تقرير | جبل تروبيك.. نقطة الخلاف المسكوت عنه بين المغرب وإسبانيا

يعود تاريخ الصراع بين المملكة المغربية والإسبانية إلى القرن التاسع عشر، وبالضبط من خلال الحرب الإسبانية المغربية، أو حرب تطوان، في الفترة بين سنة 1859 و1860، وذلك عندما أعلنت إسبانيا الحرب على المغرب في أكتوبر 1859 وانتهى الصراع بتوقيع معاهدة “واد راس” في 26 أبريل 1860، حيث نشبت هذه الحرب في شمال المملكة بسبب النزاع على حدود مدينة سبتة، وهنا لا بد من التذكير بأن سبتة استعمرها البرتغال سنة 1415 ومليلية احتلتها المملكة الإسبانية في سنة 1497، وبعد اتحاد المملكتين الإسبانية والبرتغالية، أصبحت سبتة خاضعة لحكم إسبانيا.

لقد مني المغرب خلال القرن التاسع عشر بهزائم عسكرية على يد القوى الأوروبية، ولا سيما في الحرب الفرنسية المغربية سنة 1844، وفي سنة 1856 وقعت الحكومة المغربية على المعاهدة الأنجلو-مغربية مع بريطانيا، والتي تم بموجبها تحديد الرسوم الجمركية المغربية (10 في المائة) وإنهاء الاحتكارات الملكية، وهو ما شجع إسبانيا التي تعتقد بأن لها حقوقا جغرافية وتاريخية ووضعية خاصة بالمغرب، بحكم ماضي وجودها في الأراضي الإفريقية، على احتلال الجزر الجعفرية الواقعة على مصب نهر ملوية سنة 1848.
فمنذ سنة 1840، تعرضت مدينتا سبتة ومليلية في كثير من الأحيان لهجومات من طرف قبائل الريف، خاصة في سنوات 1844 و1845 و1848، وبالمقابل، كان المبرر الذي تتخذه إسبانيا للحرب هو “معاناتها من غارات القبائل المغربية على سبتة ومليلية”، اللتين تعتبرهما إسبانيتين، وفي سنة 1859 وقعت إسبانيا في شخص الجنرال ليوبولدو أودونيل وزير الحرب في عهد الملكة إيزابيل الثانية، اتفاقية دبلوماسية مع السلطان مولاي عبد الرحمان، بعدما “تأثرت المناطق ذات السيادة الإسبانية، مليلية والحسيمة وجزيرة قميرة”، لكن الحكومة الإسبانية قامت بإنشاء مترس جديد على الجهة الخارجية لمدينة سبتة أواخر سنة 1859، والتي اعتبرها المغرب استفزازا له، فشنت قبائل أنجرة غارة على الجنود الإسبانيين الذين كانوا يحرسون المدينة، إلا أن وفاة السلطان عبد الرحمان يوم 28 غشت 1859 كانت فرصة ملائمة لتمكين إسبانيا من احتلال المزيد من المساحات بالمغرب، ومن تم أخذت تصعد من وعيدها، وألحت على تسليم زعماء قبيلة أنجرة والتي حملتها مسؤولية الهجوم الذي قامت به القبائل الريفية المحاذية لسبتة ردا على إحداث المترس، وحرصا منه على تفادي أي صدام بين الدولتين، اقترح السلطان الجديد محمد بن عبد الرحمان (1859 ـ 1873)، بمساعدة من إنجلترا، تقديم تعويضات مادية لإسبانيا وصلت إلى حد استعداده لإعادة رسم الحدود مع مدينة سبتة، التي كانت إسبانيا تصر منذ أمد بعيد على أن تلحق بها الأراضي الواقعة بمنطقة بليونش، غير أن حكومة مدريد رفضت ملتمس السلطان وأعلنت الحرب على المغرب في أكتوبر 1859، وقامت بإنزال حوالي 50000 جندي بمدينة سبتة، وهي الحرب التي انهزم فيها المغرب، وفرضت عليه معاهدة “واد راس” التي أقرت من بين ما أقرت به، “توسيع إسبانيا لمساحة سبتة ومليلية”، “اعتراف المغرب بسيادة إسبانيا على جزر إشفارن”، و”دفع المغرب تعويضات مادية لإسبانيا”، ثم “تسليم سيدي إفني لإسبانيا”..
