المنبر الحر

المنبر الحر | غزة.. الإنسانية في ظل حرب إبادة جماعية

بقلم: سيمو وصيف

    أصبحنا نعيش في زمن غابت فيه الإنسانية وتجزأت إلى إنسانية خاصة بالأوكرانيين (الأوروبيين) وإنسانية خاصة بالفلسطينيين (دول العالم الثالث) إن لم نقل أنهم لم يصنفوا بالمرة، لم لا ومتزعم الحركة الإنسانية الجديدة والمدافع عنها، هو الذي يدعي حقوق الإنسان وحتى الحيوان، ويسهر على بنود المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تنظم الإنسانية بين الدول، والذي بمجرد دخول أحد حلفائه للعبة، تلغى معاييرها بالمرة، وبلغت به الوقاحة حتى المطالبة بالهدنة الإنسانية فقط بدون وقف الحرب في غزة، مرة مدعيا أن الإسرائيليين متعنتين ومرة أن ليس له دخلا في سياسات الدول الأخرى رغم أنه هو المزود الرئيسي للأسلحة والذخيرة وحتى القنابل المدمرة والعنقودية، التي سبق تجريبها في الفلوجة، حيث تركها العالم مع الزعيم يفعل فيها ما يشاء بعدما انتهى من تدمير العراق متبعا سياسة الأرض المحروقة، متناسيا أن هناك بشر لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا على تلك الأرض، فهم لم يحملوا السلاح، ذنبهم الوحيد أن بينهم مسلحون معارضون للاحتلال صبغتهم أمريكا بالإرهاب لمحوهم من الخريطة وكأنهم نمل في مربعات حرقت الأرض بما فيها كحقل يعاد فيه إنبات نباتات جديدة بعد القضاء على الأعشاب الضارة، في نظرهم، وهو بالضبط ما تمت إعادته في غزة الجريحة، غزة المحاصرة التي ألفت هذا الاضطهاد الديني من طرف الإسرائيليين، فسنوات الحصار الطويلة زادتهم قوة وإيمانا بقضيتهم العادلة، وفهموا أن الأرض هي الثروة، هي الحياة، وأن تركها لا ولن يمكن حتى لو ضحوا بأرواحهم، فالاستشهاد أصبح امتيازا وافتخارا وتمنيا مهما بلغت درجة الحرب من تدمير وقتل بدون تمييز بين البنايات الآهلة بالسكان وبين المشافي والمدارس، فالموت في الأرض أفضل من التشرد في بلدان العالم الغربي المدافع عن الإنسانية الزائفة.

فرغم أن الشعوب الغربية كانت أغلبها ضد الحرب في غزة مطالبة بتوقفها ودخول المساعدات وبناء المستشفيات الميدانية، إلا أن حكوماتها كانت عكس ذلك، تشجب وتستنكر ما قامت به “حماس” وليس ما قامت به إسرائيل في تحد للشعوب الثائرة التي جسدت ذلك الرفض بمظاهرات ومسيرات قدرت أعدادها بالآلاف جابت مختلف العواصم والمدن، وبعد ضغط شديد من الشعوب وليس الحكومات، اضطرت أمريكا للضغط على الصهاينة، حينما تريد ذلك، لهدنة قصيرة لم تدم إلا أياما رأى العالم ما رأى من دمار وخراب لم تعهده البشرية في زمن الطواغيت، بدء من الرومان والإغريق والتتار ولينين وستالين وحتى النازيين، هو هولوكس من حرق ودك للمباني والبنيات التحتية، وحتى المستشفيات قطعوا عنها الماء والكهرباء ولم يشفع لهم حال المرضى في الإنعاش ومرضى القصور الكلوي، وحتى الخدج ماتوا في الحاضنات التي قطع عنها الكهرباء، والأطباء والممرضون ورجال الإنقاذ تم اعتقالهم لأنهم تشبثوا بإنسانيتهم للبقاء مع المرضى.. دمار شامل محيت فيه أحياء ومناطق ومدن بأكملها بقنابل تم تطويرها بعدما جربت في الفلوجة، لكن نسوا أن الفلوجة ليست غزة، وأن التعتيم الإعلامي الذي مورس في الفلوجة لم يستطيعوا فرضه في غزة رغم المحاولات العديدة لقطع الاتصالات، فالقضية الفلسطينية هي قضية الأمة العربية والأمة الإسلامية وأولى القبلتين..

