تحت الأضواء | الهجوم الإيراني على إسرائيل يفرض أخطاره على دول “التطبيع” والخليج

الرباط. الأسبوع
شكل الهجوم الإيراني على إسرائيل حدثا بارزا في وسائل الإعلام الدولية والعربية، نظرا لكونه استثناء منذ حرب الخليج الأولى التي شن خلالها العراق بقيادة صدام حسين، هجوما على تل أبيب، إلا أن الهجوم الإيراني الأخير طرح العديد من التساؤلات حول الهدف من وراء هذه الضربة وإخبار العالم بموعدها، وموقف البلدان العربية، خاصة دول التطبيع مع إسرائيل.
وحسب محللين، فإن إيران أرادت من خلال هذه الضربة العسكرية إرسال رسائل إلى إسرائيل والغرب بأنها قادرة على الوصول إلى العمق الإسرائيلي، وإلى أي بلد آخر، رغم أنها تعمدت أن تكون الضربة محدودة ومكشوفة للجميع دون أن تجرها إلى حرب شاملة، أي أنها كانت ضربة عسكرية مدروسة ومناورة للكشف عن قدراتها العسكرية، لكن بهدف حفظ وجهها دون أن تطورها إلى حرب مع الكيان الصهيوني وأمريكا.
ومن جهة أخرى، يرى نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، أن الهجوم الإيراني على إسرائيل كان مبرمجا منذ أسابيع، وتم بعد الاتفاق مع الجانب الأمريكي حوله حتى تكون الضربة العسكرية واضحة وغير مؤثرة، الأمر الذي اعتبره الكثير من العرب مجرد “مسرحية إيرانية”، لكون الضربة لم تسفر عن أي خسائر في صفوف الصهاينة ولم تسبب أي ضرر للجيش الإسرائيلي.
وبالرغم من الحدث الإعلامي الذي شكلته الضربة العسكرية الإيرانية على إسرائيل، إلا أن لها تأثيرا كبيرا وإحراجا للدول العربية، خاصة التي تربطها علاقة تطبيع مع إسرائيل، إلى جانب بلدان الخليج، التي التزمت الصمت تفاديا للدخول في مواجهة مع إيران قد تهدد استقرارها.
وقد قررت الدول العربية أخذ مسافة من الطرفين، الإيراني والإسرائيلي، وعدم الدخول في هذا الصراع، مثل الإمارات والسعودية وقطر وسلطنة عمان والعراق والبحرين ومصر والمغرب والكويت وسوريا، باستثناء الأردن، التي قررت المشاركة العسكرية مع التحالف الأمريكي البريطاني الفرنسي لإسقاط المسيرات والصواريخ الإيرانية فوق أجوائها، الأمر الذي خلف استياء شعبيا لدى الأردنيين والفلسطينيين.
ويرى محللون أن هناك تخوفا كبيرا من الدول العربية من القدرات العسكرية الإيرانية على إرسال المسيرات والصواريخ، واعتبارها تجربة ومناورة لقياس مدى وصول صواريخها إلى بلدان أخرى، وتوجس من أن تكون الضربة رسالة إلى الدول العربية، خاصة وأن بعضها ترى في الوجود الإيراني تهديدا للأمن القومي العربي، مما جعل الردود تختلف بين دول تدعو إلى الاستقرار وضبط النفس، وبين دول مساندة للهجوم الإيراني.
فالدول العربية التي تربطها علاقة تطبيع مع إسرائيل لا تستطيع إبداء موقف رسمي تجاه الضربة العسكرية الإيرانية بشكل واضح، حيث أن هناك شبه إجماع على التزام الصمت في هذه الأزمة، لكون الأحداث والوقائع غير آمنة، وقد تذهب إلى حرب مفتوحة بين إسرائيل وإيران، الشيء الذي قد تكون له تداعيات كبيرة على الأمن الإقليمي بالشرق الأوسط، خاصة وأن حكومة نتنياهو تبحث عن تصدير أزمتها الداخلية ودفع أمريكا إلى شن حرب على إيران، وهو ما ترفضه بلدان الخليج لكون الحرب قد تدمر المنطقة وتتسع إلى حرب شاملة.
ويتساءل البعض: هل يمكن أن تسير الدول العربية إلى تجميد التطبيع مع إسرائيل أو تعليقه في حالة قيام هذه الأخيرة برد عسكري قوي على إيران في عقر دارها، لكونها قد تتسبب في حدوث رد عسكري مضاد قد يؤدي إلى شن أمريكا ضربات أخرى من قواعدها العسكرية على طهران، الشيء الذي ترفضه بلدان الخليج، لكونه يهدد الاستقرار والأمن بالمنطقة، لهذا تسعى بلدان الخليج إلى منع اتساع رقعة النزاع في ظل التصعيد المتبادل بين إسرائيل وإيران، لحماية أمنها ومصالحها الاقتصادية ؟
وكشفت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، أن الهجوم الإيراني الأخير على إسرائيل أظهر تعاونا غير مسبوق من الدول العربية في مواجهة التهديد الإيراني المشترك، على الرغم من استمرار التوترات بسبب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، مشيرة إلى العقبات والقيود التي قد تحول دون ذلك، خاصة في ظل الحرب في غزة، وضعف بعض الدول العربية في مواجهة إيران بدون ضمانات أمنية أمريكية.
وحسب تحليل المجلة، فإن الحادث أسفر عن تعاون غير مسبوق من بعض الدول العربية والخليج في صد الهجوم الإيراني، بعد اعتراض الأردن عددا من المسيرات والصواريخ، بينما شاركت الإمارات والسعودية معلومات استخباراتية بشأن الهجوم، حيث شكلت الاستجابة العربية أول اختبار لبناء تحالف ناشئ في الشرق الأوسط ضد إيران، رغم الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة والذي يخلف غضبا لدى الشعوب العربية، تقول المجلة.
بدورها، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن دول الخليج وعلى رأسها السعودية والإمارات، حاولت تجنب اتخاذ موقف بشأن السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، فالتزمت الحياد إلى حد كبير في حرب أوكرانيا وطورت علاقاتها مع الصين، لكن عند الصراع بين إسرائيل وإيران، أصبح من الصعب الحفاظ على موقف متوازن أو محايد، مبرزة أن الصراع بين إيران وإسرائيل كشف صعوبة حفاظ الإمارات والسعودية على “توازن دقيق” بين إيران، منافسهما الرئيسي في المنطقة من جانب، والولايات المتحدة، الحليف الأمني الأهم لهما، وقالت: “من المرجح أن تجد دول الخليج نفسها أمام خيارين، إما السماح للقوات الأمريكية بشن هجمات من قواعد في بلدانها والمخاطرة بانتقام إيراني، أو استرضاء طهران والبقاء على الهامش، كما فعلت بشكل كبير منذ هجمات السابع أكتوبر التي أدخلت الشرق الأوسط في حالة من الاضطراب”.
والملاحظ أن البيان الأممي الذي يدين الهجوم الإيراني على إسرائيل، وانتهاك المجال الجوي لعدة بلدان في المنطقة، وقعت عليه 48 دولة من البلدان الدائمة أو الممثلة في مجلس الأمن الأممي، لا يضم أي دولة عربية، مما يؤكد اتخاذ موقف محايد من هذا القرار، الذي صادقت عليه كل من: الولايات المتحدة وألبانيا والأرجنتين وأستراليا والنمسا وبلجيكا وبلغاريا وكندا وكرواتيا وقبرص والتشيك والدنمارك والإكوادور وإستونيا وفنلندا وفرنسا وألمانيا واليونان والمجر وإيسلندا وإيرلندا وإسرائيل وإيطاليا واليابان ولاتيفيا وليختنشتاين وليتوانيا ولوكسمبورغ ومالطا ومولدوفا وموناكو والجبل الأسود وهولندا ونيوزيلندا والنرويج وولايات ميكرونيزيا الموحدة وبالاو وبابوا غينيا الجديدة وبولندا والبرتغال وكوريا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وإسبانيا والسويد وأوكرانيا والمملكة المتحدة.
ويبقى الترقب من الجميع حول التطورات العسكرية التي يمكن أن تحدث خلال الأسابيع القادمة، وهل يمكن أن يتطور الأمر إلى حرب مفتوحة قد تجر بلدانا عربية إلى مواجهة عسكرية مع إيران بقيادة أمريكا، الأمر الذي ترفضه دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية وقطر والكويت، والتي ترى أن أي تهور إسرائيلي قد يؤدي إلى تهديد الاستقرار في الشرق الأوسط.