وقبل ذلك، كانت إسبانيا قد احتلت أجزاء من الصحراء، وخاصة المدن الواقعة على المحيط الأطلسي، حيث بدأ الاستعمار الإسباني لمنطقة الصحراء سنة 1884، ومكثت فيها إلى أن أصبحت إقليما إسبانيا يحمل اسم “الصحراء الإسبانية” سنة 1934، وبقيت إسبانيا تستنزف خيرات الصحراء إلى حين استقلال المغرب، الذي طالب بأحقيته بالصحراء سنة 1957، وناضل في المحافل الدولية من أجل استرجاع الأقاليم الجنوبية، وهو ما تأتى له سنة 1975، وسنة 1979.
والواقع أن كل هذه الصراعات التي استمرت لقرون، لم تكن إلا غطاء لضمان الموارد الطبيعية والمواد الخام التي قام عليها اقتصاد البلاد المستعمِرة، علما أن منطقة الصحراء ببرها وبحرها غنية بمختلف مصادر الصناعات، لذلك كانت المنطقة ولا زالت محط خلاف بين المغرب وإسبانيا بالخصوص، اعتبارا لأهميتها الجغرافية، التي تتضمن جبل تروبيك، هذا الجبل/ الكنز الذي يقع على عمق يتراوح بين 1000 و4000 متر، تكمن شهرته في الكمية الكبيرة من المعادن والمواد الخام الصناعية المهمة التي يمتلكها، مثل التيلوريوم والكوبالت والفلزات النادرة..
ويمكن اعتبار جبل تروبيك حاليا نقطة “الخلاف الصامت” بين المغرب وإسبانيا، بعدما تم إغلاق معبر “باب سبتة” و”ابني انصار” بمليلية في وجه التهريب المعيشي، وهما النقطتان الحدوديتان اللتان كانتا تبيضان ذهبا بالنسبة لإسبانيا، واللتين ظلتا موضوع خلاف سياسيا وتجاريا لسنين طويلة، إلى أن قرر المغرب ترسيم حدوده البحرية، فلجأ إلى وضع حد للتهريب الذي يستنزف الاقتصاد الوطني.

وفي خضم تحسن العلاقات بين المملكتين الإسبانية والمغربية في الآونة الأخيرة، طفى على سطح الأحداث من جديد موضوع جبل تروبيك، الذي يقع في المنطقة الواقعة بين سواحل الأقاليم الجنوبية وجزر الكناري، وتدور حرب خفية حول من له الحق في ضمه إلى مساحته القانونية، ويرجع سبب الصراع إلى كون الموقع الجغرافي للجبل محايد، حيث لا يدخل في المساحة الخاصة لا للمغرب ولا لجزر الكناري الخاضعة لسيادة إسبانيا، علما أن البرتغال بدورها تطالب بمنطقة اقتصادية خالصة للجزر المتوحشة، التي تقع غرب جزر الكناري، وهو ما يزيد الموضوع تعقيدا، خصوصا وأن مدريد لا تعترف بسيادة لشبونة على هذه الجزر، التي شكلت منذ أن ضمتها البرتغال سنة 1938 نقطة خلاف بين البلدين، رغم أنه من الناحية القانونية، فإن القانون البحري يعطي الأفضلية للمغرب في ضم جبل تروبيك اعتبارا لسواحله الممتدة مقارنة مع سواحل جزر الكناري، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية ناصر بوريطة في إحدى تصريحاته سنة 2020، عندما قال: “لا يمكن تطبيق مبدأ خط الوسط في حالة وجود حدود بـ 750 كيلومتر أمام أخرى بـ 10 كيلومترات”.