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد استبشرنا خيرا بالهدنة، خصوصا بعد صفقة تبادل الأسرى المدنيين الإسرائيليين بالمعتقلين الفلسطينيين، لاسيما المحكومين بمدد طويلة بالسجون الصهيونية، وهنا ظهر الفرق واضحا بين معاملة “حماس” لأسراها معاملة إنسانية فيها طابع ودي بدون حقد ولا غل، وبدى ذلك ظاهرا على وجوههم لحظة تسليمهم للصليب الأحمر، وبين أسرى فلسطينيين منعوا من الاحتفال وتم اعتقال واستجواب أسرهم قبل إطلاقهم ومراقبة كل تحركاتهم، ورغم ذلك فضحوا السجون الإسرائيلية التي تنعدم فيها أدنى ظروف حفظ كرامة الإنسان وحقوق الأسير والسجين في المواثيق الدولية وحقوق الإنسان، ولم تدم الهدنة كثيرا رغم الانسيابية التي تعاملت بها “حماس” مع الوسطاء القطريين والمصريين مع تعنت الجانب الإسرائيلي وخلق الأعذار.

فمن أول يوم للهدنة إلى نهايتها، تأكد أن الجانب الإسرائيلي أعد العدة للهجوم على الجنوب بعدما دمر الشمال ووعد الناس أمام أنظار العالم بأنهم آمنين بالجنوب قبل أن يعاود قصفهم، وكل ذلك بمباركة عالمية.

نعم، إنه العالم الجديد الموعود، العالم “المتحضر”، يغمض العين عن تحطيم آخر آمال الفلسطينيين والغزيين بالخصوص، لوصول المساعدات، التي يتعذر إيصالها أو تسليمها في ظل طرقات مدمرة ومباني مهدمة.. إنها الإنسانية يا سادة في العالم المتحضر الجديد، إنسانية الفلسطينيين وإنسانية الأوكرانيين و”إنسانية” الإسرائيليين، وكم كان مضحكا استقبال نتنياهو لإيلون ماسك في أحد المستوطنات وبدأ يريه المباني المحروقة والمهدمة من طرف “حماس” ويشتكي بأنهم قتلوا عائلة وتركوا طفلة يتيمة أسروها وكانت من بين الصفقة، متناسيا الآلاف من الأطفال والرضع الذين توفوا نتيجة القصف العشوائي، وآلاف الجرحى من الأطفال والنساء لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في منطقة صراع بين الشر والخير بمنطقة زرع فيها سرطان بين أعضاء الأمة الإسلامية والأمة العربية للتحكم فيها وفي ثرواتها من طرف شيطان في صفة ملاك يسهر بنفسه على أمن وسلامة العالم حسب هواه.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن سياسة الحصار والتجويع تمنع وصول المساعدات بداعي وصولها لـ”حماس” والذي تفرضه إسرائيل بدعم أمريكي واضح محاولا في كل مرة إعطاءهم المزيد من الوقت للمزيد من الدمار والخراب، فـ 34 ألف قتيل وأكثر من 79 ألف جريح لم تكفيهم، بل الأدهى من ذلك، هي محاولة التغطية بـ 4 فيتوات بمجلس الأمن لإدخال المساعدات من البحر عبر جسر عائم بميناء غزة، تسلم من قبرص بعد أن يفحصها الإسرائيليون بحماية ألف عسكري أمريكي مع أن الميناء العائم يلزم شهرين ليتمكن من تسلم المساعدات، رغم أن المعابر مغلقة والمساعدات مكدسة بمصر تنتظر السماح لها بالمرور وأخرى تم تدميرها عمدا، وكل ذلك بعد أن فشلت المفاوضات للمرة الثانية مع “حماس” بوساطة قطرية ومصرية، ودائما تعنت الصهاينة.

الحرب تدخل شهرها السادس ولا يزال العدو يمارس محرقة نازية حقيقية ضد شعب فلسطين بينما قوانين العالم تقف عاجزة أمام محتل غاصب مجرد من القيم الإنسانية.

فهذه المعركة تؤسس لمرحلة جديدة على مستوى العالم عنوانها أن الحق لا ينتزع إلا بالقوة، فملحمة 7 أكتوبر جاءت ردا على عدوان متواصل منذ عقود بلغ ذروته بمحاولة تهويد وهدم الأقصى، والعربدة الصهيونية تصاعدت مع وصول أكثر حكومة تطرفا ونازية للحكم في الكيان كانت تخطط لما تقوم به حكومة العدو وتستخدم الخداع والمراوغة في التفاوض وتتسم بالتخبط والارتباك، ولن يهنأ العدو على أرضنا ولن يفلح في جلب الأمن لنفسه قبل أن يحصل شعبنا على حقوقه، فالفلسطينيون يواصلون معركة التصدي للعدوان في كل مكان يوجد فيه جيش العدو في غزة..

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى