءة العلاقة مع ألمانيا وفرنسا وإسبانيا… إلخ.
فالدرس كان واضحا والمعادلة أضلعها بارزة، لكن دي مستورا يبدو أن قوس زمنه السياسي قد أغلق.