وعلى الرغم من أن البيان الختامي للقمة المغربية-الإسبانية، المنعقدة بالرباط في فبراير 2023، تفادى الإشارة إلى هذا الملف الشائك درء لكل ما يمكنه تعكير صفو العلاقات بين البلدين، التي ما فتئت تخرج من غرفة الإنعاش.. إلا أن الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز للمغرب، أكدت بما لا يدع مجالا للشك سير البلدين نحو حل المشاكل العالقة، وخصوصا ما يتعلق بالمدينتين السليبتين، وملف الصحراء، والهجرة غير الشرعية، بعد تأكيد إسبانيا دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي سبق أن اقترحه المغرب لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، غير أن هذا التقارب بين إسبانيا والمغرب، إضافة إلى المناورات البحرية التي يقوم بها المغرب والتي ستستمر لبضعة أشهر بالمياه الجنوبية للمملكة، لم يرق حكومة جزر الكناري، التي طالب رئيسها فيرناندو كلافيخو بتوضيح الأمور في مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الإسباني خوسي مانويل ألباريس، هذا الأخير طمأنه بضرورة الحفاظ على التقدم المحرز في علاقات البلدين..
ولأهمية موضوع جبل تروبيك والجزر المحتلة، كان مجلس النواب قد صادق في يناير 2020 على مشروعي قانون يحددان المساحات البحرية للمغرب، “يبسط بموجبهما ولايته القانونية على السواحل الممتدة من السعيدية شرقا مرورا بطنجة شمالا إلى الكويرة، وهي الخطوة التي تمكن البلاد من تعزيز موقفها السياسي في مواجهة مطالب جوارها الجغرافي، وصون مصالح المغرب وحقوقه السيادية على كافة مجالاته البحرية، وهو ما سيمكنه من الاستفادة من الثروات التي تزخر بها هذه السواحل، خصوصا مع الحاجة المتزايدة إلى مصادر الطاقة والموارد الطبيعية لتعزيز التنمية بشكل مستدام”، حسب ما جاء في تقرير مركز الدراسات التابع للبرلمان، كما قال ناصر بوريطة – في تصريح صحفي – أن “المملكة أقدمت على هذه الخطوة بهدف ملاءمة التشريعات المغربية والدولية في هذا المجال للنصوص المغربية، التي تعود لسبعينيات القرن الماضي، والتي أصبحت متجاوزة، خصوصا بعد استكمال صياغة واعتماد اتفاق الأمم المتحدة في هذا الشأن”، علما أن المغرب لم يصادق على “اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار” إلا في سنة 2007، وذلك لسببين، يتعلق الأول بالتأخير الذي استغرقه النقاش حول القانون قبل المصادقة عليه، وثانيا، اعتبارا للمناخ السياسي في تلك الفترة، التي شهدت فيها قضية الصحراء عدة تطورات..
وتتضارب الآراء والتحليلات السياسية بخصوص رغبة المغرب الملحة في ضم جبل تروبيك لجغرافيته القانونية، وبالمقابل لا يتم الحديث عن مدينتي مليلية وسبتة المحتلتين، بين من يرى أن هذا الإجراء هدفه سياسي محض، يروم تعزيز سيادة المملكة على الصحراء بشكل كامل، وبين من يرى ضرورته الاقتصادية، أي تأمين الموارد الغنية التي تتركز في قعر المحيط من أجل ضمان سيرورة عجلة الصناعة، وخاصة ما يرتبط بصناعة السيارات، بينما تعتبر أوساط سياسية إسبانية أن أي اتفاق مستقبلي بين الرباط ومدريد بشأن المياه الساحلية للصحراء يلزم البلدين فقط ما دام أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي ملف الصحراء بشكل كامل على صعيد الأمم المتحدة.
فهل يتم التخلي عن سبتة ومليلية مقابل ضم جبل تروبيك والجزر المحيطة به في ظل مشاكل الهجرة غير الشرعية والتهريب، والتي تكاد بين الفينة والأخرى أن تفجر العلاقات بين المغرب وإسبانيا.. لولا ضبط النفس وتحلي قائدي البلدين بنظرة إيجابية لتخطي كل ما من شأنه أن يشعل صراعا الكل في غنى عنه، وذلك بتمتين العلاقات السياسية في سبيل إرساء العلاقات الاقتصادية ؟



